من وحى مقالة أستاذنا الجليل الدكتور أحمد أمين بك فى العدد الماضى
اكتبى إلى ، فما أنا إلا مخلوق ضعيف ، يفرح بالرسائل تأتيه ، فرحة الأطفال بالحلوى .
اكتبى إلى ألف مرة ، وارفعى الضواغط عن سن القلم ؛ خففى بعض الشىء من الضوابط واللجم والشكائم التى تكبحين بها القلم إذ تكتبين ، لعله ينساب انسيابا فيمتزج بانسيابه قلب بقلب وروح بروح .
اكتبى إلى ، فإنى أقرأ الرسالة وأطويها ، ثم أقرؤها ثانية وأطويها ، ثم أحفظها فى مكتبى ، لأعود إليها بعد أيام ، أو بعد ساعات . .
وقد عدت إلى رسالتك لأقرأها مرة أخرى وأطويها ، حين أحسست فى القلب خفقة غامضة تنادينى ؛ لكنى لم أكد أمسها بأصابعى ، حتى وسوس لى العقل بالتأنيب ، الذى ما انفك يوسوس لى به كلما نزت منى نزوات قلبى : يا بنى لا تتحدث حديث القلوب ، فهذه لغة الشباب ، ولم تعد شابا . . إن من سلخ من دهره ما سلخت من دهرك ، خليق به أن ينظر إلى الأشياء نظرة العقل لا نظرة الهوى .
وخفقان القلب - عند العقل - اضطراب فى دورة الدم ؛ وهذا الخطاب - عند العقل - ورقة عليها نثار من مداد .
هكذا همس لى العقل عندما عدت إلى رسالتك أقرؤها ، فارتعشت أصابعى ، وبردت دمائى ، وتندى جبينى بقطرات باردة ، لأنى رأيتنى عندئذ تافها سخيفا ، قد أفلت زمام عقلى من يدى ، وأسلمت نفسى لما يشبه ترهات الشباب ؟ فأعدت الرسالة مكانها ، ليرضى العقل عنى ، وعرفت بعدئذ
كيف أسكت القلب وأصرفه عن سخافات الصغار . لماذا أنصت للعقل فى نزوات الفؤاد ؟ .
لا ، عودى بربك فاكتبى إلى ؛ فإن كان وضع الهوى فى موضع العقل عيبا ، فكذاك وضع العقل فى موضع الهوى .
لكن أين يكون موضع العقل ، وأين يكون موضع الهوى ؛ هذا هو السؤال الذى تنزاح بجوابه مشكلات لا أول لها ولا آخر ، فلو تحدد لكل منهما نطاقه انحسمت أسباب الخلاف ، أو إن شئت دقة فقل إنه لو تحدد لكل منهما نطاقه . انحسمت أسباب الغضب عند الناس حين يقوم بينهم خلاف .
فأولا : لن يكون بين الناس اختلاف فى مسائل الهوى ، لأن الأهواء شخصية ذاتية بحكم تعريفها ، وما هو ذاتى بطبيعته لا يكون موضعا لجدال ، فإذا شعرت بالبرد ولم أشعر به ، وإذا أحسست ألما ولم أحسه ، وإذا استحسنت طعاما ولم أستحسنه ، لم يكن هنالك ما يبرر أن نعترك أو نصطرع ، فحالك خاص بك ، وحالى خاص بى .
وثانيا : قد ينشأ بين الناس اختلاف فى مسائل العقل ، لكنه اختلاف يستحيل أن يؤدى إلى غضب أو حقد أو قتال ، فإذا رأيت مثلا أن الضوء يسير فى موجات . ورأيت أنه جسيمات تنفث نفثات متتابعة بينها فواصل ، وإذا رأيت أن الخطين المتوازيين لا يلتقيان مهما امتدا ، ورأيت أنهما يتلاقيان فى اللانهاية ، وإذا رأيت أن الصحراء يمكن إخصابها ورأيت استحالة ذلك ، لم يكن
هنالك ما يبرر أن نعترك أو نصطرع ، إلا اعتراك الحجة واصطراعها ، وما سمعنا قط أن عالمين من علماء الرياضة أو العلوم الطبيعية قد انتهى بهما اختلاف الرأى إلى مبارزة بالسيف ، ليكون الحق للغالب .
إنما ينشأ الغضب بين فريقين ، وينشأ الحقد ، وينشأ العراك والقتال ، حين يختلط نطاق العقل بنطاق الأهواء الشخصية ، فنخضع مسائل الهوى لأحكام العقل ، ونظل فى جدال يستحيل - بطبيعة الحال - أن ينتهى ، لأن الأهواء لا تنتقل من شخص إلى شخص بالحجة ، إنما تنتقل بالإغراء ، فإن لم يجد إغراء ، فلا سبيل إلى نقلها بالإقناع ؟ ثم يستحيل أن يخلو اختلاف الناس فى مسائل الأهواء من الغضب وثورة النفس ، لأن أهواءك متصلة أوثق صلة بذاتك ، فمن أنكرها عليك ، فقد أنكر عليك وجودك كله وكيانك كله .
