الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 687الرجوع إلى "الثقافة"

فى ضوء المصباح :, الأفراد ! الأفراد !

Share

إذا جعلت قصة " الوعاء المرمرى " لأستاذنا الأديب الفاضل محمد فريد أبو حديد بك ، موضوع حديثى إلى القراء فلأنها قصة قد أثارت فى نفسى كثيراً جداً من مشكلاتنا الاجتماعية والأدبية على السواء .

إنها " قصة جهاد بطل وأمة - من حياة سيف ابن ذى يزن بطل اليمن " ، ولعل أديبنا الفاضل قد أراد بها اليوم أن تكون تحية منه يهديها إلى المجاهدين فى سبيل الحرية القومية بمثل ما جاهد سيف بن ذى يزن فى تحرير بلاده من الحبشى الغاصب - لعله أراد بكتابه هذا أن يكون تحية منه لشباب اليوم من المجاهدين ، يهديها إليهم من ذكريات شبابه ، عندما كانت الثورة المصرية فى عزها تلهب نفسه الحساسية بحرارة الإيمان والأمانى . أيام أن غمسته روحه الوطنية فى بنى قومه من أبناء الشعب فى إحدى ندواتهم " البلدية " حيث يعتلى " الشاعر " منصة لينشد السامعين قصة سيف بن ذي يزن . . ف " هذه القصة التى أكتبها اليوم بعد مضى أكثر من ثلاثين عاماً على تلك الأيام البعيدة ما هي سوى تحية أؤديها لذكرى اللحظات المجيدة التى كنا نجاهد فيها بأنفسنا ونسخو فيها بأرواحنا ، لا نسأل أحداً

عليها أجراً ولا شكراً . . ثم هى تحية للشاعر الذى ما زالت صورته مائلة فى الذكرى وإن كان اليوم يثوى فى مضجعه الأبدى ، لا يذكر أحد أن أناشيده القوية الوثابة كانت تحرك قلوب طلاب الحرية نحو عزمات الغد الطالع من ضمير الغيب . ."

وأول ما نذكره مما يعنينا الآن من هذا الكتاب النفيس هو أنه قصة أدبية ، أجراها كاتبها على قواعد الفن القصصى ، وليس بذى وزن كبير فى العمل الأدبى أن يكون موضوعه منتزعاً من التاريخ أو لا يكون ؛ بل لا يجوز للناقد أن يحاسب الأديب على صدق ما ورد فى قصته من تاريخ ، مستنداً فى محاسبته إياه إلى المدونات والوثائق ، لأن صفة التاريخ فى القصة الأدبية عرض ، والأصل فيها تصوير الأشخاص الذين تقوم القصة على أقوالهم وأفعالهم .

فلا يكاد الناقد يسأل : هل صدق شيكسبير - مثلا - صدقاً تاريخياً فى مسرحياته " هنرى الثامن " و " رتشارد الثالث " و " أنطون وكليوباترة " وغيرها من رواياته التاريخية - يكاد الناقد لا يسأل هذا السؤال ، لأنه يعلم أنه بصدد عمل أدبى أنتجه فنان ؛ فالسؤال فيه إنما يكون :

هل رسم الفنان هذا الشخص أو ذاك رسماً يجعله ذا طابع فردى متميز ، كالذى يتسم به الأفراد الأحياء الذين نصادفهم فى الحياة ويصادفوننا ؟ هل هذا الملك أو هذا العاشق أو هذا الخادم ، قد تكاملت فى صورته العناصر تكاملا ينعم فيه بعضها بعضاً ، كما تتكامل الأجزاء فى أى كائن عضوى بصفة عامة ، وفى أفراد الإنسان بصفة خاصة ؟

لقد أتاحت السنما منذ حين لألوف المتفرجين أن يشهدوا مسرحية " قيصر وكليوباترة " لبرنارد شو ، فشهدوا قيصر وكليوباترة على غير ما ألفوا سماعه عنهما من كتب التاريخ ، لذلك كان النقد الذى يدور على ألسنتهم هو هذا : إن الأديب قد أخطأ هنا لأن كذا قد حدث ، وأخطأ هناك لأن كيت لم يحدث . . كأنما قد قطع الأديب لهم عهداً على نفسه بأن يكون مؤرخاً يحاسب بالوثائق والمراجع والأسانيد .

