لا أظننى مسرفا فى التقدير إذا زعمت أن تسعة أعشار الأدب المصرى تكتب مقالات فى الصحف والمجلات ؟ ولو أردت أن أفرق بين الأديب المصرى والاديب الأوربى بكلمة واحدة ، قلت إن ادبنا يكتب مقالة وأدبهم يكتب كتابا ؛ فطريقة الكتابة عندنا - فى أغلب الأحيان . هى أن يكتب الأديب مقالة هنا ومقالة هناك ، حتى إذا ما يجمع له مما كتب مقدار يصلح أن يكون كتابا ، جمعه فى كتاب واختار له اسما ، يوهم القارئ أنه كتاب ، وهو فى الحق كتاب إذا كانت الوحدة فيما كتب هى وحدة القلم والكاتب ، أما إن جعلت وحدة الكتاب موضوعه ، فليس هو بالكتاب إلا على سبيل المجاز ، والمجاز هنا أساسه أن مجموعة الأوراق قد ضمنها غلاف .
هذه حقيقة واقعة ، وليس بالشاق العسير عليك أن تتبين صدقها باستعراض ما انتجه الأدباء : طه حسين ، أحمد أمين ، العقاد ، المازنى ، توفيق الحكيم ، وغيرهم ، لتعلم أن الكثرة الغالية مما يخرجون للناس من كتب . هى مجموعات من مقالات أو فصول . . حتى السرحية ، هذا اللون الأدبى الذي كان يمكن أن يفلت وبنجو ، لم تلبث
أن طواها الاتجاه العام ، فإذا هى فى الأعم الأغلب مسرحية ذات فصل واحد ؛ وكذلك القصة عندنا فى معظم الأحيان هى القصة القصيرة التى تنشر فى الصحيفة على دفعة واحدة .
وقد يكون تحليل هذه الظاهرة فى أدبنا ، هو أن أدببنا قصير النفس ، إذا قيس إلى الأديب الأوربى صاحب النفس الطويل ؛ ثم قد يكون هذا النفس القصير فطرة فينا ، ورثناها عن آبائنا مع سمرة اللون وسواد الشعر وكثافة الشفاه ؟ فالأديب العربى منذ أقدم عصوره - فيما يقال - معروف بالتركيز والإيجاز . فىتكفيه الحكمة الواحدة أو الفصل القصير ، حين لا يكتفى الأديب الاوربى بأقل من قصة طويلة عريضة ، قد تجاوز صفحانها الألف ، ليحلل فكرة واحدة ، ويخلق لها الأشخاص خلقا ليلبسوها ويمثلوها فى أفعال وأقوال .
أو قد يكون هذا النفس القصير عند أديبنا ، نتيجة لضعف ثقافته وضيق أفقه فليس لديه ما يقوله عن الفكرة أكثر من ثلاث صفحات أو أربع ، فى الوقت الذى يتمكن فيه الأديب الغربى بحكم ثقافته الواسعة العريضة أن يكتب الكتاب الضخم لتحليل الفكرة الواحدة ، فيبرز ظلالها
وأضواءها ، ويجعلها كائنا حيا يسعى على قدميه .
ثم جاءت الصحافة عاملا آخر ، قضى على الآدب المصرى قضاءه الأخير ، وبات معه حتما مقضيا على هذا الأدب أن يظل على صورته الممسوخة الشائعة البتراه ، التى لا تسمح للأديب أن يستقر على آره الأدبى حينا من الدهر يكفى لتسويته كائنا كامل الأعضاء ؛ كما يفعل أدباء العرب بما ينتجون من آثار
جاء عامل الصحافة ، فقضى على أديبنا أن يكون صحفيا فى إنتاجه ، لا خالفا متأنيا مبدعا ؛ ذلك أن الصحافة استعانت بالأدباء ، فكان لها الفضل على الأدب مرة واحد ، لكنها كانت جناية على الأدب ألف مرة ؛ أما فضلها فهو أنها أتاحت لكثير من الأدباء فرصة العيش المتواضع حينا ، والمعتدل حينا ؛ وأما جنايتها الكبرى فهى أنها سبت الأدباء فى القالب الذى تريد ، فإذا الأدباء فى . يدها ماجورون لا يكادون يسطرون من أجل الفن الخالص سطرا واحدا ، إنما يكتب أديبنا ما يصلح للصحف وما يقبله منه رئيس تحرير الصحيفة ؛ وللصحف ورؤساء تحريرها أساس يحكمون به أبعد ما يكون عن الأساس الذى يرضاه الفن الرفيع ، وإذا فقد بات أدباؤنا فى واد ، ومقاييس الفن الرفيع فى واد آخر .
