الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 44الرجوع إلى "الثقافة"

فى سبيل جيل جديد . . .، سبب الشقاء ودواؤه، "ما أندر الحزن الذي يستمر بعد معرفة أسبابه !! "

Share

كتبت السيدة " كوسجريف " في كتابها " نفسية الشباب " فصلا بهذا العنوان نلخصه فيما يلي : هذا صبي سليم العقل صحيح التفكير ، قد أحيط بعطف والدين يحبانه حبًا شديدًا ، والحياة مفتحة أمامه كل ما فيها من آمال ؛ وفي صبيحة يوم نجده منتحرًا في فراشه ، ويدور البحث الدقيق فلا نجد لانتحاره سببًا أكثر من خيبة أمل بسيطة صادفته في الحياة ، ولكن ما من أحد إلا ويعتقد أن السبب أعمق من هذا وأشد خطرًا .

وتلك فتاة قد أتمت دراستها ، ولها أصدقاء كثيرون ، وأمامها حياة مليئة بالمشروعات والأعمال اللاذة النافعة ، ولكن فجأة تنتابها موجة حزن شديدة ، وتتوتر أعصابها ، ويحس أهلها وأصدقاؤها أنها تشكو المزاج السوداوي .

هذه الحوادث ليست مجرد أخبار تذكرها الجرائد . ولكنها حقائق ماثلة في تجاربنا اليومية ، وهي أكبر حجة ضد الاعتقاد السائد أن الشباب سعادة ، فقد تكون الحقيقة المرة التي يؤيدها الواقع أن الشباب شقاء .

إن في أعماق حياة كل منا شيئًا يجعل للحياة قيمة ، لابد أن تجد فيها ردًا شافيًا لمثل هذه الأسئلة التى ترهق تفكير الشباب : ما هي الحقيقة ؟ أتستحق الحياة حقًا كل هذا الجهاد والعناء ؟ وإلى أي غاية تسير بنا وبكل من فيها آخر الأمر ؟ لابد للحياة من أن تزدخر ، لابد أن تكون متعة للروح والجسد ، لابد أن تتسع آفاقها وتلهبتا حماسة وحيوية كما تقدمت بنا ، هذه حقائق يقرها رجل الدين كما يقرها الفيلسوف ، وكما يقرها رجل الشارع .

والشباب يطلب هذا الازدخار وتلك الحيوية ، ولكنه لا يعرف كيف يصل . فالحياة تخيب مطالبه ، وتجاربه لا توحي إليه بما يجب أن توحي به . فهو يتردد ولا يجد من يرشده . وأخيرًا بحماسة الشباب وبقوته يندفع في اليأس - ولو إلى حين - من قيمة الحياة ومعناها . ولكن من الذي يمكن أن يرشد هذا الشباب ؟ أهؤلاء الذين فشلوا في حياتهم ؟ إن السنين تمر بسرعة البرق ، وعما قريب يصبح هذا الشباب هو القائد لشباب يأتي بعده .

فلو تدارك شباب اليوم نفسه مستعينًا بالقلة التي تستطيع أن ترشده لاستطاع هو أن يرشد من بعده ، ولازداد عدد الذين يفهمون الحياة ويقدرونها على مَرِّ الأيام ، ولاستطعنا أن نتطلع إلى مستقبل قريب نجد فيه الأحياء لا يعملون لمجرد العيش وإنما يحيون حقًا .