إن بين العلم والفن فارقاً لو جعلناه نصب أعيننا ، ضاقت شقة الخلاف بيننا فى تقدير الآثار الفنية تقديراً نميز به غثها الزائل الفانى من سمينها الخالد الباقى ، وذلك هو أن العلم تعميم والفن تخصيص ؛ العلم يبحث فى أفراد من النوع الواحد ، لا ليقف عند الأفراد فى ذواتها ، بل ليسقط من حسابه المميزات الخاصة التى يتصف بها كل فرد علي حدة ، ويبقى العناصر المشتركة التى تعم أفراد النوع جميعاً دون تمييز بين فرد وفرد ؛ فإذا قال العلم - علم النفس مثلا - إن الإنسان من طبيعته جمع الأشياء وحيازتها ، كان قوله هذا نتيجة ملاحظة عدد من أفراد الناس ، والتقاط الصفة أو الصفات التى يشتركون فيها ؛ فإذا كان هذا الفرد معنياً بجمع المال ، وذلك معنياً بجمع الكتب القديمة ، والثالث بجمع الآثار الخزفية ، أسقط العلم ما يختلفون فيه مما يجمع ، وأبقى على المشترك بينهم وهو أنهم يجمعون ويملكون ؛ أما الفن فيقف عند الفرد الواحد ليبرز ما قد اختص به بحيث أصبح متميزاً من غيره منفرداً ، ويكون نجاح الفنان بمقدار توفيقه فى الاهتداء إلى هذه الصفات الخاصة المميزة للحالة المفردة التى يصورها ، وترتبها على نحو يبرز لنا فى النهاية إنساناً معيناً بذاته الفذة الوحيدة .

فالعلم والفن كلاهما يتناولان الأفراد الجزئية ، أما العلم فيتناولها ليأخذ ما تشترك فيه من صفات ثم يهملها ، وأما الفن فيتناولها ليقف عندها من بدايته إلى نهايته ؛ وعندى أن

الشرق بصفة عامة قد زاغ بصره عن الفردية التى تميز إنساناً من إنسان وحالة من حالة ؛ ولذلك فقد أفلت منه العلم والفن معاً إلى أقوام آخرين تقف أنظارهم عند الفوارق بين الأفراد والأشياء ؛ ولقد عبرت عن رأيى هذا حين أخرج الأستاذ توفيق الحكيم بك مسرحيته " الملك أوديب " وقدم لها بمقدمة طويلة يحاول فيها تعليل غياب المسرحية من الأدب العربي القديم . فقلت عندئذ إن رأيى هو أن الأدب المسرحى - والقصصى أيضاً - يستحيل قيامه بغير التفات إلى تميز الشخصيات الفردية بعضها عن بعض ؛ فانشأ الكاتب فى جو ثقافى لا يعترف للأفراد بوجود ، ويطمسهم جميعاً فى كتلة واحدة من الضباب الأدكن ، فلا سبيل أمام هذا الكاتب إلى تصوير الأفراد فى قصة أو مسرحية ؛ والشرق كله قد طمس الفرد طمساً ولم يترك له مجالا يتنفس فيه ؛ فالأفراد فى الثقافة الهندية كلها " مايا " - أى وهم لا وجود له - وللوجود الحق عند الهنود هو الكون كلا واحداً لا تفرد فيه ولا تكثر ؛ وقل مثل هذا فى الصين وفى كل بلاد الشرق بصفة عامة ؛ الحضارة الشرقية كلها تغفل شأن الفرد وتجعله جزءا من شئ أعم منه ، فهو عند العرب جزء من القبيلة ، فلا وزن له إلى جانبها ولا قيمة له بالقياس إليها ؛ وما كذلك اليونان ، لأن الفرد عندهم هو محور التفكير - حتى الآلهة عندهم أفراد لهم مميزاتهم ومشخصاتهم ؛ ومن هذين الاتجاهين المختلفين فى الشرق والغرب ، نشأت الديانات فى الشرق ، ونشأ العلم والأدب فى الغرب ، لأن معظم الديانات أساسها التوحيد بين الظواهر المختلفة ؛ وأما العلم والفن فأساسهما التمييز بين تلك الظواهم - العلم يميز الأنواع والفن يميز الأفراد - وهكذا لم يعرف الشرق " أشخاصا فردية " فلم يعرف مسرحية ولا قصة .

