الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 663الرجوع إلى "الثقافة"

فى ضوء المصباح :, رهان

Share

هى عشرون جوادا أو ثلاثون ، بعضها فى حلبة السباق يلهث من الجرى ، وبعضها الآخر فى الحظائر يدس رأسه فى المذاود ليطعم ، أو يتمرغ على أرض لينة - بما فرشت به من الدريس - ليستجم ويستريح ؛ ثم يتبادل الفريقان من الجياد موضعيهما ، فتجئ الخيل المتسابقة إلى الحظائر فتأكل من المزاود جيد العلف أو تسترخى على الأرض اللينة لتستجم وتستريح ، وتذهب الخيل المستريحة الطاعمة إلى حلبة السباق لتلهث من الجرى ، وهكذا دواليك حينا بعد حين .

وحول حلية السباق وقفت ألوف البشر ، متلاصقة الأجساد متدافعة بالمناكب ، حتى لتحمر منها الأعين ، وتنتفض الأوداج ، ويتصبب العرق ؛ هذه الألوف من التعساء المناكيد ، قد تأرقت جنوبها على المخادع ، لم يهنأ لها في ديارها طعام ولا شراب ، فجاءت إلى حلبة السباق لتبذل من مالها وجهدها ما تستطيع بذله وما لا تستطيع , رهانا على الجياد المتسابقة ، حتى إذا ما أتمت الخيل شوطها ، أخذ يعلو فى الثراء والجاه من يعلو ، ويهبط فيهما من يهبط , وللمراهنين فى كل يوم حظوظ كتبت لهم في اللوح المحفوظ

ترقب الوجوه والأجساد فى ذاك الزحام ، واستمع إلى ما ينطقون به همسا وصياحا ، حين تهتز أقدارهم في كف

القدر ، معلقة بما هو أوهى من خيوط العنكبوت : هذا واحد قد مط عنقه مطا ، وشد أوتاره شدا ، وشب على أطراف قدميه ، وأخذ يدور بناظريه خلال غابة من أعناق المتزاحمين ، لعله يتابع الجياد بناظريه وهي تدور ؛ فتنبسط فى وجهه الأسارير ثم تنقبض مائة مرة فى الدقيقة الواحدة ، لأن حصانه الذى راهن عليه يتقدم تارة ويتأخر تارة , وهو مع الحصان فى تقدمه وتأخره يتأرجح انبساطا وانقباضا

وهذا آخر يضرب الأرض بقدميه من قلق , ويضرب فخذيه بيديه ، ويزفر آهات متتابعات ، لكنها مختلفات الصوت والمعنى ، فآهة يزفرها مرة ليتوجع ، وآهة أخرى يطلقها لينتشى ؛ لأن حصانه هو الآخر لا يخلى بينه وبين الأمل المتصل أو اليأس المتصل , فأخذ يؤرجحه بين اليأس والأمل .

وهذا ثالث لا يكف عن الصياح إلى الجياد مناديا لها بأسمائها ، يستنهض فيها الهمم ، لأن مناكبها تكتب له مقدار حظه , وكل ثنية ينثنى بها هذا الحصان أوذاك , لها فى حياته هو صدى ، فقد ينثنى حصانه قليلا ذات اليمين , فإذا معنى ذلك أنه رئيس على أقرابه منذ الغد ، أو ينثنى قليلا ذات اليسار ، فهبط منذ غده إلى مراتب المرءوسين ، وهلم جرا ؛ فهو معذور إذا أجهد حلقه بالصياح هاتفا :  يا سموحة !  شد حيلك يا بلبل ...

وللمراهنين فى اختيار جيادهم مذاهب ؛ فبعضهم يفضل أن يضع رهانه على جواد سباق ، راضيا بالكسب القليل المضمون ؛ ذلك لأن الجواد إذا اشتهر بالسبق ، كثر المراهنون عليه ، وبالتالى قل النصيب عند توزيع الغنائم ؛ وبعضهم الآخر يؤثر لنفسه الرهان على جواد مغمور بعض الشئ ، لأن الحظ إذا أسعف هذا الجواد المختبئ وكان له السبق ، فاز المراهن بربح موقور لقلة المراهنين ؛ وبعضهم يمسك العصا من وسطها - كما يقولون - حتى لايفوته طرف اليمين ولا طرف اليسار ، فيراهن على النوعين في آن معا .

