صادفتنى أيام الشباب طائفة قليلة من رجال ، نزلوا من نفسى عندئذ منزلة إكبار لا ينتهى وإجلال ليس بعده مزيد ؛ ثلاثة منهم أو أربعة كاوا دوما أمام عينى مثلا أتمثل به حين أطلب لنفسى ، أو حين أسوق للناس مثلا ، للرجل كيف يصلب عوده وتتعدد جوانبه وتتنوع نواحيه ؛ كنت انظر إليهم نظرة الطفل إلى أبيه ، يراه عملاقا قادرا على كل شئ . فهو إن شاء أمسك بالقمر ، وهو إن أراد انزل المطر وأرانى بالقياس إليهم قطرة من محيط او ذرة من جبل . . آه لو كان لى قلم فلان وشهرته ولتنزل بى نكبات الدهر بعد ذلك ألوانا فما أبالي ؛ أو لو كانت لى هذه الحيوية الدفاقة التى لفلان وهذا الأفق الواسع والعلم الغزير ، إن شخصه ليملأ الفضاء حتى ليكاد يتعثر به السمع والبصر أنى مضيت ؛
وأنظر إلى فلان كيف كسب القلوب بترفعه عن الصغائر وازدرائه لما ينغمس فيه الناس إلى أذقانهم من نوافه ، وأين لك مكانة فلان في هدوئه واعتداده بنفسه حتى لتتوجه إليه الأنظار أينما حل ، أتذكر يوم جلس فى جمع كبير من كرام الناس وأحس التعب فى قدميه فخلع الحذاء فى حركة ثابتة طبيعية كأن إنسانا لم يكن معه ؟ أين أنت من هذا وأنفاسك تكاد تنقطع حياه من نفسك ... هكذا كان هؤلاء الرجال يملأون متى شعاب الخيال فى عهد الشباب .
ومضت الأعوام وازددت خبرة بالناس وطبائعهم ، وراقبت عن كتب وفى شئ من الدقة والتفصيل ، بعد أن كنت انظر من بعيد وعلى وجه والتعميم والإجمال ؛ فأخذ تمر من هؤلاء العمالقة يصغرون ويضؤلون حتى لاراهم اليوم أقرب إلى الأقزام ؛ كنت أحسبهم أقوياء بنفوسهم فرأيت كيف يضعفون أمام أيسر الدوافع وأصغر ضروب الغواية ؟ إن الفرق بعيد بين صورة الهرم الأكبر حين تبدو لعينيك
من بعد ، وبينها وأنت إلى جواره ، فالمسافة البعيدة تزيل الحفر والنقر والغلظة والخشونة ، وتجعل الجدار أملس صقيلا ؛ إن القمر الذى تراه من بعد لامعا ساطعا وضاه هو على القرب حزون وجبال عتمة مظلمة سوداء ؛ لقد كنت مع جماعة من الأصدقاء ليلة فى مرقص فأبى واحد منا عرفناه بالظرف والفكاهة إلا أن يجلس فى آخر الصفوف ، ولما سئل فى ذلك أجاب بأنه يرى الراقصات على هذا البعد روائع فاتنات ، فلماذا يقترب ويرى الغضون والعيوب فيجعل الجميل قبيحا ؟
والحق أنى حين ازددت خبرة بهؤلاء الناس على مر السنين وصغر فى عيني منهم من صغر ، كبرت عند نفسى على حسابهم ، فلم أعد أراني قطرة من بحر ولا ذرة من جبل كما كنت أتوهم ، وإن الله لينعم عليك بالنعمة الكبرى إذا وهبك القدرة على وزن نفسك ووزن الناس بميزان صحيح لا تحيز فيه ولا تحيف .
والفضيلة فى هذا الأمر ، كما هى فى شتى الأمور ، وسط بين طرفين كما يقول أرسطو ، فرذيلة منك أن تغلو فى قدرك لنفسك حتى تراها أضخم مما هى ؛ وكذلك رذيلة منك أن تحط من قدر نفسك حتى تراها أضأل مما هي ، والفضيلة ها هنا إنما تنفع فى الوسط الذهبى الذى يضع النفس فى موضعها الصحيح ، فلا زيادة من طرف ، ولا نقص من طرف آخر ؛ ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه كما يقولون .
كان الخطأ الاكبر عند عبدة الأصنام ، هو أنهم عبدوا شيئا كان يمكن لخيالهم أن يتصور ما هو أكبر منه ، وإن كان هنالك ما هو أكبر ، ففيم عبادة الأصغر ؟ إن كان إلهك صنما صغيرا من حجر ، فالجبل الأشم أولى منه بالعبادة ، أو كان جبلا عاليا فالشمس أعلي ،
أو كان شمسا واحدة فالسماء أوفر شموسا ، وهكذا تستطيع أن ترقى بمعبودك حتى تدرك فى النهاية أن من يستحق العبادة كائن واحد سبحانه وتعالي ؛ كل ما عداه صغائر عابرة تتجمع حينا كسحاب الصيف لا يلبث أن يتقشع ويزول ؛ وكذلك قل فى تقديرك للناس من حولك ، فما دمت تنوى أن تعنو بوجهك لإنسان ، فليكن عظيما حقا فى البعد والقرب على السواء .