وأعتقد أن أكبر تطور طرأ على أدبنا فى الفترة الأخيرة هو بداية الالتفات إلى الأفراد وتصويرهم ، وقد كان ذلك نتيجة - أو كان هو المقدمة لست أدرى - لتطورات مماثلة فى السياسة والاجتماع ، فالحكم البرلمانى يستدعى تصويت الأفراد كل فرد بذاته ونظام الأسرة قد أخذ يخلخل الهواء بعض الشئ حول الأفراد لتظهر لكل فرد شخصيته . ونجاسة المرأة وعلاقتها بزوجها أو أبيها ، ورجال التربية يصيحون آناً بعد آن افتحوا أعينكم للفوارق بين الأفراد .

أقول إن اكبر تطور طرأ على أدبنا فى الفترة الأخيرة فيما اعتقد ، هو بداية الالتفات إلى الأفراد وتصورهم ، فالدكتور طه حسين باشا يصور فى " الأيام " إنسانًا واحداً بذاته ، وهو نفسه ، والدكتور أحمد أمين بك يصور فى " حياتى " إنسانًا واحداً بذاته هو نفسه أيضاً ، والأستاذ توفيق الحكيم بك يصور فى مسرحياته أشخاصاً أفراداً ، والأستاذ العقاد يصور فى " ساره " إنسانة واحدة بذاتها وهكذا " زينب " لهيكل باشا و " إبراهيم الكاتب " المرحوم المازنى ، وهكذا .

وقد ادخرت الأستاذ فريد بك أبو حديد فى كتابه الجديد " الوعاء المرمرى " لأدير حوله بقية الحديث ؛ " فالوعاء المرمرى " ظاهرة جديدة تضاف إلى غيرها من أشباهها التى تدل على هذا التطور الجديد فى الأدب العربى . العناية بالأفراد وتصويرهم فى قصة أو مسرحية أو غير ذلك . لذلك كان أول ما عجبت له فى " الوعاء المرمرى " أن يعلن الكاتب منذ البداية على لسان الشاعر المنشد . وهو يمهد لقصته التى ينوى إنشادها ، مبدأ طمس الأفراد فى عجينة الزمان ، إذ يقول : " كل فرد . . يحسب أنه يجرب ما لم يجرب أحد من قبله ، ويدرك ما لم يدركه أحد غيره ؛ يذوق الحب فيحسب أن أحلامه الساحرة لم تخطر قط على قلب . . ولكن الزمان برمقه باسماً وينادى بصوت خفى قائلا : هكذا كانوا دائما " .

لكن الأفراد لا يكونون " هكذا دائما " إلا إذا غضضنا النظر عن مميزاتهم الفردية التى تجعل زيداً غير عمرو ، فالمحب الذى يحسب أن أحلامه الساحرة لم تخطر قط على قلب ، ليس مخطئاً فى حسابه ، وإنما أخطأ الحساب من ظن أن كل العاشقين سواء ؛ بل أخطأ من ظن أن العاشق الواحد شبيه بنفسه فى كل حالاته . ولو كان العاشقون كلهم سواء لكفانا تعريفهم بأرقامهم كما تعرف إدارة الجيش جنودها ، أو وزارة المعارف المصرية تلاميذها.

إنه يستحيل علينا أن نفهم معنى الحرية التى نطالب بها جاهدين ، ما لم يتقرر في أذهاننا أولا أن الأفراد تفصلهم فواصل ، فلكل منهم شخصه وكيانه ؛ وإذا كانت الحرية المنشودة معنى مجرداً ، فقد كان حسبنا منها أن تسجل فى الكتب والقواميس ، وكفي الله المؤمنين شر القتال ؛

لكنها حرية منشودة لأفراد ، منشودة لزيد و عمرو وفاطمة ، ولن يحاسب الله عباده " بالجملة " على اعتبارهم جميعاً " هكذا دائماً " بل سيحاسبهم الله فرداً فرداً ، لأن لكل فرد قائمة من أعمال وأقوال تفرد بها - وهي نفسها عمل الأديب .

