الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 591الرجوع إلى "الثقافة"

فى ضوء المصباح, جناية الصحافة على الادب

Share

لا أظننى مسرفا فى التقدير إذا زعمت أن تسعة أعشار الأدب المصرى تكتب مقالات فى الصحف والمجلات ؟ ولو أردت أن أفرق بين الأديب المصرى والاديب الأوربى بكلمة واحدة ، قلت إن ادبنا يكتب مقالة وأدبهم يكتب كتابا ؛ فطريقة الكتابة عندنا - فى أغلب الأحيان . هى أن يكتب الأديب مقالة هنا ومقالة هناك ، حتى إذا ما يجمع له مما كتب مقدار يصلح أن يكون كتابا ، جمعه فى كتاب واختار له اسما ، يوهم القارئ أنه كتاب ، وهو فى الحق كتاب إذا كانت الوحدة فيما كتب هى وحدة القلم والكاتب ، أما إن جعلت وحدة الكتاب موضوعه ، فليس هو بالكتاب إلا على سبيل المجاز ، والمجاز هنا أساسه أن مجموعة الأوراق قد ضمنها غلاف .

هذه حقيقة واقعة ، وليس بالشاق العسير عليك أن تتبين صدقها باستعراض ما انتجه الأدباء : طه حسين ، أحمد أمين ، العقاد ، المازنى ، توفيق الحكيم ، وغيرهم ، لتعلم أن الكثرة الغالية مما يخرجون للناس من كتب . هى مجموعات من مقالات أو فصول . . حتى السرحية ، هذا اللون الأدبى الذي كان يمكن أن يفلت وبنجو ، لم تلبث

أن طواها الاتجاه العام ، فإذا هى فى الأعم الأغلب مسرحية ذات فصل واحد ؛ وكذلك القصة عندنا فى معظم الأحيان هى القصة القصيرة التى تنشر فى الصحيفة على دفعة واحدة .

وقد يكون تحليل هذه الظاهرة فى أدبنا ، هو أن أدببنا قصير النفس ، إذا قيس إلى الأديب الأوربى صاحب النفس الطويل ؛ ثم قد يكون هذا النفس القصير فطرة فينا ، ورثناها عن آبائنا مع سمرة اللون وسواد الشعر وكثافة الشفاه ؟ فالأديب العربى منذ أقدم عصوره - فيما يقال - معروف بالتركيز والإيجاز . فىتكفيه الحكمة الواحدة أو الفصل القصير ، حين لا يكتفى الأديب الاوربى بأقل من قصة طويلة عريضة ، قد تجاوز صفحانها الألف ، ليحلل فكرة واحدة ، ويخلق لها الأشخاص خلقا ليلبسوها ويمثلوها فى أفعال وأقوال .

أو قد يكون هذا النفس القصير عند أديبنا ، نتيجة لضعف ثقافته وضيق أفقه فليس لديه ما يقوله عن الفكرة أكثر من ثلاث صفحات أو أربع ، فى الوقت الذى يتمكن فيه الأديب الغربى بحكم ثقافته الواسعة العريضة أن يكتب الكتاب الضخم لتحليل الفكرة الواحدة ، فيبرز ظلالها

وأضواءها ، ويجعلها كائنا حيا يسعى على قدميه .

ثم جاءت الصحافة عاملا آخر ، قضى على الآدب المصرى قضاءه الأخير ، وبات معه حتما مقضيا على هذا الأدب أن يظل على صورته الممسوخة الشائعة البتراه ، التى لا تسمح للأديب أن يستقر على آره الأدبى حينا من الدهر يكفى لتسويته كائنا كامل الأعضاء ؛ كما يفعل أدباء العرب بما ينتجون من آثار

جاء عامل الصحافة ، فقضى على أديبنا أن يكون صحفيا فى إنتاجه ، لا خالفا متأنيا مبدعا ؛ ذلك أن الصحافة استعانت بالأدباء ، فكان لها الفضل على الأدب مرة واحد ، لكنها كانت جناية على الأدب ألف مرة ؛ أما فضلها فهو أنها أتاحت لكثير من الأدباء فرصة العيش المتواضع حينا ، والمعتدل حينا ؛ وأما جنايتها الكبرى فهى أنها سبت الأدباء فى القالب الذى تريد ، فإذا الأدباء فى . يدها ماجورون لا يكادون يسطرون من أجل الفن الخالص سطرا واحدا ، إنما يكتب أديبنا ما يصلح للصحف وما يقبله منه رئيس تحرير الصحيفة ؛ وللصحف ورؤساء تحريرها أساس يحكمون به أبعد ما يكون عن الأساس الذى يرضاه الفن الرفيع ، وإذا فقد بات أدباؤنا فى واد ، ومقاييس الفن الرفيع فى واد آخر .