ولنحاول أن نحلل أو نصف بعض هذا النزاع الذي يدور في عقولنا وعقول أبنائنا . وإني أعرف عن ثقة أنك إذا سألت هؤلاء الفتيان عن شقائهم وأحزانهم ، لأجابوك بكلام هو وصف لظاهر الحال ، وإن ظنوا أنهم يقولون أسبابًا . فهم يعترفون أنهم أشقياء ، ثم يحاولون أن يذكروا أسبابًا بعيدة عما يجري في نفوسهم من نزاع لأنهم أحيانًا يجهلون وجود هذا النزاع فعلا . وقد ترى هؤلاء الأشقياء مسرورين فرحين بعد دقائق من هذا الاعتراف ، فتظن أنهم كانوا يمثلون أو أنهم نسوا سريعًا ما كانوا يحسون . ولكن الواقع أنهم مخلصون في فرحهم كما كانوا مخلصين في حزنهم . وقد كان الحزن حالة طبيعية تلازم مثل هذا الاعتراف ، كما أن السرور حالة طبيعية

تلي التخلص من عبء الاعتراف . هذه الأحوال الطارئة من الحزن والفرح قد يكون سببها جثمانيًا . فإن الإنسان خلق ليعمل ككل . والعطب في أي جزء منه يؤثر على القيادة العليا ، وهي تترك آثارها في كل جزء . والإنسان قد خلق ذا مطامع كثيرة ونزعات أكثر . وكل هذه النزعات والمطامع لا يتفق بعضها والبعض الآخر ، ومن هنا ينشأ التنازع بينها ، ومن هنا كان أكبر أسباب الشقاء ؛ إن وجد هذا النزاع فلا يمكن للظروف الخارجية - مهما تكن مفرحة بهيجة - أن تمحو أثره وإن خففته إلى حين . ولكن إن يكن من السهل أن تدرك أن هناك نزاعًا ، وأن نسمي تلك الحالة ونصفها فليس من السهل أن نصل بذلك إلى السعادة ، لا يمكن أن يمحى النزاع وآثاره إلا إذا عرفت أسبابه وعملت الإرادة في توجيهها إلى ما ينفع ويسعد .

قد يكون سبب الحزن كلمة أو معاملة تلقيناها من الغير ، وإذ ذاك تصبح القضية سهلة ، فالنزاع قائم في هذه الحال بين ما نظن أنفسنا عليه ، وبين ما وجدنا الغير يظنه فينا . وليس من علاج إلا أن نواجه الحقيقة ؛ فنحن إما أن نكون كما وصفنا الغير ، وعندئذ يجب ألا نعترف بذلك فقط ، بل نسعى إلى الإصلاح والتحسين ، وإما أن نتأكد من أن الغير مخطئ فيما ذهب إليه ، وعندئذ ليس أمامنا إلا أن نحاول إصلاح هذه الفكرة الخاطئة عند غيرنا ؛ ولكن الأهم من كل هذا هو ألا نعزو أسباب الحزن إلى أي شئ آخر ؛ يجب أن نواجه الواقع بكل إخلاص ، فلا ننسب الحزن إلى مرض الأم مثلا ، ولا إلى اشتغال بال الأب ؛ فإن إغفال الواقع والإفلات من مواجهته بأمانة وصدق أكبر ما يعرقل شفاء الأحزان .

وقد يكون هذا النزاع قائمًا بين ما نريد أن تكون أنفسنا عليه وبين ما هي عليه في الواقع . وقد اصطلح علماء النفس على تسمية هذا النزاع بمركب النقص . وهنا أيضًا لا يمكن إلا أن نفزع إلى الحق ، فنعمد إلى ورقة

وقلم ونحلل أنفسنا بكل إخلاص مدونين ما لها وما عليها ؛ ونحن لابد واجدون أن هناك مميزات هامة ، وقد لا تقل هذه المميزات عن السيئات . وعندئذ يجب أن نعمل في عزم ومثابرة على تنمية هذه الحسنات وإبرازها ، مؤكدين لأنفسنا أن حسنة واحدة إذا وصلت إلى كمالها يمكن أن تداري النقص في مجموعة من الحسنات .