وأشهد أنى عشت ما قد عشت من سنين ، غافلا عن هذا النشاط العجيب الذى يستنفد جهد الألوف من البشر ، فقد كنت أحسب أن الناس جميعا ينفقون أيامهم كما أنفق أيامى على نحو بارد ممل رتيب : عمل وأكل ونوم ، فعمل وأكل ونوم ، ثم عمل وأكل ونوم ؛ لم أكن أدرى أن هنالك ألوفا من البشر تغمض أعينها على أرق وتفتحها على قلق ، من كثرة ما أضافت إلى حياتها من عوامل الأمل واليأس ، وأسباب الصعود والهبوط ، بحيث لا يكون الواحد منهم فى غده ما يكون فى يومه ، فهو فى كل يوم على حال .

وظللت على غفلتى حتي فتح عينى صديقى الطبيب البارع حين ذهبنا يوما إلى دار السينما ، حيث شهدنا فيما شهدناه مباراة فى الملاكمة جرت بين ملاكمين قيل إنهما مشهوران معروفان فى العالم أجمع - وإن كنت لم أعرف عنهما شيئا - وحول منصة المباراة جلست أو وقفت ألوف مؤلفة من المتفرجين ، على أشد ما يكون الناس تحمسا واهتياجا ؛ فكانوا يقفون ويقعدون ، ويلوحون بأيديهم ويخبطون الأرض بأقدامهم ويصيحون على نحو عنيف مثير ، كأنه يوم الحشر قد نفخ له فى الصور .

عندئذ ملت نحو صديقى أهمس في أذنه : كيف تبلغ حرارة التحمس عند هؤلاء الناس كل هذا المدى ؟ ألسنا مثلهم ننظر إلى اللاعبين فنرى ما يرون ؟ لماذا - إذا - ننظر في هدوء وصمت ، وينظرون هم فى هذه الضجة الكبرى ؟ كيف يكون بين الناس كل هذه الفروق والشهد واحد أمامهم ؟ !

فضحك صديقى الطبيب البارع ضحكته الرزينة الهادئة ، وقال : إن هؤلاء لا يتفرجون على الملاكمة وكفى كما نفعل نحن وإلا لما كان هناك كل هذا الفرق بيننا وبينهم , لكنهم قد راهنوا بأموالهم على اللاعبين ، فأصبح الأمر

عندهم أمر كسب أو خسارة ، ومن ثم هذا الهيجان العنيف وهذا التحمس الشديد .

وأشهد أنى منذ تلك الملاحظة اليسيرة العابرة ، التى قالها لى الصديق الطبيب ، قد فهمت من مجرى السياسة المصرية ما لم اكن أفهمه من تيارات ودوافع ؛ وانكشف لى عن كثير من سرها الذي ليس بالسر عند النابهين المتنبهين الذين تمتلئ عروقهم بدم الحياة ويشتعلون حرارة بوقدة العيش ، وإنما هو سر ينتظر الكشف عند الغافلين المغفلين الذين يجعلون أيامهم عملا وأكلا ونوما .

فى حلبة السياسة المصرية تجىء وزارة وتمضى وزارة ، كالجياد رأيناها فى حلبة السباق تجىء وتمضى ؛ وبين الوزراء يجيئون ويمضون ، ما بين الجياد : فمنهم وزراء عاملون قائمون على الحكم ، يشبهون الخيل وهى تجرى شوطها لاهثة من الجرى , ومنهم وزراء متعطلون يقضون فترة الراحة , فتراهم في الأندية والدور يطعمون وينعمون استجماما واسترخاء , استعدادا لدورتهم القادمة - فثلاثون عاما من أعوام السياسة المصرية قد علمتهم أن الوزارة دورات متتابعة يتولاها فريق بعد فريق ، رضى الناس أو كرهوا .