وقصة " الوعاء المرمرى " زاخرة بأشخاص . تبينت فى بعضهم للملامح الفردية وغمضت هذه الملامح فى بعضهم الآخر . فالحمد لله الذى جعل استاذنا فريد بك يتسامح فى تطبيق مبدئه الذى يمحو الأفراد فى غمرة الزمان ، فيخرج لنا أشخاصاً برزت فهم الملامح والسمات ، فجاءت كسباً للفن بل كسباً للحياة ذاتها ، لأنها تضيف إلى الأحياء أفراداً آخرين يضمن لهم التسجيل الأديى طول البقاء .

لقد افننت من أديننا الفاضل عبارة وقفت عندها لحظة متمنياً أن تكون هي مبدأه فى التصوير الفنى لأشخاصه ؛ وذلك حين يروى عن " خيلاء " أحلامها وهى " تنظر إلى الأغصان تتأملها كيف تتداخل وكيف تتعانق ، وإلى أشكال اوراقها وصور ثمارها ؛ كان بعضها منسرحا ليناغضا وبعضها معقداً جافا وبعضها يمتد بظله الوارق وبعضها يسمو بجذعه الفارغ ؛ حتى الأشجار لا يشبه بعضها بعضا ، وحتى الغصون لا تتساوى فى هيئتها وإن كانت فروع شجرة واحدة . . " - فهكذا يختلف الأحياء

ومن الأشخاص الأحياء الذين خلفهم أستاذنا خلق فنان قدير ، " أبو العيوق - ربان السفينة - ففى صفحات قلائل أتم له الأديب خلقته الكاملة بملامحها الفريدة ، فهو الجبان " التناش "  الثرثار اللكة ، الذي ينطبع حديثه بطابع خاص ، فيكرر عبارة " نسائى طوالق ومغنى غوارق " كلما هم أن يقرر شيئاً يقسم على صدقه ؛ كذلك وفق كل التوفيق فى صورة " طلبية " الفتاة الشرود التى تحب فتهب حياتها للحب وتكره فلا تبالى أين تندفع مع كراهتها .

لكنهما شخصان ثانويان فى القصة . والعجيب أنهما جاءا معا فى السياق ، كأنها كانت ربة التصوير الفنى تصاحب أديبنا عندئذ فتلهمه الصواب ؛ ويتلوهما فى جودة الخلق وسوائه " أبرهة " الطيب المتدين الذى يلين قلبه لحب " ريحانة " رغم دهائه فى السياسة وجد طموحه ؛ وقد كان " مضحكة الزغردة " التى يضحكها حيناً بعد حين ، نصيب

موفور فى تحديد صورة الرجل ، مما يدل على أن التصوير الفنى يعتمد على أتفه الخصائص وأعظمها على السواء ؛ ومما تجدر ملاحظته أن "أبرهة" هذا هو المغتصب الذى قام " سيف " لاسترداد بلاده من أسرته ، والذى كان ينتظر من الأديب أن يقصد فى تركيبه إلى بث النفور منه عند القارئ حتى يمهد النفس لاستقبال بطولة " سيف " ومع ذلك فيستحيل على قارئ - فيما أعتقد - أن يخرج من القصة وهو كاره لأبرهة ؛ ترى هل أراد أديبنا شيئا فغلبته شخصية " أبرهة " فيما أراد ، كما غلب " ملتن " أمام " الشيطان " فى ملحمة الفردوس المفقود - حين أراد أن يصب الشيطان فى صورة كريهة لتظهر بالمقارنة قوة الله وجلاله . فإذا نحن فى النهاية إزاء قوة تبهر النفس وتغرى بالمحاكاة ؛!

ويجئ بعد ذلك فى درجة الجودة الفنية " خيلاء " حبيبة " سيف " فهى الفتاة الطاهرة المتدينة صاحبة الذوق الفطرى فى تفهم الأدب والفن ، التى تحس بدافع المرأة فى جوفها لكنها تجفل ، كأنها هى شبيهة بقديسة ترى الرجس فى غرائز الإنسان .

