الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 662الرجوع إلى "الثقافة"

فى ضوء المصباح, سلم القيم

Share

ليست قيمة الشئ كائنة فيه جزءا منه كما تكون عقارب  هذه الساعة التى أمامى جزءا منها يتصل وينفصل إنما تنشأ  قيمة الشىء عن علاقتنا به فنحن الذين نجعل للأشياء  قيمتها مهما يكن نوع تلك القيمة اقتصادية أو خلقية  أو جمالية صادرين فى تقويمنا للأشياء عن مصالحنا الذاتية فما يخدم لنا صالحا كان له من القيمة بمقدار ما يخدم ولذلك  ترانا ندرج الأشياء المختلفة التى تشبع فينا حاجة أو غرضا  تدرجها فى سلم متفاوت من القيم حسب تفاوتها فى  إشباعها لحاجاتنا وتحقيقها لأغراضنا

لهذا قد نجعل للشىء قيمة فى موضع معين أو سياق  معلوم حتى إذا ما تغير موضعه أو اختلف سياقه فقد  قيمته وكلنا قد قرأ إبان الطفولة قصة المسافر الذى انقطع  به الطريق فى الصحراء وقد فرغ منه الزاد وكاد الجوع  أن يهلكه فراح يخبط فى سيره يمينا ويسارا حتى وقعت  عيناه على صرة ملقاة ظنها طعاما فأخذته نشوة من الفرح   ردت إليه الأمل فى الحياة لكنه فتحها بيد مرتعشة  ليجدها مليئة بالدر والجوهر فألقى بمكنونها النفيس فى

ياس وقنوط إذ لم تكن لذلك الدر والجوهر عندئذ قيمة  رغيف واحد من الخبز

ويصدق هذا الكلام على القيم الأخلاقية والجمالية صدقه  على القيمة الاقتصادية فالفعل فضيلة أو رذيلة حسب ما يقوم  به ذلك الفعل فى نهاية الأمر بتهيئة أسعد حياة ممكنة لأكبر  عدد ممكن من الناس وليس فى الفعل ذاته كائنا  ما كان شىء يجعله فضيلة أو رذيلة بغض النظر عن الظروف المحيطة به حتى ليحدثنا علماء الأجناس البشرية بأنه ما من فعل يطوف بخيالك إلا وجدته هو نفسه فضيلة عند بعض القبائل وفى بعض العصور ورذيلة عند قبائل أخرى وفى عصور أخرى

كان الرق فعلا مباحا فيما مضي فأصبح محظورا محرما كانت الطاعة المسياء لولى الأمر عبادة أيام بناء الهرم الأكبر فأصبحت عبودية تضع المسانير لها قيودا وحدودا كان الثأر واجبا لامتدوحة لأفراد الأسرة أو القبيلة عن أخذه بأيديهم عاجلا أو آجلا فاصبح علامة على الهمجية التى يقف فى وجهها القانون وهكذا وهكذا مما لا يكاد يحصيه عد من الأفعال والأوضاع

وحتى حين يحكم فريق من الناس فى عصر معين على فعل بأنه خير فهم لا يقصدون بالخير إلى صورة الفعل كما تبدو حركاتها الجسدية فى عين الرائى بل يقصدون إلى ما يترتب على ذلك الفعل من نتائج جالبة للعيش الرخى السعيد وإلا فلن نجد فرقا فى الصورة الحركية الظاهرة لفعل الشجاعة وفعل الجبن كلاهما مشى أو جرى الشجاع يمشى نحو عدوه أو يجرى والجبان يمشى مبعدا عن عدوه أو يجرى لكن المشى أو الجرى في الحالة الأولى ينتج نتائج نسعى إليها ونرضاها وهو فى الحالة الأخرى يعود علينا بما لا نحبه أو نبتغيه