كيف يكتب الأديب المصرى اليوم وماذا يكتب ؟ هنالك صحف يومية أو أسبوعية أو شهرية ، تركزت فى أيديها قوة الشراء ، بحيث أصبح مجالا أو قريبا من المجال أن ينافسها منافس تواضعت موارده المالية ؛ وهذه الصحف القوية بمالها هى أيضا واسعة الانتشار ، لأن الأمر هاهنا كالحلفة المفرغة : قوة مالها نوسع من انتشارها ، وسعة انتشارها تزيد من مالها . . والأمر عند رؤساء التحرير فى تلك الصحف ، هو كالأمر فى كل بيع أو شراء ؛ فهم كناعة الفاكهة والخضر يريدون أن مرضوا على وجه الصندوق أو على سطح المفطف برتقالتين كبيرتين محفى وراءها البرتقال الصغير ، أو كرنية ضخمة تستتوقف الأنظار ؛ فيدق رئيس التحرير التليفون إلى فلان الأديب الكبير صاحب الاسم اللامع ، ويطلب منه مقالا لعدد هذا الأسبوع أو هذا الشهر ؛ والأجر الكبير المعروض كفيل خير كفيل للأديب الكبير أن يضعف فيكتب ، ولا عليه حرج ، لأنه بشر كسائر البشر يريد أن يعيش .

فماذا يكتب الأديب عندئذ ؟ إنه لا يكتب ما يمليه عليه فنه ، أو ما كان ينبغى أن يمليه عليه الفن الرفيع ؛ بل يدير فى رأسه نوع المجلة التى طلب إليه أن يكتب مقالة فيها ، فيكتب شيئا يلائمها ويلائم قراءها ، وإذا لم يفعل ، فقد يقبل منه رئيس التحرير مقاله هذه الرة حياء ، لكنه لن يعود إليه مرة أخري .

يقول الأديب لنفسه إذا ما هم بالكتابة : إن قراء هذه الصحيفة هم أوساط المثقفين ، الذين لا يطلبون إنشاء رزينا رصيتا ، ولا يقوون على خلق ادبى رائع ممتاز ؛ إنهم طراز من البشر يشترى المجلة لتسليته فى الترام أو عند الخلاف ؛ فلا بد من مراعاة ذلك فى اختيار الموضوع ومعالجته معا ، فينبغي الموضوع أن يكون خفيفا لطيفا ، وان يعالج على محو مسل ظريف ؛ وعلى هذا الأساس يكتب الأديب ، فليس هو حرا كل الحرية فى اختيار ما يكتبه ، ولا فر الطريقة التي يعالج بها موضوعه ، بل ليس هو حرا كل الحرية في طول ما يكتبه ، لأنه يكتب يملأ فراغا طوله كذا سطرا وعرضه كذا نهرا ؛ إن رئيس التحرير بأمره بما يريد ، وهو يصدع بالأمر راضيا أو كارها ؟ فإذا عرفنا أى الدوافع عدو رئيس التحرير فى نوع ما يطلبه ، عرفنا من هو الأمر الحقيقى الآن الذي يستيد بارباب القلم ؛ إنهم أنصاف المثقفين وأرباعهم .

ولا تقل إنها الديمقراطية فى الأدب ، وإنه لا عيب فى الدعقراطية بكل صورها ، سياستها وأدبها ؛ لا تقل : ما دا تريد ؟ أتريد للأدب أن يكون مترفا يخاطب الطبقة الأرسقراطية فى ما لها وثقافئها ؟ لا تقل ذلك لأنى ما أردت شيئا منه ؟ لأن الديمقراطية فى الأدب كما فهمت فى الغرب لم تكن قط شيئا كهذه الأمساخ التى يضطر أدباءنا إلى صناعتها والاشتغال بها دون ما قد يستطيعون من آثار خالدة باقية . كان أهم معنى للديقراطية فى الأدب عند الغرب - فيما أعلم - هو اختيار الأديب أشخاصا من سواد الشعب يصورهم بأدبه ، فلم يعد شرطا أن يجعل أشخاصه ملوكا وأمراء ، بل أصبحت الخادم الساذجة تصلح أن تكون بطلة لقصة ، يهتم الأديب بتحليلها وتشرعها ، وبهذا جعل عنابته ملاحظة أوساط الناس كيف يعيشون وكيف يشعرون ويفكرون ، لا ليكتب ذلك على النحو الذى ترتضه الصحافة الأسبوعية

أو الشهرية ، بل على الصورة التى يرضاها الفن المتمهل المتأنى الذي يسوى خلقه تسوية كاملة فى كتاب كامل يقصر حينا ويطول حينا ، حسب ما تقتضيه أوضاع الفن ، لا حسب ما يامر به رؤساء التحرير .