كيف يكتب الأديب المصرى اليوم وماذا يكتب ؟ هنالك صحف يومية أو أسبوعية أو شهرية ، تركزت فى أيديها قوة الشراء ، بحيث أصبح مجالا أو قريبا من المجال أن ينافسها منافس تواضعت موارده المالية ؛ وهذه الصحف القوية بمالها هى أيضا واسعة الانتشار ، لأن الأمر هاهنا كالحلفة المفرغة : قوة مالها نوسع من انتشارها ، وسعة انتشارها تزيد من مالها . . والأمر عند رؤساء التحرير فى تلك الصحف ، هو كالأمر فى كل بيع أو شراء ؛ فهم كناعة الفاكهة والخضر يريدون أن مرضوا على وجه الصندوق أو على سطح المفطف برتقالتين كبيرتين محفى وراءها البرتقال الصغير ، أو كرنية ضخمة تستتوقف الأنظار ؛ فيدق رئيس التحرير التليفون إلى فلان الأديب الكبير صاحب الاسم اللامع ، ويطلب منه مقالا لعدد هذا الأسبوع أو هذا الشهر ؛ والأجر الكبير المعروض كفيل خير كفيل للأديب الكبير أن يضعف فيكتب ، ولا عليه حرج ، لأنه بشر كسائر البشر يريد أن يعيش .
فماذا يكتب الأديب عندئذ ؟ إنه لا يكتب ما يمليه عليه فنه ، أو ما كان ينبغى أن يمليه عليه الفن الرفيع ؛ بل يدير فى رأسه نوع المجلة التى طلب إليه أن يكتب مقالة فيها ، فيكتب شيئا يلائمها ويلائم قراءها ، وإذا لم يفعل ، فقد يقبل منه رئيس التحرير مقاله هذه الرة حياء ، لكنه لن يعود إليه مرة أخري .
يقول الأديب لنفسه إذا ما هم بالكتابة : إن قراء هذه الصحيفة هم أوساط المثقفين ، الذين لا يطلبون إنشاء رزينا رصيتا ، ولا يقوون على خلق ادبى رائع ممتاز ؛ إنهم طراز من البشر يشترى المجلة لتسليته فى الترام أو عند الخلاف ؛ فلا بد من مراعاة ذلك فى اختيار الموضوع ومعالجته معا ، فينبغي الموضوع أن يكون خفيفا لطيفا ، وان يعالج على محو مسل ظريف ؛ وعلى هذا الأساس يكتب الأديب ، فليس هو حرا كل الحرية فى اختيار ما يكتبه ، ولا فر الطريقة التي يعالج بها موضوعه ، بل ليس هو حرا كل الحرية في طول ما يكتبه ، لأنه يكتب يملأ فراغا طوله كذا سطرا وعرضه كذا نهرا ؛ إن رئيس التحرير بأمره بما يريد ، وهو يصدع بالأمر راضيا أو كارها ؟ فإذا عرفنا أى الدوافع عدو رئيس التحرير فى نوع ما يطلبه ، عرفنا من هو الأمر الحقيقى الآن الذي يستيد بارباب القلم ؛ إنهم أنصاف المثقفين وأرباعهم .
ولا تقل إنها الديمقراطية فى الأدب ، وإنه لا عيب فى الدعقراطية بكل صورها ، سياستها وأدبها ؛ لا تقل : ما دا تريد ؟ أتريد للأدب أن يكون مترفا يخاطب الطبقة الأرسقراطية فى ما لها وثقافئها ؟ لا تقل ذلك لأنى ما أردت شيئا منه ؟ لأن الديمقراطية فى الأدب كما فهمت فى الغرب لم تكن قط شيئا كهذه الأمساخ التى يضطر أدباءنا إلى صناعتها والاشتغال بها دون ما قد يستطيعون من آثار خالدة باقية . كان أهم معنى للديقراطية فى الأدب عند الغرب - فيما أعلم - هو اختيار الأديب أشخاصا من سواد الشعب يصورهم بأدبه ، فلم يعد شرطا أن يجعل أشخاصه ملوكا وأمراء ، بل أصبحت الخادم الساذجة تصلح أن تكون بطلة لقصة ، يهتم الأديب بتحليلها وتشرعها ، وبهذا جعل عنابته ملاحظة أوساط الناس كيف يعيشون وكيف يشعرون ويفكرون ، لا ليكتب ذلك على النحو الذى ترتضه الصحافة الأسبوعية
أو الشهرية ، بل على الصورة التى يرضاها الفن المتمهل المتأنى الذي يسوى خلقه تسوية كاملة فى كتاب كامل يقصر حينا ويطول حينا ، حسب ما تقتضيه أوضاع الفن ، لا حسب ما يامر به رؤساء التحرير .
