رأس الأستاذ . س نيل مدرسة فى أرياف انجلترا جعلها حرة مطلقة ، ولم يقبل فيها إلا الذين يريدون أن يعالجوا أنفسهم بإخلاص من نقص يحسونه أو يحسه أباؤهم فيهم . ولقد كتب عن تجارية فى تلك المدرسة وأرائه التى وصل إليها بعد الدرس والعمل كتابين ، الأول يعالج فيه الطفل الشاذ ، والثانى يعالج فيه الوالدين الشاذين ، مؤمنا أن الطفل لا يكون شاذا إلا إذا كان الوالدان شاذين
وستنقتطف هنا بعض ما جاء فى كتابه الثانى . الطفل مطبوع على حب الخلق والابتكار ، فإذا كبت هذا الطبع تحول إلى ضده ، كالحال فى الحب ، فإنه إذا كيت يتحول إلى الكره . ولقد صادقتنى حادثة مؤيدة لهذا ، وهى أن صبيا فى الثانية عشرة من عمره قد ترك مدرستى ليذهب إلى إحدى المدارس النظامية ، فترك الحرية ليذهب إلى القانون ، ترك الخلق والابتكار ليذهب إلى المقاعد المصطفة ، والأوقات المنظمة ، وخوف الأستاذ ؛ وفى أول إجازة له دعا نفسه إلى مدرستى زائرا ، فكسر فى الأسبوع الأول أكثر من عشرين نافذة ، ولكنه ترك يفعل ما يريد ، ففى سمر هل ( المدرسة ) كل له مل . الحرية ما دام عمله لا يضر بالغير . وكان أثناء إقامته فى المدرسة لا يحاول أن يكسر شيئا . لقد أفسد القانون النظامى ملكة الخلق والابتكار عنده ، وحولها إلى الهدم . ولقد منعه الخوف أن يكسر زجاج مدرسته المنظمة ، ولكن هنا حيث لا خوف ولا كبت الدفع بكسر فى لدة وفرح . وكان الصبى فى حالة صحية جيدة لا تؤدى إلى أى شذوذ ؛ ومرة ظهرت أمامه أثناء عمله فى الكسر ،
وسألته فى عدم اكتراث : " ماذا ؟ ما الفكرة وراء كل هذا ؟ " قال : " لا شئ ، مجرد فرف " . قلت : " قرف من أى شىء ؟ " قال : " من مدرستى " . قلت : " ولم لا تكسر زجاج مدرستك بدل أن تكسر زجاج مدرستى أنا ؟ " قال : " آه ، لم أكن أجسر " .
وهذه طفلة جاءت بها أمها تشكو من صراخها وقدارة ملابسها . والطفلة فى السابعة من عمرها ، والأم من هؤلاء اللواتى بعثن فى تقدير ، مبالغ فيه دائما ، للرأى العام . وكان الصراخ والقذارة مما أغاظ الأم لآثر هذين النقصين فى الرأى العام - رأى جارانها . وبعد درس تبين لى السبب . هذه الطفلة كانت موضع عنابة أمها وحبها كله ، ثم جاء فى الأسرة زائر جديد هو طفل أخو الطفلة ، فتحول جزء كبير من حب الأم ، وجزء أكبر من عنابتها نحو هذا المولود الجديد . وكان الطفل الجديد دائم البكاء ، والبكاء بلغت نظر الأم إليه ويضطرها أن تزيل سببه ، وكان الطفل إذا انسخت ملابسه نال من عناية أمه التى تحرص على المظهر أكبر قسط . لم نجد الطفلة أمامها إلا هذين السلاحين لتستعيد بهما حب الأم وعنايتها ، لذلك هى تصرخ ، ولذلك هى تقدر ملابسها . ولقد كرهت الأم منها ذلك كل الكره ، ولكن هذا لا يؤثر كثيرا ، المهم أن الأم تظل دائما ملتفتة إليها ، دائما مستعنية بها .
لا يمكن لدروس التاريخ والفانون أن تجعل من الانسان عضوا عاملا فى المجتمع راضيا عن قوانينه . الطريق الوحيد
هو التجربة ، والتجربة يجب أن تتاح للآفراد فى سن مبكرة ، والتجارب القاصرة لا تؤدى شيئا ، لابد من التجربة الكاملة ؛ فالطفل يجب أن يترك له الحرية فى تقرر مسائل جسيمة شديدة الخطر ؛ والتجربة التى تعطى للطفل فى أن يشرع لنفسه القانون الذى يسير عليه مجيبة النتائج ! هذا صبى فى السادسة عشرة من عمره قد طرد من المدارس العامة لأنه غير صالح ، بل إنه سارق دائم الثورة على القانون . وظل فى مدرستى ستة أسابيع اشترك فيها فى وضع قوانين المدرسة كسائر التلاميذ ، وأحس أنه هو الذى يضع القانون ، وهو الذى يقتنع بفائدته قبل أن يطبقه . وفى يوم جاء إلى يقول : " قل لى يا نيل أتأذن لى أن أذهب إلى المدينة وحدى أريد شيئا أصلح به جهاز اللاسلكى ، وليس بين زملائى من يريد أن يذهب معى "
وكان القانون إذ ذاك ( فالقانون عندنا متقلب دائما ) أن الذهاب إلى المدينة يجب ألا يكون على انفراد
قلت : " إنى لا استطيع أن آذن لك فأنا لا أشرع القانون " . ثم ابتسمت وقلت له : " ولماذا لا نهرب من الباب الخلق ؟ لن يراك أحد "
قال : " أنا لا أفعل هذا " ولم يذهب إلى المدينة كان عمله معجزة فى نظرى ! فهذا تائر على القانون لا يريد أن يخالفه لأنه كان عضوا عاملا فى تشريعه .