أعود فأقول إنه لو تحدد لنا على وجه الدقة أين يكون موضع العقل ، وأين يكون موضع الأهواء ، لانحسمت كل أسباب الغضب بين الناس حين ينشأ بينهم خلاف ، لأنه لا غضب حين يكون الخلاف فى مسائل العقل ، ولأنه لا وجه للمناقشة حين يكون الخلاف فى مسائل الأهواء الذاتية .
بل إننا إذا حددنا على وجه الدقة ، أين يكون موضع العقل ، وأين يكون موضع الهوى ، لما كان سبيل لاختلاف المرء مع نفسه ، كهذا الخلاف الذى دب بين عقلى وقلبى حين هممت بقراءة الخطاب بدافع من القلب ، وأبى على العقل ذلك لما فيه من سخافة ظاهرة . . فإذا كنت مثلا بصدد قياس البعد بين الشمس والأرض ، فلا يجوز لهواى الشخصى أن يتدخل فى أمرى ، بحيث يقول لى : اجعله كذا ميلا واخلص من الإشكال ، وكذلك إذا خفق قلبى لهذا الخطاب وأردت تلاوته مرة بعد مرة . فلا يجوز لعقلى أن يتدخل فى الأمر قائلا : إنه لا ينبغى لك أن تحس هذا الإحساس إزاء ورقة انتثرت عليها قطرات من مداد ،
لكن الناس يخلطون بين نطاق العقل ونطاق الأهواء ، بل إن الفرد الواحد يخلط بينهما ، فيعترك الناس فريق مع فريق ، ويعترك الفرد عقله مع قلبه
ولو جاز لنا أن نقول إن ميدان العقل هو ميدان العلوم . على اختلاف أنواعها ، فهلا يجوز لنا أن نقول كذلك إن ميدان الأذواق الشخصية هو الفنون على اختلاف صنوفها ؟ أظن ذلك
فموقف العالم إزاء جبال الهملايا ، هو أن يصف صخوره ويقيس ارتفاعه وما إلى ذلك : حقائق لو خالفته فى واحدة منها ، لم يشعر فى نفسه بدافع لمبارزتك بالسيف ، واكتفى بمطالبتك أن تسافر إلى الهملايا كما سافر ، وتصفه أو تقيس ارتفاعه كما وصف أو قاس .
أما موقف الشاعر أو الفنان بصفة عامة إزاء الهملايا ، فهو أن يحس إحساسا خاصا ، فيرهب جبروت الطبيعة مثلا ، أو يحب الإقامة فى غابات السفوح هناك ، وما إلى ذلك : إحساسات لو خالفته فى واحد منها ، لم يكن ثمة سبيل إلى اتفاق بينكما ، فإذا أحس هو جبروت الطبيعة بحيث عبدها ، وإذا جئت أنت فأحسست إزاء الطبيعة نفسها بالاستهزاء والاستخفاف ، فقد يؤذى فى شعوره إيذاء يدفعه إلى حمل السلاح ، فإما خشعت معه لما خشع له ، وإما فناؤك أو فناؤه .
وليس كل من يحس إحساسا خاصا إزاء شئ يخافه أو يحبه بقادر على إخراج هذا الإحساس فى كلمات إن كان أديبا ، أو فى ألوان إن كان مصورا ، أو فى حجر أو برونز إن كان نحاتا ، أو فى أصوات إن كان موسيقيا . . على أنه لا يجوز لك فى كلتا الحالين - فى حالة قدرة صاحب الإحساس على التعبير الفنى وحالة عدم قدرته - أن تجادله فيما أحس ، وإلا كنت بمثابة من يضع العقل فى موضع الهوى ؛ كل ما لك من حق فى هذا الصدد هو أن تذوق مذاقه أو لا تذوقه ، وكفى الله المؤمنين شر القتال .
ومن ثم كان أكبر اختلاف بين العلم والفن ، أى بين
الحالات التى يجوز لنا أن نحتكم فيها إلى العقل والتى لا يجوز فيها ذلك ، هو أن الأولى عامة يشترك فى إدراكها الناس جميعا لو أتيحت لهم وسائل الإدراك ، والثانية خاصة يدركها صاحبها وحده ؛ ولست أريد للقارىء أن يظننى مدافعا عن الاحتكام فى النقد الفنى إلى الذوق دون العقل ، لأننى على نقيض هذا الرأى ؛ فأنت تنتج الفن تبعا لذوقك وهواك ، وتتمتع بفن غيرك تبعا لذوقك وهواك أيضا ، لكنك إلى هنا لست بناقد . أما إذا بدأت تنقد ، فقد بدأت تناقش صاحب الفن فى فنه ، أعنى أنك قد أهملت الجانب الذاتى الخاص فى فنه ، لأن ذلك يستحيل بطبيعته أن يكون محلا لمناقشة بينكما ، وأخذت من فنه إطاره أو بناءه أو هيكله ، فهذا وحده ما يصح أن يكون عاما بينك وبينه ، وبالتالى ما يصح أن يكون محلا للمناقشة والنقد .