إنه من حسن حظنا - أبناء هذا الجيل - أن أدبائنا قد وجدوا بعض الفراغ فيما مضى - لم تشغلهم الصحف عند تذ كل وقتهم ، لأنها لم تكن - فيما يظهر - قد تنبهت إلى شراء هذه السلعة الرابحة ، من حسن حظنا أن أدبائنا قد وجدوا فى ماضيهم فرانا أنتجوا لنا فيه قطعا أدبية نعثر بها ، وإن تكن من النوع الذى لا يرتضيه رؤساء التحرير وإنى لأتساءل جادا : ماذا عسى أن يؤول إليه الأمر بعد عشرة أعوام أو عشرين ؟ أذكر لى أديبا واحدا اليوم لم " تستخدمه " الصحافة استخداما يعود عليها بمئات الجنيهات وألوفها ، ويعود على الأدب الرفيع بالفقر ، وكدت اكتب : بالخزى والعار ؟ إنه بعد عشرة أعوام أو عشرين ، أن تجد مقالا واحدا يكتب من أجل الفن الصحيح والأدب الرفيع ، لأن أشلاء المجلات الأدبية الباقية فى طريقها إلى الزوال ، والباقيات الفاسدات ، لأن العبرة فى الباقيات هى سعة الانتشار وقوة المال . ولم يعد الأديب الكبير يرضى أن يضبع وقته فيما لا يعود عليه بالكسب ، والكسب مرهون بطاعة رؤساء التحرير . . إن الذى يعمل الآن فى تسيير الأدب المصرى هو قانون تنازع البقاء وبقاء الأفسد . لا لأن أدباءنا غير قادرين على إنتاج الصالح ، بل لأن الصالح ليس هو ما يأمر به رؤساء تحرير الصحف القوية الغنية ، وأدباؤها قد باتوا اليوم فى حكم المحررين فى تلك الصحف ، وقل على جودة الإنتاج ألف عفاء .
ومن أنواع التسلية - إذا أردت تسلية - أن تتعقب الأدباء وهم يتجمعون فى صحيفة بعد صحيفة ، كما ينتقل مركز البيع والشراء فى المدينة من شارع إلى شارع ؟ كان شارع الوسكى هو مركز الحركة التجارية فى عهد مضى ، ثم انتقل مركز التجارة إلى شارع فؤاد الأول ، وكأنى به اليوم ينتقل إلى شارعى قصر النيل وسليمان باشا ؟ وهكذا الصحف والأدباء ؛ نرى مجموعتهم فى هذه الصحيفة مرة ، ثم فى هذه الصحيحة أخرى ، لأن الصحف تتنافس كما تتنافس دكاكين البقالة . فقد يحن لصحيفة منها أن تضارب زميلاتها بالإكثار من أجور الأدباء الكبار ، فيتجمع لديها هؤلاء ، ثم تعود
صحيفة أخرى فتمسك بالزمام ، ويعود الأدباء فيرحلون رحلة جديدة ، وهكذا ؛ ولسنا نكره بالطبع أن يؤجر الأدباء أعلى الأجور ، إنما الذى ذكرهه ونتشام له ، أن تكون هذه الأجور ثمننا لطاعة الأدباء فارؤساء التحرير أن يأمروا وعلى الأدباء أن يطيعوا ؛ كأن الآمر مقاولة وبناء ، فأضع التصميم الذي يعجبنى وأستأجر البناء لينفذ لى ما أريد دون أن يكون له حق الاعتراض ؛ إذا حدث هذا فلا فن فى بناء ، وكذلك قل فى فن الكتابة وفى أي فن آخر .
جناية الصحافة على الأدب جناية كبرى ، لا تعوضها الجنيهات القليلة التى تدفعها لأدبائنا ثمنا بخسا رخيصا ، يموتون بعده فقراء - كما مات المازنى ؛ فأولا تجنت الصحافة على الأدب فجعلته مقالات قصارا ، ولم تفسح من الوقت لأديبنا أن يتفرغ للكتاب السهب المطول ؛ وثانيا جعلت مدار ما يكتب هو ذوق الجمهور القارئ من حيث الصنعة والأداء ومن حيث الموضوع والمعنى ؛ ولو سارت الحال على هذا النحو عشرين عاما ، قلن تدور عجلات المطابع بكتاب واحد ممتاز يخرجه اديب إنتاجا خالصا لوجه الفن الرفيع