أما الغافلون المغفلون فيقرءون خبر وزارة تجىء ووزارة تمضى ، على نحو ما كنت مع صديقى الطبيب أشهد الملاكمة ؛ يقرءونه خبرا من الأخبار كما يقرءون - مثلا - أن مواعيد القطارات الذاهبة إلى الإسكندرية قد تغيرت مع قدوم الصيف أو حلول الشتاء ، فيترتب على ذلك تغيير يسير جدا فى حياتهم  ,أو لا يتترتب عليه شئ قط ، إن لم يكونوا من أصحاب السفر والانتقال - وهم فيى كلتا الحالتين يقرءون الخير بجنان ثابت وأعصاب هادئة ، ولا يكادون يفرغون من قراءته ، حتى يلقوا بالجريدة جانبا ، ليمضوا فيما هم ماضون فيه من عمل وأكل ونوم .

وأما النابهون المتنبهون  فليست هذه حالهم ، فهم أشباه هؤلاء الألوف الذين شهدناهم حول حلبة السباق يراهنون بجهدهم كله ومالهم كله على هذا الحصان أو ذاك ، ثم يقفون بعد ذلك فى تشوق وتطلع وقلق وأرق وانتظار ؛ ترى هل يكتب لهم في ميدان السباق صعود أم هبوط ؟ ترى هل يخرجون من الزحام ظافرين أم خاسرين ؟ .

ويختلف المراهنون فى ميدان السياسة المصرية أحزابا على نحو ما رأينا المراهنين فى حلبة السباق يختلفون مذاهب : ألم تر فريقا من المراهنين على الجياد يفضل الرهان على جواد كسبه قليل لكنه أكثر ضمانا من غيره لأنه سباق ؟ وفريفا آخر يؤثر الرهان على جواد مغمور بعض الشئ لكن كسبه غزير موفور إن صادفه التوفيق وحالفه النجاح .

فهكذا يتخير المشتغلون بالسياسة المصرية أحزابهم : هل يناصر هذا الحزب أو ذاك ؟ أما هذا الحزب فأشياعه كثيرون والرجحان في الكسب من ورائه قليل ، وأما ذلك الحزب فأشياعه قليلون واحتمال الكسب من ورائه كبير ؛ وذلك الحزب الآخر لا رجال فيه ، فطريق الوزراء لأعضائه البارزين مفتوح .. وهكذا يأخذ المشتغلون بالسياسة المصرية فى المفاضلة بين حزب وحزب ، ثم يختلفون فى اختيارهم باختلاف أمزجتهم وطباعهم , فمن الناس من يحب المغامرة الجريئة التى إما رفعتهم إلى قمة الجبل الشاهق أو جاءتهم بالهلاك , كهؤلاء الذين نقرأ عنهم في الأساطير من طلاب الكنوز المدفونة فى الجزر البعيدة ؛ تراهم يركبون فى سبيل بغيتهم كل صعب ، فإما كنز يقعون عليه فتدين لهم الدنيا أو يهلكون ؛ لكن الناس فيهم إلى جانب هؤلاء المغامرين من أذلهم الحرص فأرادوا السير الهين السلس وإن أبطأ .

ورءوس الأحزاب المصرية على أتم علم بجوانب الموقف ما ظهر منها وما استتر ؛ فهم يعلمون حق العلم أن ليس الأمر بين الناس مرهونا باختلاف الآراء وتشعب الفلسفات ، ليس الأمر عند المشتغلين بالسياسة المصرية موقوفا على اختلاف المنهج ؛ فوزارة تجىء لأنها اشتراكية والناس قد صوتوا في الانتخاب للحكم الاشتراكى ، أو لأنها محافظة على النظام الاقتصادى القديم والناس قد أرادوا عند التصويت لهذا النظام القديم أن يبقى ؛ إنما الأمر كله كسب شخصى وغنائم ، الأمر كله رهان في حلبة السباق : أى الجياد أقرب إلى أن يملأ جيوبى بالمال وجوفى بالطعام فأراهن عليه ... وأدرك رؤساء الأحزاب المصرية ذلك أتم إدراك ، فراحوا - كلما جاء الحكم إلى فريق منهم - يغقدون على أنصارهم ألوان النعيم جزاء ما راهنوا ، وثناء ما بذلوا من جهد جهيد في الصياح والهتاف والقلق والأرق .

والسيد السعيد فى هذا البلد هو من يهتدى فى حلبة السياسة إلى الجواد الرابح . والشقى الشقى هو من ربط مصيره بجواد خاسر .

اشترك في نشرتنا البريدية