إننى حين كتبت مقالى " عندما أطلت من النافذة " لأسوقه مثالا على سبيل التجربة للاتجاه الحديث فى الأدب - بل فى الفنون عامة - وهو أن يسجل الأديب خواطره كما تقع له فى مجرى شعور بغير تفرقة بين ما يسميه الناس فكرة جليلة تستحق التسجيل ، وما يسمونه فكرة وضيعة لاتستحق الذكر - لم أتخذ موقف المدافع عن هذا المذهب ، لكنى أردت عرضه وتطبيقه على سبيل التوضيح والتمثيل .
وتفضل أستاذنا الجليل الدكتور أحمد أمين بك فنقد هذا المذهب فى مقال بالعدد الماضى من " الثقافة " - لكنه جعل بعض نقده قائما على أساس أن الخواطر المنسابة كما اتفق ، لا تتفق مع العقل ، لأنها لا تفرق بين ما هو شريف وما هو وضيع من الخواطر ، وأنها تهم علم النفس ، لأنها تصور نفسية الكاتب ، أكثر مما تهم الأديب .
وإنى وإن كنت لا أتصدى للدفاع عن هذا المذهب الأدبى بصفة عامة ، إلا أننى لا أرى أن هذا الجزء من نقد أستاذنا أحمد أمين بك يهدمه ، لأننا إن قلنا لأنصاره : إنكم لا تفرقون بين الشريف والوضيع من الخواطر ، كان جوابهم حاضرا على أطراف ألسنتهم وهو أن الرفعة والضعة من القيم الذاتية ، التى لا سبيل إلى المناقشة فيها كما
تناقش المسائل العلمية ؛ إننا نصور لك نفوسنا كما هى على حقيقتها ، فلك أن تحب هذه النفوس من أوصافها أو تمقتها لأنها من نوع لا يعجبك ولا تميل إليه ؛ وهل تقول للكاتب المسرحى : لا تصور فى مسرحيتك إلا الشخص العظيم ؟ .
إن غاية ما ينشده الأديب بأدبه أن يصور نفوسا : نفسه أو نفوس غيره فى ضوء خبرته ، وكلما دنا تصويره من الحبكة التى تجعل النفس المصورة حية واضحة المعالم ، كان أدنى إلى الكمال فى فنه ، ولا عبرة بعد ذلك أبدا للقيمة الخلقية لما صور ، فلا تفاوت فى القيمة الفنية بين تصوير الكريم وتصوير البخيل ، أو بين تصوير الشيطان وتصوير القديس . المهم دائما هو صدق التصوير . وكما أنه لا وجه للاختيار على أساس خلقى بين شخص وشخص عند التصوير الفنى ، فكذلك لا وجه للاختيار بين خاطر وخاطر على هذا الأساس الخلقى
وكذلك إن قلت لأنصار هذا المذهب : إن خواطركم المنسابة فى مجرى شعوركم تهم عالم النفس أكثر مما تهم الأديب ، كان جوابهم هنا أيضا على أطراف ألسنتهم ، لأنهم سيقولون : إنها تهم الأديب وعالم النفس فى وقت واحد ، لكن من وجهين مختلفين : فهى عند الأديب صورة فذة فردة حية ، وهذا كل ما يريد ، وهى عند عالم النفس مثل يستطيع أن يضيف إليه أمثلة أخرى من الأدب أو من الحياة الواقعة ، ليستخرج ما يريد استخراجه من قواعد وقوانين
لكن أستاذنا الجليل الدكتور أحمد أمين بك يؤثر أن يكون الأديب مهتديا بعقله فيما يكتب ، فيختار الطيب ويدع الخبيث ، ويريد أنصار هذا المذهب ألا يكون الزمام هنا فى يد العقل ، لأنه ليس من اختصاصه ، كما يقول أصحاب الدواوين الحكومية ؛ فهل هم على حق فى هذا التقسيم ؟ .
الحق أنى لو استطعت أن أضع حدا لاختصاص العقل فى شئونى ، لما عانيت فى حياتى الخاصة كثيرا جدا مما أعانيه من صراع بينى وبين نفسى ؛ وقد صدرت لك المقال بمثل يسير من هذا الصراع .