وأحيانًا يكون النزاع نتيجة شعور نحو شخص معين فنحن طورًا نحبه وطورًا نكرهه ، ولا نعرف لهذا الحب والكره اللذين يتعاقبان سببًا . وهنا نلجأ إلى نفس العلاج ، ورقة وقلم ندون بهما الحسنات والسيئات ، ثم نحاول أن نصغر من شأن السيئات إن كانت غير ذات خطر . وبذلك نصل إلى تحديد شعورنا الحق سواء أكان حبًا أم كرهًا لننجو من هذا التناقض .

هذه صبية أتت بها أمها تشكو إليَّ أنها نزقة جدًا في بعض تصرفاتها ، عاقلة متزنة أكثر من سنها في تصرفات أخرى . وبعد حديث قصير مع الصبية عرفت هذه الحقيقة : كانت الصبية تقرأ كثيرًا ، فاستفادت من قراآتها نضجًا في التفكير ، وهذا ما جعل بعض تصرفاتها في غاية العقل والحكمة ، ولكن أمها لم تدع لها حق التصرف العملي في أي أمر من أمورها ، فظلت ناقصة من حيث التجارب العملية في الحياة . وقد عولجت الصبية بأن أدخلت مدرسة أدمجت فيها وسط بنات دون سنها بقليل ، ممن لا يهمهن أي شئ من هذه الأفكار العالية ، حتى إنهن لا يعرفنها أحيانًا ، وقد ألقت عليها الناظرة تبعة أعمال عملية كثيرة . وبعد فترة اتزنت قوى الصبية واكتسبت بالتجارب ما عادل في الميزان كفة قراآتها .

وكثيرًا ما يقوم النزاع بين الجيلين ، جيل الآباء وجيل الأبناء ؛ أولئك يريدون السلطان المطلق ، وهؤلاء يريدون الحرية المطلقة ؛ ولا يمكن علاج تلك الحال إلا إذا وجد التفاهم التام والثقة الكاملة بين الجيلين ؛ ولا بد لهذا التفاهم وتلك الثقة من أن تزرع بذورهما في الطفولة المبكرة

حتى يصبح الوالدان الملجأ المنيع الذي يُلجأ إليه في كل أزمة وإبان كل خطر . ففي سني الحياة الأولى يسهل جدًا اكتساب تلك الثقة ووضع أسس هذا التفاهم ، حتى إذا ما جاءت سنو الصبا العاصفة صعب على الصبي أن يزعزع إيمانًا قد رسخ . فإذا تأخرت هذه الثقة وذلك التفاهم إلى أوائل الشباب كان الأمل في وجودهما يكاد يكون مفقودًا . ومهما تغيرت العادات والتقاليد ، ومهما تغيرت الأذواق على مَرِّ السنين ، فإن أسسًا راسخة من تقاليد وعادات وذوق لا بد أن توجد في كل مجتمع متمدن في أي مكان وفي أي زمان . وهذه لا يمكن أن يغيرها تعاقب الأجيال ، ولكن لا يمكن أيضًا للشباب أن يفهم جوهرها والسر في وجودها إلا إذا أتيح له أن يجرب بنفسه .

ولا بد من الإشارة إلى هذا النزاع الأولى بين ما يحب الإنسان أن يصل إليه وبين ميله الطبيعي إلى توفير الجهد والإخلاد إلى الراحة . فإذا اقتنعنا أن العقل والإرادة والمواهب الإنسانية لا بد أن تكون آلات في خدمة أغراض صاحبها وآماله ، وإذا عرفنا أن الغرض الذي يستحق التقدير لا بد ان يتطلب مجهودًا يستحق التقدير كذلك - إذا وصلنا إلى هذه الحقائق استطعنا أن نتغلب على هذا النزاع الخطير . فلا بد - إذن - من التوفيق بين مطامعنا وجهودنا لنتجنب الشقاء ، فأما أن نزيد هذه الجهود لتناسب ضخامة المطامع ، وفي تلك الحال نسعد حقًا ، وإما أن نقلل من هذه المطامع ، وفي تلك الحال لا نشقى ، ولكنا نهبط إلى مستوى نعيش فيه كالحيوان ، وتمر علينا فيه الحياة متخاذلة مملة باهتة .

