الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 575الرجوع إلى "الثقافة"

فى ذكرى مولد الرسول :, رسول عظيم

Share

يقدر الناس قيمة الأرض بقدر ما تنتج من الثمار ، ويزنون الرجل العظيم بميزان الدرهم والدينار . . فكلما زادت غلة الأرض زادوا ثمن الأرض أو زادوا الإيجار . . وكلما جاد الجواد بمقدار من الدراهم والدنانير صار له عند الناس مقدار واعتبار ؛ ولكن ما بالنا إذا كانت أرضنا لا تعطى ثمرا ولكن تعطى قمرا ؟ وما بالنا إذا كان رجلنا لا يعطى دراهم ودنانير . . ولكنه يهدى إلى مالك الملك الذى هو على كل عطاء قدير . . إن أرضنا تكون أفضل الأرضين ، وإن رجلنا يكون أكرم الناس أجمعين . . تلك هى جزيرة العرب ، وهذا هو محمد سيد العجم والعرب

وفى أكناف طيبة هاشمى

تصرفه السماحة حيث شاء

إمام المرسلين ومنتقاهم

هوى الخيرات ختما وابتداء

كفته كرامة المعراج فضلا

بها فى القرب ساد الأنبياء

عظيم إن تواضع عن علو

كبير ليس يرضى الكبرياء

وذلك خير من حملته أم

ومن لبس العمامة والرداء

إذا اختلف رجلان على أمر من الأمور ، يكون التوفيق بينهما فى الغالب من صعب الأمور . . فإذا كان الاختلاف بين عائلتين ، تضاعفت الصعوبة فى التوفيق بينهما على الأقل ضعفين . . فإذا قام بالتوفيق بين الرجلين أو بين العائلتين جماعة من رجال الخير ، نسجنا لهؤلاء الرجال حلل الثناء وبذلنا لهم الشكر والتقدير ، ووصفنا كلا منهم بأنه المصلح الكبير القدير . . ولكن ماذا يكون الحال لو أننا أردنا من رجل واحد أن يوفق لا بين فردين ولا بين عائلتين ، بل بين قبائل متعددة ، ومعبودات من الأصنام جامدة

أتيت والناس فوضى لا تمر بهم

إلا على صنم قد هام فى صنم

والأرض مملوءة جورا مسخرة

لكل طاغية فى القوم محتكم

مسيطر الفرس بيغى فى رعيته

وقيصر الروم من كبر أصم عمى

يعذبان عباد الله فى شبه

ويذبحان كما ضحيت بالغنم

والخلق يفتك أقواهم بأضعفهم

كالليث بالبهم أو كالحوت بالبلم

ماذا كان فى استطاعة أكبر المصلحين أن يفعل ها هنا ؟ إن التوفيق بين هؤلاء وعر المسالك ، كثير المنعطفات

والدروب . . إلا على أولى العزم من الرسل . . فلا عجب أن فاز محمد فى هذا الامتحان العسير فوزا منقطع النظير . . لقد جعل من المتنابذين المتناحرين أمة واحدة ، تهدى إلى الخير ، وتأمر بالمعروف ، وتنهى عن المنكر . . لقد هدى الناس جميعا إلى النور ، وأخرجهم جميعا من الظلمات .

حين يرسل رجل إلى رجل رسالة ورسولا ، فإنه يحرص على أن تكون رسالته جذابة خلابة ، وأن يكون رسوله حصيفا حكيما . . فإذا كانت الرسالة والرسول مرسلين من رجل إلى رجال ، وجب أن تزداد العناية بفحوى الرسالة . وأن يزداد الاهتمام باختيار الرسول ، ولزم أن تكون الرسالة مقنعة ، وأن يكون الرسول قوى الحجة ، صافى الذهن لماح الخاطر . . هذا شأن المخلوق الضعيف حين يرسل رسالته ويختار رسوله . . لم تنكشف أمام عينيه صور القلوب ولا ضمائر النفوس ولا طوايا الأفئدة . . ولكن ما قولنا إذا كانت الرسالة والرسول ليسا مرسلين من مخلوق إلى مخلوق ، ولا من رجل إلى رجال . . بل مرسلان من رب السماوات وخالق المخلوقات إلى الناس أجمعين . . لاشك فى أن رسول الله يكون خير من أنجبته البشرية ، وأن رسالة هذا الرسول تكون قدسية سماوية .

يا رسول الله : إن ميلادك الخالد كان ولا يزال على رأس الزمان إكليلا . . وإن سيرتك الطاهرة العاطرة ترسل الأمل فى النفوس فياضا جميلا . . وإن ذكراك الباهرة تبعث البشائر فى كل واد لحنا طروبا نبيلا . . ترى ماذا يكون حال العالمين لو لم يرسلك الله بالحق رسولا . . ؟ من كان ينقذ الإنسانية من الجهل والجاهلية ، والضراوة والوحشية ، والرق والوثنية . . من كان يحيى القلوب الخامدة من سباتها ، ويوقظ العقول الراقدة من مواتها . .  ؟ من كان يملأ قلب الزمان بدعوة الحق والإيمان . . ومن كان يشنف سمع الزمان بالذكر والقرآن . .  ؟ .

اشترك في نشرتنا البريدية