الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 654الرجوع إلى "الثقافة"

فى ضوء المصباح, إعانة المجلات العلمية

Share

لوزارة المعارف جهود مشكورة فى تشجيع الحركة العلمية والفنية فى كثير من صورها تشجيعا لولاء لما استطاعت تلك الحركة فى أرجح الظن أن تحقق هذا الذى حققته اليوم على قلته وضآلته

فهى تعين المدارس والجامعات إعانة مبسوطة الكف لا تدخر فى ذلك وسعا حتى لتدفع كل نفقات الطالب فى بعض المراحل التعليمية وقسطا كبيرا من تلك النفقات فى المراحل التعليمية الآخرى وهى تدفع مكافآت مجزية فى تشجيع حركة الترجمة حتى لقد يبلغ ما تدفعه أجرا على ترجمة الكتاب أحيانا مبلغا يزيد على ما يكسبه مؤلف الكتاب نفسه وهى تبذل بذلا حميدا فى تشجيع المؤلفين بشراء بضع مئات من كل كتاب تقريبا مما يعوض على المؤلف شيئا مما انفقه فى تأليف كتابه من جهد ومال وهى تعين الفرق التمثيلية الأجنبية والمصرية على السواء بألوف الجنيهات كل عام وهى كذلك تسخو على كثير من الجمعيات العلمية والنوادى الأدبية والاجتماعية بمال كثير أو قليل وهكذا وهكذا إلى آخر ما تنفقه الحكومة فى

هذا السبيل وإذا فهى جهود للحكومة مذكورة مشكورة مهما يكن بها من نقص هنا أو عيب هناك إن لم تصلحه اليوم فهى لابد فاعلة غدا فحسبك من أصحاب الحكم فى هذا الصدر أن تراهم قد ولوا وجوههم نحو الخير الصحيح فإن كان في خطاهم تعثر فى أول الطريق فالأرجح أن يعتدل بهم السير بعد حين

لكننا نرى أن وزارة المعارف قد غفلت عن إعانة المجلات العلمية إعانة تمكنها من القيام بواجبها على نحو كامل وهي بإغضائها عن هذا الجانب من البناء الثقافى بمثابة من يصلح الأدوار العليا من البناء ويترك الأساس متداعيا منهارا ولست أطلق الكلام هنا إطلاقا عن غير وعى بمعناه وإنما أعنى هذا الذى أقوله بأدق ما يؤديه من معنى

فالمجلات العلمية والأدبية هى حقل التجارب الذى يخرج لنا الكتاب والمؤلفين فيما بعد فإذا أنت محوته فقد محوت تسعة أعشار الفرصة التى تتهيأ للأقلام الناشئة وبالتالى فقد محوت تسعة أعشار المؤلفين فى الحيل المقبل ولست بذلك أعنى أن المجلات العلمية مقصورة على أقلام الناشئين

لكنها توشك أن تكون هي المجال الوحيد أمام هؤلاء أما الكاتب الذى استقام واعتدل وقويت ساقاه فيستطيع أن يتنفس فى الكتب إن ضاقت أمامه المجلات التى تتناسب مع مكانته العلمية والأدبية وأنا أقول ذلك تفاؤلا منى بكبار كتابنا وإلا فاو قلت ما أعتقده حقا لقلت مرة أخرى ما أعلنته فى مواضع عدة وهو أن الكاتب عندنا فى معظم الأحيان تستنفد مجهوده للمقالة الواحدة وليس هو كالكاتب الأوربى بمستطيع أن يستطرد مع فكرته حتى يملأ بها كتابا وإذا فإضعاف المجلات العلمية والأدبية عندنا معناه المباشر هو سد الطريق فى وجوه أصحاب القلم جميعا صغارهم وكبارهم على السواء