وللوراثة أثر عظيم في بعض هذا النزاع . فنحن نرث مميزات عن الأب وأخرى عن الأم . وقد تتعارض هذه المميزات فنشقى من تعارضها . هذه فتاة جاءتني وقد ورثت عن أمها حب الفنون والموسيقى خاصة ، ولكنها ورثت من أبيها - وكان رجل أعمال وتجارة ناجحًا كل النجاح -

مميزات تتعارض وهذا تمام التعارض . هذه الفتاة تندفع في فنها حينًا ، وكانت أمها على وشك التضحية بالزواج من أجله ، ولكنها تقف أحيانا تسائل نفسها ما نفع هذا ؟ أو ليس الأفضل والأنفع أن تعمل شيئًا له نتيجة تُرى . هذه الفتاة لم يكن أمامها إلا أن تخلو إلى نفسها وتدرسها وتقرر أي الميلين فيها أقوى ، ثم تصمم على تضحية الميل الضعيف في سبيل الأقوى ، ثم لا تعمل إلا في طريق واحد فقط . ولكنها يجب أن تعرف أن أرقى الطبائع البشرية هي التي منيت بهذا التناقض والتعارض ، وأن الميل الواحد الذي لا يخالطه ما عداه يخلق من صاحبه متعصبًا قلما ينجح في عمله . ولكن المهم هو ألا يوجد هذا التناقض في العمل . ولا يؤثر وجوده في العقل أثرًا ماديًا . لأن العمل يجب أن يسير في اتجاه واحد حتى يسير دائمًا إلى الأمام .

إن الشباب لا يمكن أن يخلص من مشاكله ؛ فهو مشكلة في نفسه ، لأنه قليل العلم فقير التجربة ؛ ولكنه في الوقت نفسه قوي الإقبال على الحياة التي يجهلها ؛ فإذا كان لابد للمشاكل من أن تعرض فليس معنى هذا أنها لا بد أن تشقي صاحبها . وأهم ما يجب أن نذكر هو أنه كلما تأخرت مواجهة المشكلة في إخلاص ، وكلما تأخرت الرغبة الصادقة في التغلب عليها استعصى الحل وكلف صاحبه الكثير من الشقاء والآلام .

والمشكلة لا توجد إذا كان لها جواب واحد صريح ، لأنها عندئذ تكون سؤالا فقط ؛ وإنما المشكلة توجد عندما نجد أمامنا جوابين وأحيانا ثلاثة ، كلها صادقة وكلها متعارضة لأنها تنظر إلى المشكلة من وجهات مختلفة . فإذا آمن الشباب في فجر حياته أنه ما من مشكلة إلا وهي قابلة للحل دفه ذلك عن نفسه وطمأنه إلى أن الخلاص من أي نزاع يقوم في النفس لا بد له من طريق . وليعلم الشباب ، لعل هذا العلم ينفعه ويزيده شجاعة وعزمًا ، أنه - للين مزاجه ولسعة أفق الحياة أمامه ولأنه لم تتمكن منه العادات تمكنها (البقية على الصفحة التالية)

من الشيوخ - أكثر قبولا لحل المشاكل وأكثر استعدادًا لزوال نتائجها بعد زوال أسبابها .

أيها الشباب ؛ إن الحياة لاذة مليئة بكثير مما يمكن أن يكشف ويجلب اكتشافه السرور ؛ وستجد على مَرِّ سني حياتك كيف تتسع الآفاق وتتزاحم المسرات وتلذ الأعمال إذا استطعت أن تجعل من نفسك وحدة متماسكة تعمل كلها في انسجام ووئام . عش حياتك وأنت تفهمها الفهم الحق ، فهمًا لا يوحيه الفتور ولا القانون ولكن فهمًا توحيه التجربة وتؤيده المعرفة الصادقة .

اشترك في نشرتنا البريدية