كذلك قل فى القيمة الجمالية فالشئ الذى نقول عنه إنه جميل قد يكون شديد الشبه جدا فى صورته الخارجية بالشىء الذى نقول عنه إنه قبيح لأن جمال الجميل وقبح القبيح ليس كائنا فى الشئ ذاته وإنما ينبعث من نظرتنا الذاتية لهذا وذاك وإلا فما الفرق فى الصورة بين ثدى جميل على صدر فتاة ناهد وبين ورم قبيح على عنقها وما الفرق بين ماء الشلال الدافق حين تنظر إليه ساعة التنزه وبينه حين تنظر إليه وطفلك غارق فيه لا فرق إلا ما تحدده أهواؤنا ومصالحنا الشخصية الذاتية

أهواؤنا ومصالحنا إذا هى التى تملى ما النفيس وما الخسيس فى تقدير القيمة الاقتصادية وهى التى تملى ما الفضيلة وما الرذيلة فى تقدير القيمة الخلقية ثم هى كذلك التى تقرر ما الجميل وما القبيح فى تقدير القيمة الجمالية هذا رأى من الوضوح بحيث تعجب أشد العجب كيف وقع الخلاف فى أمره بين رجال الفكر ونقدة الفنون فمن هؤلاء فريق يزعم أن فضيلة الفعل الفاضل وجمال الشىء الجميل كان فى الفعل نفسه أو الشئ نفسه كما يكون التربيع فى الشئ المريع والتدوير فى الشئ المستدير وتترتب على ذلك بالطبع نتيجة من أخطر النتائج وهى أن ما كان فضيلة عند آبائنا وأجدادنا ينبغى أن يظل كذلك بالنسبة لنا وإلى أيد الأبدين .

تعجب أشد العجب أن تجد هذا الفريق من رجال الفكر وأصحاب النقد الفنى ينظر هذه النظرة الموضوعية فى القيم وإذا طالبت أحدهم أن يحلل لك الشئ موضوع الحكم إلى

عناصره ليريك عنصرا من بينها إسمه فضيلة أو عنصرا اسمه جمال فلا يجيبك إلا بنظرة ازدراء لأنك تكون فى رأيه ماديا مخفوتا ذميا وأما هو فروحانى لا يريد أن يرى الفضيلة بعينية ويلمسها بيديه أو أن يرى الجمال ويلمسه عنصرا مستقلا قائما بذاته على النحو الذى يري به أو يلمس قطعة من النحاس أو الحديد هو روحانى يكفيه أن يقول إن الفعل الفاضل فضيلته جزء منه وإن الشئ الجميل جماله جزء منه ولا بأس عنده فى أن تكون هذه الأجزاء من أفاعيل السحر نحكم بوجودها لكننا لا ندركها بحاسة من حواس الماديين الأجلاف الغلاظ

ليقولوا فى ذلك ما شاءت لهم مثاليتهم وأما نحن فرأينا فى قيم الأشياء والأفعال هو كما أسلفنا فالأفعال والأشياء فى ذاتها محايدة ونحن الدين تضطرنا ظروف العيش أن نفضل فعلا على فعل حين نرى أن الفعل المفضل أضمن الفعلين طريقا إلى الحياة السعيدة القوية لأكبر عدد من أفراد المجتمع أو من أفراد الإنسانية قاطبة إن شئت

فإذا تغيرت ظروف العيش تغير فى إثرها أو وجب أن يتغير سلم القيم فما كان فى أعيننا ذا قيمة قد يصبح ولا قيمة له لأنه لم يعد هو وسيلة احتفاظنا بوجودنا وإذا تغيرت ظروف الحياة ولم يتغير فى إثرها سلم القيم كان الأرجح أن يظهر مصلح عظيم ينادى بالثورة أو الانقلاب وما الثورة أو الانقلاب عندئذ إلا تحوير فى تقويم الناس للأشياء بحيث يجئ التقويم متناسبا مع ما تقتضيه الظروف القائمة