كانت المجلات والصحف عندنا هى العمل الذى أخرج لنا قادة الفكر الذين نفخر بهم ونعتز والذين نخشى مخلصين أن يتركوا وراءهم فراغا يستحيل على الجيل التالي لهم أن يملأه فلولا الكتابة الصحفية لما كان لدينا العقاد والمازنى وطه حسين وأحمد أمين وهيكل وغيرهم وقد كدت أقول توفيق الحكيم وأنا أمتحفظ بالنسبة إلى الأستاذ الحكيم لأنه على خلاف هؤلاء جميعا قد بدأ أدبه الممتاز بالكتاب الكامل ثم جرفه التيار العام فعقب على الكتاب بالمقالة وأتبع مرحلة التمثيلية الكاملة ذات الفصول بمرحلة التمثيلية ذات الفصل الواحد التى تتناسب مع الإخراج الصحفى وهو لاشك سير فى الطريق من آخره إلى أوله لكنه يدل دلالة قوية على سيطرة المجلة أو الصحيفة على أدبائنا فكيف إذا تكون الحال لو عشنا فى خلاء من مجلات وصحف أدبية ممتازة

فكر فى قادة الأدب عندنا واحدا بعد واحد واسأل ماذا يستطيع فلان أن يكتب إذا امتنعت دونه كتابة المقالة تجد جواب السؤال حاضرا فى أغلب الحالات وهو لا يستطيع أن يكتب شيئا لأنه أضحل فكرا من أن يخرج فكره فى كتاب متصل وكم مر علينا من تجارب سدت فيها أبواب الصحف على كبار كتابنا فسكنوا وطووا أقلامهم

لأن الواحد منهم إما أن يكتب مقالة أو لا يكتب شيئا والكثرة الغالية من نتاجنا الأدبى الذى يتخذ فى النهاية صورة الكتب إن هى إلا مقالات جمعت فى كتب وليست هى بالكتب الأصيلة التى أنشأها منشئوها على أساس الكتاب لا على أساس المقالة

لست ها هنا ناقدا يشير إلى وجه من أوجه النقص فى إنتاجنا الأدبى والعلمى ولكنى أصف هذه الحالة لأنتهى إلى النتيجة التى تتفرع عنها وهى أنه إذا انعدمت المجلات الأدبية والعلمية فقد انعدمت بالتالي الفرصة الوحيدة التى يتنفس فيها كبار كتابنا والتى تهيئ مجال المران لصغارهم الناشئين

قرأت فى العدد الأخير من المجلة الإنجليزية القرن التاسع عشر وما بعده مقالا هو الذى انبثقت منه فكرة هذا المقال الذى أكتبه إذ قرأت تحت عنوان حالة الجمعيات العلمية فى انجلترا ما يشبه البكاء على تدهور الجمعيات العلمية هناك بسبب قلة الإعانة المالية التى تقدمها حكومتهم إليها ويقول كاتب المقال متجها بقوله إلى رجال الحكومة إننا فى أثناء الحرب الأخيرة قد حرمنا كثيرا من ألوان التسلية واللهو حتى يتوافر مجهودنا كله للقتال ومع ذلك لم تجرؤ على تحريم سباق الخيل وكانت حجة الحكومة عندئذ هى أن إغلاق حلبات السباق يؤدى إلى تعريض تربية الجياد الكريمة لخطر جسيم ولما كانت الحكومة حريصة على اتصال سلسلة الجياد الكريمة حتى لا ينقطع حبلها فقد أيقت على الدافع الأول إلى تربيتها والعناية بها ألا وهو السباق وحلبته وبعد هذا التشبيه ينتقل الكاتب إلى حالة الجمعيات العلمية عندهم فيقول أليست تحرص الحكومة على اتصال سلسلة رجال الفكر كما كانت تحرص على الجياد الأصيلة إنها لابد حريصة على ذلك أشد الحرص وإذا فلا مناص من صيانة الحلبة التى يؤدى وجودها إلى وجود رجال الفكر ويؤدى انعدامها أو ضعفها إلى انعدامهم أو ضعفهم وما تلك الحلبة سوى

