في صبيحة الحادي عشر من فبراير عام ١٩٠٨ صدرت " اللواء " مجلة بالسواد ، تنعي إلي المصريين زعيمهم الشاب مصطفى كامل ، فوجفت منهم القلوب وغصت الحلوق وانفجرت الدموع . ورأى العالم ما اذهله ، رأى مصر تهرع بجميع طبقاتها ، بشيبها وشبابها ، برجالها ونسائها . إلى تشييع جثمان زعيمها الراحل الذي لم يتجاوز الرابعة والثلاثين .
لم تكن حياة مصطفي كامل طويلة . ولكنها كانت عريضة عميقة ، كأعرض وأعمق ما تكون الحياة . ثم ألم مصطفى بمصر كما يلم الضيف - أو قل الطيف - العابر ولكنه بث فيها من روحه قيماً مقدساً أيقظها من سباتها ، وأضاء لها طريق نهضتها ؛ فاندفعت فيه تحطلم قيود الاستعمار ، وتبعث مجدها القديم . حقا اننا تعثرنا مراراً . وكبونا كثيراً ، وتخبطنا أحيانا ؛ ولكننا لم ننحرف قط ، بل نسير دائما في نفس الطريق ، ونهدف إلى عين الأهداف ، أن يجلو الغاصب المحتل ، وان تتبوأ مصر المكانة الجديرة بتاريخها ومقوماتها وإمكانياتها.
كان مصطفى كامل بلا جدال اكبر علم ، وكانت دعوته أبرز ظاهرة ، في تاريخ الحركة القومية لمصر الحديثة .
وتبدأ الحلفة الأولى من هذا التاريخ بالحملة الفرنسية ، وتنتظم تلك الأحداث القومية التى كانت نتيجة مباشرة لاحتكاك المصريين بالغزاة الجدد ، والتي بدأت بحركات المقاومة لهم ، ثم انتهت بالحدث الديموقراطي الخطير ، حين تولى محمد على عرش مصر بإرادة الشعب ممثلا في زعمائه . وعلى رأسهم السيد عمر مكرم . وقد بدأت مصر بذلك عهداً جديداً يتسم بالإصلاح الشامل والتقدم السريع والنزعة الاستقلالية.
أما الحلقة الثانية فتتميز بقدوم جمال الدين الأفغاني إلى
مصر ، وانتشار آرائه الحرة وتعاليمه التقدمية بين الشباب الواعي . وقد كانت هذه الآراء والتعاليم ثمارها في حركة عرابي الشعبية التي بدأت سلمية دستورية ، وانتهت - للأسف - بالاحتلال البريطاني البغيض .
ويمر التاريخ القومي بفترة خمود وسكون مدى ربع قرن ، ثم تبدأ حلقته الثالثة بالصيحة الدوية التي أطلقها في وجه الاحتلال زعيم مصر الشاب مصطفى كامل ، والتي رددتها من بعده مصر بأسرها ، وكانت دستور حركتنا المباركة الشاملة عام ١٩١٩ ، حيث تبدأ حلقة جديدة في تاريخنا القومى .
تبلورت في مصطفى كامل صلابة عمر مكرم ، ومثالية جمال الدين . وشعبية عرابي ، فكان طرازاً فريداً بين الزعماء . ظهر - كالأنبياء - في أحلك الأوقات وأعقد الظروف ، فالاحتلال البريطاني جاثم خانق . والباب العالي ينتهز الفرص ليؤكد تبعية مصر له ، والأجانب يرتعون في البلاد ويمتصون دماءها دون رقيب أو حسيب ، تحميهم امتيازاتهم وقنصلياتهم واتفاقاتهم . والشعب حكم الأفواه محمد الأنفاس ، والفادة بين مستسلم للأمر الواقع في ذل بغيض ، وبين مسالم ضعيف الإيمان يدعو إلى مصادفة المحتل والاستفادة منه ، هل ذلك يعيد لنا حقنا المسلوب .
وفي هذا العمر قام مصطفى كامل ينادي بالدعوة الجديدة ، دعوة الوطنية المتطرفة المناضلة ، التى لم يفسدها يأس ولم يشبها تخاذل . وظل ساهراً على دعوته . منافحاً عنها بمصر وأوربا ، حتى استشهد في سبيلها . وهكذا تعلمنا من مصطفى كامل دروس الوطنية الحقة ، والنضال العنيف ، والكفاح الذي لا يخمد ، والتطرف الذي لا يعرف التواء أو انحرافاً . وها نحن بعد ما مر بنا من تجارب لا تزيدنا الأحداث إلا إيمانًا بفكرته وتمسكا بمبادئه .
لم يقف مصطفى كامل بالوطنية عند حد الأفق السياسي
الضيق ، بل كانت الوطنية عنده بعثاً وإصلاحاً وبناء . وحركة عامة تشمل النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية . فهو أول من جعل لحركة مصر الوطنية أنصاراً من أكبر الشخصيات في فرنسا وألمانيا وإيطاليا وانجلترا ، مثل جولييت آدم ودلونكل وكير هاردي وغيرهم . وهو الذي جعل من " اللواء" مدرسة للصحافة والوطنية ، تتلمذ فيها كثير من كبار كتابنا ، كما أوفد بعضهم إلى أوربا لإتقان فنون الصحافة والدعاية . ولا ننسى لمصطفي كامل وفقته الخالدة من مذبحة دنشواي وتأليبه الرأي العام الأوربي على الإنجليز ، مما اضطرهم إلى عزل كرومر والعفو عمن بقى ىي السجن من متهمي ذلك الحادث المشئوم .
إن الكثيرين منا لا يعلمون أن مصطفى كامل هو الذي وضع الحجر الأساسى فى بناء الجامعة المصرية الأهلية . فقد علم - رحمه الله - أن المصريين قرروا أن يقيموا له حفلاً في سبتمبر عام ١٩٠٦ عند عودته من أوربا . وكان قد سافر لينظم حملته الناجحة ضد الانجليز عقب حادثة دنشواي ،
فأرسل إلى صديقه محمد فريد يقول : " . . إني لا استطيع أن أقبل ثناء لا استحقه . أو إكراما لم افعل شيئا ليوجه إلى ولا يمكنني أن أرضى بأن يكون الشعور الوطني مدعاة لأن يكافأ الرجل عليه ، وهو لا يكون رجلا إلا به فخير هدية اقترح عليكم تقديمها للوطن العزيز وللأمة المصرية المحبوبة المجيدة ، هي أن تقوم اللجنة التي ألفت بدعوة الأمة كلها ، وطرق باب كل مصرى ، لتأسيس جامعة أهلية تجمع أبناء الفقراء والأغنياء على السواء ، وتهب الوطن الرجال الأشداء الذين يزيدون عدد خدامه الصادقين . هذه هي الهدية الوحيدة التي يليق بالوطنيين الصادفين إهداؤها لمصر والمصربين وكان أن استجابت الامة واللجنة لدعوته وجمع المال وانشئت الجامعة
ما أجدرنا في ذكرى هذا الرعيم العظيم ، أن نتمثل بقولته الشهورة : " لا معنى للحياة مع اليأس . ولا معنى لليأس مع الحياة " .
