الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 666الرجوع إلى "الثقافة"

فى ضوء المصباح :, أنتيجونا

Share

إلى أى الجانبين تنتصر ) إذا نشأ التعارض ونشب الصراع : أتنتصر لذوى القربى من أبناء الأسرة ، أم للقانون الذى يمثل الأمة جميعا ؟ .

وكثيراً جداً ما ينشأ ذلك التعارض وهذا الصراع فى صدور الأفراد ، لأن كل فرد هو فى الوقت نفسه عضو من أسرة وفرد فى أمة ، وقد يحدث أن يجىء فعله مواتيا لصالح أسرته وأمته معا ، لكن قد يحدث كذلك أن يكون الفعل الذى يخدم صالح أسرته مناهضا لصالح الأمة ، والفعل الذى يخدم صالح الأمة مناهضا لصالح الأسرة ، فإلى أى الجانبين ينبغى له أن يتحيز وينتصر ؟ .

أما من الوجهة النظرية فلا أحسب أن اثنين يختلفان . فى الإجابة عن هذا السؤال ؛ الأمة عندنا جميعا هى المجموعة الكبرى التى تحتوى فى جوفها الأسر ، وهى التى يجب أن تظل قائمة سواء بقيت أو فنيت هذه الأسرة أو تلك ، فلا ضير علينا أن تزدهر أسرة أو تذوى ، أو أن تولد أسرة أو تموت ، لكن علينا كل الضير إذا فقدت الأمة مقومات بقائها ، لأن الخيط الذى يمسك الأفراد وأسرهم فى كل واحد ، ينقطع عندئذ وينفرط العقد ، وتقتتر الحبات فرادى ؛

وبذلك نكون بمثابة من يناقض نفسه ، لأننا حين أقمنا من أنفسنا مجموعة كبرى أسميناها أمة ، قد اعترفنا ضمنا أننا فى ظل هذه المجموعة وحدها نستطيع أن نعيش ؛ وماذا أنت قائل فى رجل يظل السنين ينبت شجرة ويرعاها فى سبيل أن يستمتع بظلها ، حتى ) إذا ما نمت الشجرة وامتد ظلها ، أمسك بيده الفأس ليبترها عن أرضها زاعما لنفسه أن صالحه أحق بالرعاية وأولى ؟ كأن صالحه الفردى لم يكن هو المبدأ الأساسى والدافع الأول لاجتماعه مع غيره فى حظيرة أمة واحدة ؟ .

نقول إنه لا خلاف على ذلك من الوجهة النظرية ، حتى إذا ما وجدنا أنفسنا أمام الموقف العملى الذى يتطلب منا أن نسلك هذه السبيل أو تلك فإما أن ننتصر لأبناء الأسرة التى ننتمى إليها ، أو أن نتحيز للأمة على حساب الأسرة . حين يكون بين صالح هذه وصالح تلك تعارض واختلاف ، فعندئذ يتعذر جدا على غير من قطعوا من المدنية شوطا بعيدا ، أن يغضوا أطرافهم عن صوالح أسرهم فى سبيل مصلحة المجموعة الكبرى .

وإذا فذلك مقياس تستطيع أن تسير به مدى ما نالك

من تحضر وتمدن ؛ هو مقياس تستطيع أن تجزم به لنفسك إن كنت لا تزال بدائيا جاهليا فى تكوينك النفسى ، أم خطوت إلى أمام مع خطو الزمن ؛ وسأروى لك فيما يلى خلاصة لمسرحية أنتيجونا ( ١ ) التى أنشأها سوفوكليس ليصور بها هذا الصراع الذى ما ينفك ينشب فى صدور الأفراد حين يدعوهم الداعيان معا : داعى الأسرة وداعى الأمة ، وحين يكون الداعيان على تناقض وخلاف ، سأروى لك هذه الخلاصة لتسأل نفسك بعدها : هل أشعر بالعطف على أنتيجونا التى آثرت واجبها نحو أخيها على واجبها إزاء قانون أصدره الملك ليمثل به صالح الأمة ؛ أم أشعر نحوها بالسخط والغيظ ؟ فإن وجدت نفسك عاطفا عليها راضيا عنها ، فاعلم أنك إذا ما تزال فى هذه المرحلة الأولية البدائية بقلبك وشعورك ، وإن ظننت فى نفسك غير ذلك ، وأنك فى حاجة إلى أن تغير من نفسك ، ليغير الله ما يحيق بأمتك من تهدم وتصدع وانحلال :

" إيثيوكليس " و " بولينيس " أخوان قضيا معا فى يوم واحد ؛ أما الأول فقد أجيز لجثمانه أن يوارى فى التراب وأن يؤدى إليه من الواجبات الدينية ما يسر نفوس الموتى . لأنه جاد بنفسه فى سبيل وطنه ، وأما الآخر فقد أمر الملك " كريون " - ملك ثيبة - ألا يدفن ولا يبكى ، وأن يترك نهبا لسباع الطير التى تتأهب لافتراسه ، وذلك لأنه ناصر أعداء الوطن على وطنه ، ويجئ النبأ إلى أختهما أنتيجونا ؛ فماذا تراها صانعة ؟ إن رابطة الرحم التى تربطها بأخيها بولينيس تقضى عليها ألا تترك جثمانه فى العراء بغير أن يقبر أو تؤدى إليه فروض الدين ، لكن هذا هو أمر الملك - والملك هنا هو الدولة وأمره هو صالح الأمة - هذا هو أمر الملك صريح ، بأن من يحاول دفن ذلك الشقى الآثم ، سيلقى أقصى أنواع العذاب وسط المدينة وبمشهد من مواطنيه .