الجمعيات العلمية بما لها من مكتبات ومجلات وغيرها

ويقول كاتب ذلك المقال أيضا إن هنالك المجامع العلمية الرسمية مثل المجمع الفكى للعلوم الطبيعية والرياضة والمجمع العلمى البريطانى للتاريخ والأدب والفلسفة والآثار هذه المجامع العلمية الرسمية تحظى برعاية الحكومة على الوجه الاكمل لكن كيف السبيل إل ىإمداد تلك المجامع بقادة الفكر إن لم يكن لدينا جمعيات تكون بمثابة صفوف الشعب التى يخرج منها هؤلاء القادة هل تستطيع أن تظفر بالقادة دون أن يكون لديك المجال الذى يتخرجون فيه ويتمرسون فى ميدانه فلا مناص لنا  إذا من رعاية الجمعيات العلمية والأدبية حتى تخرج لنا فيما بعد قادة المجامع

وإن صح هذا القول مرة واحدة فى انجلترا فهو صحيح ألف مرة بالنسبة لما فى مصر وسائر بلدان الشرق العربى ونحن ننظر إلى مجلاتنا العلمية والأدبية نظرتنا إلى الجمعيات العلمية التى وردت فى المقال الذى أشرنا إليه

انظر إلى المجمع اللغوى عندنا مثلا وهو يضم فريقا من القادة نجد أعضاءه جميعا قد بلغوا ما بلغوه بفضل المجلات والصحف التى هيأت لهم سبيل الكتابة فى شبابهم وكهولتهم على السواء ولك أن تسأل بعد ذلك ما مصير كتابنا الناشئين الذين يحملون بذور التفكير والكتابة إذا لم يجدوا أمامهم المجلات القوية التى تعينهم وتشجعهم على الكتابة والتفكير أليس واجبا محتوما على القائمين بالأمر أن يتعهدوا هذا المصدر حتى يضمنوا لحياتنا العلمية استمرارا وازديادا فى القوة والنماء أم تراهم يحسبون أن الزمان قد وقفت دورته وأن الحاضر هو الزمان كله من أزله إلى أبده

إن الصراحة هنا واجبة لأن الأمر فى رأينا خطير غاية الخطر فإذا استغيت المجلات التى تصدرها دور النشر الكبرى صاحبة رءوس الأموال الضخمة وجدت سائر مجلاتنا الأدبية المحترمة فى طريقها إلى الانهيار والزوال

وما قيامها إلا تضحية كبرى من أصحابها أين المجلات التى شهدها شباب الجيل الماضى والتى كانت ميدان قادة الفكر عندنا اليوم السياسة الأسبوعية والبلاغ الأسبوعى والرسالة فى عنفواتها والثقافة فى إباتها بل أين المجلة القوية التى لم تشهد النور إلا حقبة قصيرة مجلة الكاتب المصرى زالت كلها أو هي كالزائلة لأن الحكومة لا تعينها بالقدر الذى يمكنها من البقاء ولا يكفى من الحكومة أن تعين شراء بضع مثين من أعدادها بل لابد هنا من السخاء فى العطاء لأن المسألة متعلقة ببنائنا الفكرى من أساسه

لا ينبغي لوزارة المعارف أن تترك المجلات العلمية لعوامل العرض والطلب فى السوق وإلا فلن يكون هناك مجلة علمية واحدة لسبب بسيط وهو أن السوق تتطلب مادة سهلة للتسلية والمجلات التى فى مقدورها اليوم أن تعيش عيش الرغد والرواج هى التى تغذى ذلك الاتجاه فى السوق غير آبهة بمثل أعلى لا بد من فرضه على جمهور القراء فليس من الحكمة فى شئ أن تتركوا أصحاب الفكر لأبناء الشارع يسيرونهم كيف شاءوا كما تتركون بائعى الصابون لعوامل العرض والطلب فى سوق البيع والشراء

اشترك في نشرتنا البريدية