إنه من سوء حظ الإنسان فى تاريخه أن ظروف حياته المارية تتغير بخطى أسرع جدا مما تتطور به طريقته فى تقدير قيم الأشياء والأفعال والأوضاع فتظل طريقة التقدير متلكئة حتى تصبح كالثوب الضيق الممزق ويصبح خامه ضرورة محتومة يراها صاحب النظر السليم وإن عارضه فيها سواد الناس فإن استطاع هذا أن يغير من وجهة نظر الناس حتى يدركوا ما أدركه كان هو المصلح الاجتماعى العظيم

وأعتقد أننا فى مثل هذا الموقف الآن فظروف اجتماعية واقتصادية تغيرت واشتد بها التغير وسلم للقيم باق على حاله

وإذا فالثورة الحقيقية التى نريدها هى أن نقلب هذا السلم قلبا تتغير معه أوضاع درجاته بنسبة بعضها لبعض وعندئذ نجد أن درجات سفلي ستعلو ودرجات عليا ستسفل

كنا أمة زراعية رعوية نشتغل بالزراعة اليدوية فتتخلق باخلاقها وإلى جانب ذلك ورثنا أخلاق الرعاة البدو عن آبائنا العرب فكان لنا من هذا المزيج الزراعى الرعوى أساس تقويمنا لكل شئ لكن الزراعة والرعى قد مستهما عجلات الآلات الصناعية وللصناعة أخلاق غير أخلاق الزراعة والرعى فلا بد لنا من ثوب جديد ليلائم الجو الجديد

لم يعد يد في الحياة الجديدة من رفع قيمة العلم الطبيعى وخفض قيمة الوسائل الكلامية لأن آلات المصانع لا يديرها الشعر القفى ولا النثر المسجوع فإن كانت الإبل فى حياة البدو الرحل بحاجة إلى حداء الشاعر لتقطع القلاة على حار النغم فإن القطار لا يستمع إلى غناء ولكنه يريد قضبانا من حديد والطائرة لا غنى لها عن محركات من الصلب الصليب كان أباؤنا العرب يتنافسون فى عكاظ كل عام ليروا أيهم أشعر من أخيه ليتقرر بذلك أى القبائل أعلى منزلة وأعز جانبا لكن ميدان التنافس اليوم كائن بين مخابير المعامل وأنابيبها وغازاتها وعناصرها لأن الغلبة للسابق فى إعداد الآلة ولم تعد الغلبة كما كانت للشاعر المجيد وعشيرته

تفتح كيس البريد الوارد إلى الثقافة فإذا نسبة الوارد هى عشر قصائد من الشعر مقابل مقالة واحدة وبين المقالات النثرية نفسها نجد نسبة البحوث الأدبية إلى البحوث العلمية عشرة إلي واحد أيضا أعنى أن فى كل مائة ممن يهمون بالكتابة تسعين شاعرا وتسعة من الأداء الناثرين وعالما واحدا وربما تطيب هذه النسبة الثقافية فى قبلة يدوية أو فى قرية زراعية تجر المحراث بالأيدى فتعمل ساعة وتستريح خمس ساعات تستمع خلالها لما ينشده الشعراء من شعر لكن العالم قد تغير وقيم الأشياء ينبغى كذلك أن تتغير تبعا له

ولا يزال لواء الحكم معقودا عندنا فى أغلب الأحيان للخطيب البليغ فى تنميق اللفظ القدير فى رفع الصوت وخفضه لا للعالم الإخصائى فى شئون الدنيا

الجارية من حرب واقتصاد وحتى الكاتب الذى يكتب للناس فى الصحف تراه أميل إلى صب أسلوبه فى قالب الخطابة الذى يؤثر في النفوس الساذجة أكثر منه إلى مراعاة الدقة والأمانة فى رصد الحقائق