كثيرون من الأطفال يستسلمون للخيال قرارا من الحقائق التى يكرهونها . ولعل أخطر شئ على حياة الطفل أن تهدم له خيالا قبل أن تبنى له ما يحل محله فى نفسه هذه " ييجى " فى التاسعة من عمرها . وكان تكوينها أقل من المتوسط جسما ونفسا . ولقد قالوا إنها متأخرة فى الفهم ، ولكن الواقع أن لا . هى تعيش فى الخيال ، لأن الواقع قد أفسده عليها حب أمها لأختها مارى ، فمارى أولى فصلها ، ومارى تستطيع أن تعمل هذا وأن تتفن ذاك . دخلت على ذات يوم وقالت : أريد درسا خاصا . قلت :
" حسنا . ماذا تريدين أن أتحدث عنه " . قالت : إنها لا تعرف ماذا تتحدث عنه . قلت : " ما اسم أختك " ؟ قالت : " مارى " ثم لوت شفتها وكثرت قليلا ثم قالت : " أنت لا تعرفها ، أنت لم ترها ؟ " قلت : " لم أفعل ؟ كيف ذلك ؟ إنها هنا ، ها هى " . ثم توجهت إلى عدة وسلمت عليها وقلت : " كيف حالك يا مارى ؟ " فكثرت بيجى مرة أخرى وسألت : " وهل هذه هى مارى ؟ " أجبتها : " نعم ، ألست فرحة بلقائها ؟ " فلم يجب ، ولكنها أمعنت النظر فى المخدة ثم ضربتها فجأة ضربة قوية . قلت : " ماذا ؟ ماذا تريدين ؟ " فلم تجب ، ولكنها قفزت فوق المقعد ورمت بالمخدة فى الأرض ، وقالت : " مارى ماتت " . قلت : " حسنا جدا ، والآن ابن الأم ؟ آه ، إنها هنا ".
ثم عمدت إلى مخدة أكبر مسلما عليها قائلا : " كيف حالك يا أماه ؟ " لم تقل يبحى شيئا ، ولكنها قفزت إلى الأم أيضا فرمت بها إلى الأرض ، وقالت : " وأمى أيضا قد ماتت " . قلت : " حسنا " ثم اقتربت من مخدة ثالثة وقلت : " أهلا ، شرقتنا يا مستر سمث " وسمت أبو بيجى . فجزت على أسنائها ولم تتحرك ، فقلت : " وماذا سنفعل فى أبى ؟ " . قالت : " لا شئ " . قلت : " إذا مارى ماتت وكذلك أمى . لم يبق إلا أبى . وسأكون أنا الأب . ها هو فى سريره . بييجى ، من فضلك قطورى ". فقفزت إلى الطاولة وجعلت تتحرك كأنما هى تعد شيئا ، ثم قالت : " أتظل فى السرير يا أبى ، أم إنك قائم لفطورك ؟ " قلت لها : " لا ، إنى أريد الفطور فى السرير " . وجاءت إلى بالقطور وهى تتمتم : " إنك كسول ، وأنا لا أريد رجلا كسولا كزوج ، آه لا كوالد " .
لقد ظهر واضحا أنها الآن وقد تخلصت من مزاحمتها على حب الأب قد بدأت تشعر بمكانتها . وانتفضت فجأة وقالت : " إن أحدا بطرق الباب ؟ " قلت : " ومن يكون ؟ " قالت : " جارتنا " ، قلت : " أدخليها " . فقامت إلى الباب وفتحته ، وكأنما قد أدخلت شخصا ، قلت
للداخلة الموهومة : " آه ، أنت جارتى تريدين الآن وقد ماتت زوجى أن تعنى بى ، لا ، إن بييجى ستقوم نحوى بكل شئ " . وقادتها بيجى إلى الباب فرحة ، لأنها كانت تريد بقصة الطارقة أن تمتحن مركزها الجديد أهو ثابت أم مزعزع أما وقد اطمأنت فهى تدفع الباب وراءها فى عنف ، بل تخرج لها لسانها أيضا .
بعد أن مثلت هذه المسرحية بدأت بيجى تتحسن فقد عاشت ما كانت تتخيله وتحلم به . كل فتاة تريد أن تكون هى موضع حب أبيها قبل الأم وقبل الأخت ويجى إحدى كثيرات يتعطل نموهن النفسانى لأنهن يكن فى المكانة الثانية فى أسرتهن .