ومن خير ما كسبناه بهذا الأثر الأدبى النفيس ، أن الأستاذ فريد بك قد صور نفسه - عن وعى منه أو غير وعى - صور نفسه الرقيقة المحببة إلى عارفيه جميعاً . صورها فى شخصية " أبى عاصم " - " فأبو عاصم " هو " أبو حديد " فى رصانة عقله وفى حبه للخير وفى طيبة قلبه وفى حبه للأسلاف وتراثهم ، بل وفى تعليمه للناشئة عن فطرة أبوية سليمة ، حتى لقد عرفت كثيرا عن حياة أستاذنا فريد بك - مما لم أكن أعرفه - من صورة أبى هاشم ؛ فقد ارتعش قلبه للحب الطروب ، وهو على شئ من الوحشة واليأس مما حوله فى عصرنا هذا الذى كتبت فيه الغنائم للصوص . ولم يعد به مكان لأصحاب الفكر والأدب والعلم والحكمة ؛ ولعله قد تعمد أن يضع لنا " نفيل بن حبيب " النفعى الماكر . جنباً إلي جنب مع " أبى عاصم " كى يتم تصويره لنفسه فى بطانة عصره هذا الذى نعيش فيه .

وأما " سيف " و " ريحانة " و " مسروق " فقد كانوا جميعاً أمام عينى كأنهم أجلسوا فى صندوق من زجاج قد ترى شفاههم متحركة بالكلام أحيانا ، لكنك لا تسمع

مما يقولون شيئا . فيتولى الكاتب عنهم الكلام فى كثير من الأحيان ، وتشعر أنت كأنك فى متحف أثرى ومعك الدليل يشرح لك ما تراه من تماثيل ، فهؤلاء المساكين قد ضاعوا فى غمرة الزمان الذى يحممل الناس " هكذا دائما "  فإذا تذكرنا أن " سيفا " هو البطل الرئيسى الذى ملأ قلب الكاتب بادئ ذى بدء ، وأراد تصويره قبل أن يريد ذلك لأحد سواء ، عرفنا فداحة الخسارة فى فقده بين من أغرقهم التيار الذى يطمس الأفراد .

قد كنت ألاحظ أشلاء متناثرة عن شخصية سيف ، فكنت الاحظ نفسه القلقة الهائمة السابحة فى خيالها ، وألاحظ تردده الذى كاد يقربه فى مخيلتى من  " هاملت " وألاحظ احتقاره للذهب بالقياس إلى أهدافه العليا - لكنى لاحظت ذلك كله أشلاء متناثرة ، ولا " شخص " هناك - وربما كان النفس فى إدراكى أنا لما بين الأشلاء المفككة من وحدة ؛ أو لعله سوء الحظ الذى جعلنى أبدأ منذ الخطوة الأولى فى مقارنته ب " هاملت " فى قلقه وترده ورغبته فى الانتقام وغير ذلك فتظل المقارنة مائلة أمام ذهنى ليدفع ثمنها " سيف " .

*** لقد أجرى الأستاذ فريد بك على لسان المنشد فى أول حديثه هذا المبدأ النقدى ، الذى عبر به فى الحقيقة عن رحابة صدره ورجاحة عقله وطيبة نفسه وميله الشديد إلى التسامح ، إذ قال المنشد لسامعية ...  " سأنشدكم وأنشد ليلة بعد ليلة ، ولكم أن ترضوا إذا أرضاكم ما يصدر عنى . ولكم أن تنكروا كما شئتم إن بدا لكم من ذلك ما لا يروقكم ! لكم أن تصفقوا استحساناً أو تظهروا استهجانكم بغير مداراة ! فهذا حق لكم ، أما أنا فما أقصد إلا أن أظهر ما عندى مما يهتز له فؤادى وما أودعته ثمرة حياتى وأرسلت فيه عصارة روحى ، فإذا وقع عندكم موقعه عندى زادت بذلك سعادنى . ...."

فإذا رأيتنى قد أسرفت فى استخدام هذا الحق الذى أبحثه لقارئك ، فاغفر لى ضلالا دفعنى إليه إيمانى بحق الفرد فى أن يعيش فرداً مستقلاً قائماً بذاته . سواء كان ذلك فى الحياة الواقعة أو فى القصة التى تصور تلك الحياة .

اشترك في نشرتنا البريدية