ولم يعد يد فى الحياة الجديدة من رفع قيمة العامل بيديه وخفض قيمة المفكر النظرى الذى يشطح بفكره فى السماء ويأبى الزول إلى الأرض مع أبناء آدم وبناته فالكفاءة العملية لا شهادة الكفاءة النظرية هى مقياس التقدير ومضى العهد وانقضى الذى كان فيه التفكير النظرى المجرد من القدرة على التطبيق من علامات التهذيب والسيادة

ولم يعد يد فى الحياة الجديدة من تغيير النظر إلى المرأة تغييرا كاملا شاملا ولست أقصر حقها على ما تطالب به من فتح الأبواب أمامها على مصاريعها لتعمل إلى جانب الرجل وتنافسه بل أزيد على ذلك نقطة أخرى أغفلها المطالبون للمرأة حقوقها وأراها جوهرية فى تكامل شخصيتها تكاملا يلائم روح العصر الجديد النشيط العامل وتلك أن المرأة مسئولة عن نفسها وليس المسئول أخا لها أو والدا كما كانت الحال أيام القبيلة حين كانت المرأة وعاء يستولده الرجل ما شاء لنفسه من بنين وبنات

عفة المرأة فى الحياة البدائية هى الشغل الشاغل وهى محور الأخلاق كلها فإن سلبت كانت الأخلاق بخير مهما يكن بعد ذلك بين الناس من تقتيل وسرقة ونهب ورشوة وفساد وذلك لأن الغريزة الجنسية عندهم هى الهدف الوحيد الذى يحيون من أجله وها نحن أولاء نسمع كل يوم صراخا ينبعث من هنا وهناك خوفا من المدنية العربية لأنها تهدم الأخلاق و الأخلاق عند الصارخين المستغيثين هي عفة المرأة ولا شئ غير ذلك ظنا منهم أن المرأة عندنا أعف منها عندهم أما أن يكون من الأخلاق ألا تسرق أموال الدولة وأنت قيم عليها وألا ترفع أنصارك وأصهارك على حساب أصحاب الحق وألا تجين عن التصريح برأيك حين تشعر بأنه الحق  وألا تسكت على ظلم تراه وألا تسطو علي الماجزين فى طعامهم حين تستبيح لنفسك أكثر مما ينبغى لك فيتبقى

البقية على الصفحة التالية

للعاجزين أقل مما ينبغي لهم إلى آخر هذه القائمة الطويلة العريضة من الأخلاق بمعناها الصحيح فليس ذلك كله عندهم بشئ مذكور مادام الحريم  مصونا فى الخدور

لكن لم يعد يد من إعادة النظر فى سلم القيم لنعيد الموازنة السليمة بين درجاته فنضيف إلى هذا الخلق الواحد الذى صببنا عليه كل اهتمامنا عددا كبيرا جدا من الأخلاق الأخرى التى ليس من اكتسابها يد

ولم يعد يد في الحياة الجديدة أن تكون الفردية هى أساس كل تفكير سياسى واجتماعى فليس زيد زيدا لأنه عضو فى أسرة كذا أو قبيلة كذا بل إن زيدا زيد لأنه زيد على أن زيدا وعمرا وخالدا كلهم سواء فى المادة

الإنسانية وإن تفاوتت بينهم ألوان العمل وأقدار المال فإذا تكلمنا عن جماعة بلغة الحياة القديمة قلنا هذه قبيلة كذا التى يرأسها فلان أما إذا تكلمنا عن تلك الجماعة بلغة الحياة الراهنة وجب أن نقول هذه جماعة قوامها فلان وفلان وفلان

وبعد فربما أكون قد أخطأت فى التطبيق هنا أو هناك  أما المبدأ الذى أردت أن أقروه وهو أننا فى أشد الحاجة إلى تغيير نسبة القيم بعضها إلى بعض ليكون لنا بذلك سلم جديد تهتدي به فلست أحسب أننى قد أخطأت فى تقريره

اشترك في نشرتنا البريدية