وتلتقى أنتيجونا بأختها أسمينا لتحمل إليها النبأ ، ولتطلب إليها أن تعاونها على دفن أخيهما :

أسمينا - ماذا ! أى أنتيجونا التعسة ! أتقدمين على ذلك رغم أمر كريون ؟

أنتيجونا - أله الحق أن يقطع ما يصل بينى وبين قرابتى ؟ .

أسمينا . . . إن الذين يأمرون أشد منا قوة ، وإن علينا أن نذعن لما يريدون . .

أنتيجونا . . إفعلي ما تؤثرين ؛ أما أنا فموارية أخى ، فإذا أديت هذا الواجب ، فما أجمل بى أن أموت .

وقامت أنتيجونا بما رأته واجبها نحو جثمان أخيها ، فوارته التراب ، متعرضة بذلك إلى غضب الملك وعقابه ؛ ولم يزل الحراس يبحثون عمن اجترأ على دفن بولينيس ، حتى علموا أنها أنتيجونا ، فساقوها إلى الملك كريون :

كريون - ماذا ! أتظلين مطرقة إلى الأرض من غير أن تنكرى ما تؤخذين به ؟ . .

أنتيجونا - كلا ، بل أنا أعترف به ، وأنا أبعد الناس من إنكاره .

كريون - أجيبينى من غير محاولة ، أتعلمين أنى قد كنت حظرت مواراة بولينيس ؟ .

أنتيجونا - نعم ، أعلم ذلك . وهل كان يمكن أن أجهله ؟ وقد أعلن إلى الناس كافة .

كريون - وكيف جرؤت على مخالفة هذا الأمر ؟ . أنتيجونا - ذلك لأنه لم يصدر عن " ذوس " ولا عن " العدل " مواطن آلهة الموتى ، ولا عن غيرهما من الآلهة الذين يشرعون للناس قوانينهم ، وما أرى أن أمورك قد بلغت من القوة بحيث تجعل القوانين التى تصدر عن رجل أحق بالطاعة والإذعان . من القوانين التى تصدر عن الآلهة الخالدين ، تلك القوانين التى لم تكتب ، والتى ليس إلى محوها من سبيل ؛ لم توجد هذه القوانين منذ اليوم ولا منذ أمس ؟ هى خالدة أبدية ، وليس من يستطيع أن يعلم متى وجدت ؛ ألم يكن من الحق على إذا أن أذعن لأمر الآلهة من غير أن أخشى أحدا من الناس ؟ قد كنت أعلم أنى ميتة . . ومن ذا الذى يعيش من الآلام فى مثل هذه الهوة التى أعيش فيها ثم لا يرى الموت سعادة وخيرا . . وقد كنت أتعرض لما هو أشد لنفسى إيذاء لو أنى تركت بالعراء أخا حملته الأحشاء التى حملتنى .

وجعل الملك يبدى من دهشته لجرأة الفتاة ، وجعلت الفتاة تبدى من فخرها لأدائها واجبها ، قائلة فيما قالت : " وأى مجد أحب إلى من أنى قد واريت أخى ؟ " .

ويسألها الملك : ألا يخزيها أن تسلك سبيلا غير السبيل التى سلكها أهل ثيبة جميعا حين أطاعوا أمره ؟ فتجيبه :

ليس هناك ما يحمل على الخزى إذا شرف الإنسان من يصل الدم بينهم وبينه .

ويلفت كريون الملك نظر أنتيجونا إلى أنها قد كان لها أخوان ، لا أخ واحد ، أحدهما دافع عن وطنه فاستحق التشريف ، وجاء الآخر يدمر وطنه فاستحق اللعنة . فكيف يسوغ لها - إذا - أن تسوى بين الأخوين فى المعاملة ، فتجيبه أنتيجونا بأنها لا تفرق بين أخويها ، فكلاهما أخوها لأبيها وأمها ، وإن الآلهة لتأمرها بتشريفهما جميعا .