إن الشيطان الذى أبى أن يعبد الله استعلاة واستكبارا ، لأجدر عندى التقدير والتوقير من عابد الصنم الصغير ذلة وخشوعا ؛ وليس من عجب أن يخفق " ملئتن " فى " الفردوس المفقود " فلا يوفق إلى ما يريده بالشيطان من تحقير أراد أن يصف تمرد الشيطان وعصيانه وصفا يحمل القارئ علي مقته وازدرائه ، فافلت منه الزمام برغم أنفه ، وإذا القارئ يقرأ القصيدة ليرى عراكا يوشك أن يكون بين ندين، فليس يخلو من العظمة من تحدثه النفس أن يخاصم العظيم .
عدم الخوف هو سر النجاح ، فعش حياتك على فوهة بركان - كما قال نيتشه - ولا تركن إلى الأمن والدعة ، فأنت حي بمقدار ما أنت مغامر جرىء ، لا تتمثل أمامك فكرة الموت فتصيبك بالجمود والشلل ؛ عدم الخوف هو جوهر الحكمة - كما يقول رسل - ومن الجبن أن تكيل نفسك بأغلال الخوف وأصفاده إزاء المخاطر الحقيقية ، فما بالك بما هو فى الواقع ظلال وأشباح ؟ وأول المغامرة أن تحطم الأصنام ؛ فيم عبادتك أصناما من أناس عبادة الخائف يخشى منهم السطوة والبطش ويرقب منهم الصدقة والإحسان ؟ .
انظر كم تجنى على حاضرنا عبادتنا لماضينا ! إن موتانا ليتحكمون فى رقابنا بأبشع مما يتحكم به أغلظ الطغاة فى عبيده الأذلاء ؛ لماذا ؛ لأننا نخشاهم فلا تخشى فيهم إلا وهما ، كما يخاف الطفل خشخشة الورق فى الظلام ؛ تخشاهم فتعبدهم فتكيل لهم الحمد والثناء بغير حساب ، وليس بعد ذلك من بأس إن صغرنا نحن بسبب إكبارهم ، وذلتنا بسبب إغلائهم !
فاللغة ما تطقوا ، والشعر ما نظموا ، والنثر ما كتبوا ، والحكومة الرشيدة على غرار ما حكموا ، والعلم الصواب ما علموا ! كأن الأرض تدور من المشرق إلى المغرب . أو كأن الزمان يسير القهقرى ؛ والأمر كله عبادة أصنام رسمت من ظلال ؛ إن عبء الموتى يكاد ينقض ظهورنا ، فهلا ألقيناه عنا لتمضى فى الطريق خفافا ؟ . ولأمر ما ركبت الأعين فى الجباه لتنظر إلى أمام ، ولم تركب فى مؤخرة الرءوس .
لقد تصور اليونان آلهتهم - أول الأمر - ذوى نزعات ومنازعات كالتي تحدث للبشر ، فهى تلهو وتعبث وتغضب وتعبس وتعترك وتشتجر ، وتحب وتكره وتنتقم ؟ فلما نضج العقل اليونانى أبى أن يمضى فى عبادة هذه الآلهة التى لا ترتفع عن مستوي البشر فى دوافعها واطماعها ، واختاروا لأنفسهم بديلا لها ، إلها عاقلا حكما خبيرا ، يدير أمره تدبيرا محكما في إرادة صامتة ، فلا ثرثرة ولا قهقهة ولا ولولة ولا بكاء - كذلك فعلت مع أصنامى التى عبدتها حينا ثم حطمتها لما بدا أمام عينى صغارها .
ولم أتم بعد عملية التحطيم ، لكنى أخذت أتنفس الصعداء وأتنفس الهواء بقدر ما ثم من تحطيم ؛ لقد طالت عبوديتى وعبادتى حتى احلولكت نفسى بسواد سحيم ، وهأنذا أرى شعاعا من ضياء يشرق فى جنبات صدرى بالقدر الذى خلصت فيه نفس من ركام الأوهام ؛ حياتك - أيها القارئ - وحياتى مليئة بالأصنام نعبدها ، عن وهي مرة ، وغير وعى ألف مرة ، إنها تحيط بك وبى ، فهى عن ايمانا وشمائلنا وأمامنا ووراءنا ، هى معنا في المنازل التي نسكنها ،
وفى المكاتب التى تعمل فيها ، بل هي فى رءوسنا تحملها أينما سرنا ، كالذى يقال عن بعض رجال الجاهلية من ان الواحد منهم كان يحمل معه صنمه فى ترحاله مصنوعا من عجوة البلح حتى إذا ما استقر فى مكان أكله ؛ فاحمل فأسك - كما حملت فأسى - وابحث فى رأسك وانظر من حولك ، وحطم الأصنام لا تخش بأسها ، لأنها أضعف جدا مما ظننت بها . تذق لحرية نفسك واستقلالها طعما لذيذا .