إنه من حسن حظنا - أبناء هذا الجيل - أن أدبائنا قد وجدوا بعض الفراغ فيما مضى - لم تشغلهم الصحف عند تذ كل وقتهم ، لأنها لم تكن - فيما يظهر - قد تنبهت إلى شراء هذه السلعة الرابحة ، من حسن حظنا أن أدبائنا قد وجدوا فى ماضيهم فرانا أنتجوا لنا فيه قطعا أدبية نعثر بها ، وإن تكن من النوع الذى لا يرتضيه رؤساء التحرير وإنى لأتساءل جادا : ماذا عسى أن يؤول إليه الأمر بعد عشرة أعوام أو عشرين ؟ أذكر لى أديبا واحدا اليوم لم " تستخدمه " الصحافة استخداما يعود عليها بمئات الجنيهات وألوفها ، ويعود على الأدب الرفيع بالفقر ، وكدت اكتب : بالخزى والعار ؟ إنه بعد عشرة أعوام أو عشرين ، أن تجد مقالا واحدا يكتب من أجل الفن الصحيح والأدب الرفيع ، لأن أشلاء المجلات الأدبية الباقية فى طريقها إلى الزوال ، والباقيات الفاسدات ، لأن العبرة فى الباقيات هى سعة الانتشار وقوة المال . ولم يعد الأديب الكبير يرضى أن يضبع وقته فيما لا يعود عليه بالكسب ، والكسب مرهون بطاعة رؤساء التحرير . . إن الذى يعمل الآن فى تسيير الأدب المصرى هو قانون تنازع البقاء وبقاء الأفسد . لا لأن أدباءنا غير قادرين على إنتاج الصالح ، بل لأن الصالح ليس هو ما يأمر به رؤساء تحرير الصحف القوية الغنية ، وأدباؤها قد باتوا اليوم فى حكم المحررين فى تلك الصحف ، وقل على جودة الإنتاج ألف عفاء .

ومن أنواع التسلية - إذا أردت تسلية - أن تتعقب الأدباء وهم يتجمعون فى صحيفة بعد صحيفة ، كما ينتقل مركز البيع والشراء فى المدينة من شارع إلى شارع ؟ كان شارع الوسكى هو مركز الحركة التجارية فى عهد مضى ، ثم انتقل مركز التجارة إلى شارع فؤاد الأول ، وكأنى به اليوم ينتقل إلى شارعى قصر النيل وسليمان باشا ؟ وهكذا الصحف والأدباء ؛ نرى مجموعتهم فى هذه الصحيفة مرة ، ثم فى هذه الصحيحة أخرى ، لأن الصحف تتنافس كما تتنافس دكاكين البقالة . فقد يحن لصحيفة منها أن تضارب زميلاتها بالإكثار من أجور الأدباء الكبار ، فيتجمع لديها هؤلاء ، ثم تعود

صحيفة أخرى فتمسك بالزمام ، ويعود الأدباء فيرحلون رحلة جديدة ، وهكذا ؛ ولسنا نكره بالطبع أن يؤجر الأدباء أعلى الأجور ، إنما الذى ذكرهه ونتشام له ، أن تكون هذه الأجور ثمننا لطاعة الأدباء فارؤساء التحرير أن يأمروا وعلى الأدباء أن يطيعوا ؛ كأن الآمر مقاولة وبناء ، فأضع التصميم الذي يعجبنى وأستأجر البناء لينفذ لى ما أريد دون أن يكون له حق الاعتراض ؛ إذا حدث هذا فلا فن فى بناء ، وكذلك قل فى فن الكتابة وفى أي فن آخر .

جناية الصحافة على الأدب جناية كبرى ، لا تعوضها الجنيهات القليلة التى تدفعها لأدبائنا ثمنا بخسا رخيصا ، يموتون بعده فقراء - كما مات المازنى ؛ فأولا تجنت الصحافة على الأدب فجعلته مقالات قصارا ، ولم تفسح من الوقت لأديبنا أن يتفرغ للكتاب السهب المطول ؛ وثانيا جعلت مدار ما يكتب هو ذوق الجمهور القارئ من حيث الصنعة والأداء ومن حيث الموضوع والمعنى ؛ ولو سارت الحال على هذا النحو عشرين عاما ، قلن تدور عجلات المطابع بكتاب واحد ممتاز يخرجه اديب إنتاجا خالصا لوجه الفن الرفيع

اشترك في نشرتنا البريدية