ولا يجد الملك بدا من أن يأمر بالفتاة فتلقى فى كهف حتى تموت ؛ لكن الأديب الفنان سوفوكايس ، يمضى فى تعقيد الأمور ، ليتبين مشاهد المسرحية كيف ينصب البلاء على من يحاول العبث بتقاليد الناس ، لأن التقاليد فى عصره لم تزل أقوى من قوانين الدولة ، فهو ينتصر لأنتيجونا راعية التقاليد على كريون مشرع القوانين ؛ فجعل " هيمون " بن كريون وخاطب أنتيجونا ، يلقى بنفسه وراء حبيبته فى كهفها ، فيموتان معا . وتسمع الملكة - زوجة كريون - أن ابنها قد لقى حتفه ثمنا لعناد أبيه ، فتنتحر حزنا عليه ؟ فتنزل الكروب بالملك : " مثل سئ ضرب للناس يبين لهم ماذا يجر الهوج على الملوك أنفسهم "

كريون : قودونى إلى مكان بعيد ، أنا هذا الشخص المجنون ؛ أى بنى لقد قتلتك دون أن أريد ، ولقد قتلتك أنت أيضا أي أوريديس ( الملكة ) واحسرتاه ! لست أدرى إلى أيكما أنظر ، ولا إلى أى جهة أتحول ، لقد فقدت كل شئ لقد ألح على رأس قضاء لا يطاق .

رئيس الجوقة - إن الحكمة لأول ينابيع السعادة . . إن غرور المتكبرين ليعلمهم الحكمة بما يجر عليهم من الشر ، ولكنهم لا يتعلمون إلا بعد فوات الوقت وتقدم السن .

ونعود فنسأل القارئ : ماذا ترى من نفسك ، وإلى أى جهة تميل ؟ أتنتصر إلى أنتيحونا أم تنتصر إلى الملك ؟ إن انتصارك لأنتيجونا انتصار للأسرة على الأمة حين ينشأ التعارض بينهما ، وانتصارك للملك انتصار للقانون على حكم التقاليد - ما أحسبك إلا ذاهبا بعطفك وعاطفتك مع أنتيجونا ، لأنك - مثلى - قد نشأت فى جو يقرب إلى قلبك الأهل بأشد وأقوى مما يقرب المواطنين " الغرباء ؛ وقد يهون شر ذلك فى مثلك ومثلى ، لأن كلينا

ليس من أصحاب الحكم ، فإيثاره لجانب على جانب ليس بذى خطر بعيد ، لكن الطامة الكبرى حين يتأثر أصحاب الحكم بما نتأثر به - أنت وأنا - من عواطف العامة والدهماء .

إننى أقول ما قاله كريون مدافعا عن وجهة نظره : " ليس من سبيل إلى أن تعرف نفس الرجل وذكاؤه وأخلاقه إذا لم يجلس مجلس الحكم ، ولم يوكل إليه تدبير الدولة وحماية قوانينها ؛ أما أنا فأعتقد وقد اعتقدت دائما أن ذلك الرجل الذي يكلف الحكومة وحماية القوانين فلا يقف نفسه على النصح للدولة وتضحية كل شئ فى سبيلها ، بل يمنعه الخوف من ذلكم - أعتقد أن هذا الرجل شرير ممقوت ، ولا أستطيع إلا أن أزدرى ذلكم الذى يؤثر منفعة الصديق على منفعة الوطن " .

إنه لم يعد بد - كما قلت فى موضع آخر - من تغيير قيم الأشياء والأوضاع ، فما كان صالحا لآبائنا لم يعد صالحا لنا ! فقد كانت شدة الروابط الأسرية موضع فخر حين كانت الحياة بدوية متنقلة بين أطراف الصحراء ، فكان حتما على أبناء الأسرة الواحدة أن يتحدوا جبهة واحدة أمام هجمات الأسر الأخرى أو القبائل الأخرى - والقبيلة أسرة كبيرة - أما اليوم فسبيل الخير هو أن نخلخل الروابط الأسرية بعض الشئ ، حتى لا يجد الرجل نفسه عازما بحكم تربيته أن يؤثر ذوى رحمه على سواهم حين يؤول إليه زمام الحكم وتلقى فى أيديه مقاليد الأمور ، ويصبح قادرا على الضر والنفع .

إنه لا تناقض بين أن تكون للأسرة المكانة الأولى عند الطفل ، حتى إذا ما تم له النمو فى محيطها وخرج للناس رجلا ، تصبح لأسرته المكانة الثانية ؛ كما أنه لا تناقض بين أن يطعم الرضيع من ثدى أمه ، حتى إذا ماجاوز حدود الرضاعة التمس لرزقه موردا آخر .

إن بين أمثالنا التى تصور أخلاقنا مثلا يقول : " أنا وأخى على ابن عمى ، وأنا وابن عمى على الغريب " - صورة قوية موجزة للتكتل الأسرى البغيض ، ونريد أن يأتى الزمن الذى تقول فيه أمثالنا : ألا " غريب " بين أبناء الوطن الواحد ، وأننى وأخى وابن عمى وأبناء الوطن جميعا على من توليه أمورنا فيؤثر " قريبا " على " غريب " .

اشترك في نشرتنا البريدية