الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 676الرجوع إلى "الثقافة"

فى ضوء المصباح :, سيئات الموتى

Share

يقول شيكسبير فى رواية يوليوس قيصر، والقول هنالك يجري على لسان أنطون، فى الخطبة المشهورة التى ألقاها عند جثمان قيصر :

السيئات يقترفها الناس، فيمضى فاعلوها وتبقى وأما الحسنات فغالبا ما تدفن مع رفاتهم تحت الثرى أما أن تبقى السيئات بعد أن يمضى فاعاوها، فأمر من الوضوح بحيث لا أظنه موضعا للشك والريبة؛ على أنى تاركه الآن لأعود إليه بعد قليل؛ لكن الذى قد تخطئه العين العابرة، هو ذهاب الحسنات فى جوف الأرض مع رفات المحسنين .

وإنى لأعترف أنى قد لبثت حينا طويلا، أشكر على الشاعر العظيم رأيه هذا كلما ذكرت سطريه السابقين ؛ كنت أعجب كيف يقول إن حسنات المحسنين غالبا ما تدفن مع رفاتهم وتنسى، مع أن الناس - فيما كنت أرى - ما ينفكون لاهجين بماآثرهم، مخلدين للذكرياتهم، بما يبنون لهم من أنصاب وتماثيل، وما يكتبون عنهم من مقالات وكتب، وما يقيمون لهم من حفلات يحيون بها أسماءهم كلما مضى على موتهم كذا عاما . ألا يكفى ذلك كله دليلا

على أن حسناتهم لم تذهب - كما زعم الشاعر - مع رفاتهم تحت الثرى، بل بقيت حية فى ذاكرات الأحياء ؟

هكذا كنت أعجب نفسى من قول الشاعر، حتى كان الأمس، حين جلست من دارى فى ركن دافئ ساعة الغروب، أشرب الشاى فى صمت وعلى مهل، سارحا بفكرى فيما أساء لنا الأسلاف بما ألقوه على ظهورنا من أعباء ثقال - أعباء التقاليد التى أقعدتنا عن الحركة الخفيفة والسير السريع ؟ وكان طبيعيا عندئذ أن تتوارد الخواطر، فتثب إلى ذهنى عبارة شيكسبير : " السيئات يفترقها الناس فيمضى فاعلوها وتبقى ؛ وأما الحسنات .  " .

ولكنى هذه المرة - ولأول مرة - وقفت وقفة التأمل، بعد أن تعودت فيها مضى أن أوافق على الشطر الأول وأرفض الشطر الثانى، موافقة ورفضا هما أقرب إلى الحركة الآلية منهما إلى التفكير المتروى ؛ لم أرض لنفسى هذه المرة أن تتعجل الانكار والنفى، فالأرجح أن يكون الشاعر الذي صدق فى شطره الأول، قد صدق القول كذلك فى شطره الثانى - فلأفكر من جديد : أحقيقة تدفن الحسنات غالبا مع رفات المحسنين ؟

وكأنها قد اشرق على هذه المرة ضوء جديد، إذ نظرت إلى الموضوع من ناحية جديدة ؛ قلت لنفسى : دع عنك ما يقيمه الناس لموناهم المجيدين من تماثيل وما يكتبونه عنهم من كتب، لأن ذلك كله قد يكون سدا من الإنسان لنقص أدركه فى نفسه، فربما أدرك الإنسان فى نفسه سرعة نسيان الجميل، فعالج نسياته هذا السريع بما يذكر . إنه إذا ثبت أن طبيعة الإنسان تمنعه من الاعتراف بالجميل لصاحبه ، وتدفعه إلى طمس معالم الفضل الذى أسدى إليه ما استطاع إلى ذلك سبيلا ، إذا ثبت ذلك فى طبيعة الإنسان ، إذا فلا شك فى صحة قول الشاعر، بأن الحسنات كثيرا ما تدفن مع رفات المحسنين، فلا يكاد المدين بفضل أن يهيل التراب على المنفضل، حتى يتناسى الدين فينسى، وينسى الناس معه . وبذلك ترقد الحسنة مع رفات صاحبها فى قبره إلى الأبد .

وحسبك وقفة لا تطول، لتدرك على الفور ان الطبيعة البشرية تأبى على الإنسان أن يعترف بفضل أسدى إليه . فإن أخذنا أنفسنا بهذا الاعتراف ، فلأننا قد أخذنا طبيعتنا بالتهذيب والتدريب، وإذا فليس يحفظ الجميل إلا من اكتسب القدرة على قمع طبيعته والإمساك بزمامها . . ذلك لأن من أعطى أقدر ممن أخذ العطاء، ومن أحسن أقوى ممن تقبل الحسنة؛ ولما كان الإنسان بطبيعته أميل إلى إظهار جوانب قوته وإخفاء جوانب ضعفه ، كان من العسير عليه أن يعترف بما بدا من عجزه حين قبل الموتة من أعانه .

فى العطاء قوة وفى الأخذ ضعف، حتى ليركع الآخذ أمام معطيه - حقيقة أو مجازا - وإذا ما حدثه جاء حديثه خافتا، وبدت عينه " مكسورة " حسيرة . . إن من الكتب التى أقامت لي ركنا ركبنا من ثقافتى، قصة " راعى ويكفيلد " ل " أولفر جولدسمت" ؛ هذا الكتاب العجيب الفريد، الذى ينفذ فى الطبيعة البشرية غاذا يصل إلى أعماقها ، والذى له فى كل صفحة، بل فى كل فقرة، بل فى كل سطر من سطوره ملاحظة صادقة فى تحليل طبيعة الإنسان ؛ فى هذا الكتاب يقص عليك الكاتب فى سياق قصته، أن مسافرا التقى براعى ويكفيلد واستدانه قليلا من المال برده له عند بلوغه غايته؛ ثم حدث أن أقام الرجلان ليلة فى نزل فى الطريق، ودارت بينهما مناقشة احتد فيها المسافر، فأخذ العجب من الراعى كيف استباح ذلك الرجل

الجرىء لنفسه أن يحتذ معه فى المناقشة مع أنه مدين له بمال ؟ ولما كان العطاء قوة والأخذ ضعفا ، كان عسيرا كل العسر على من به كبرياء ، أن يضع نفسه موضع الآخذ ، لأنه يعلم أن ذلك سيصحبه اعتراف لغيره بالفضل، وفى ذلك ما فيه من جرح ؛ ويزداد هذا الجانب وضوحا، حين يحسن المحسن عن شعور يقدرته فيثير فى الأخذ إحساسه بنقصه وعجزه - وقد يعطى للمعطى عن شعور بالعطف على من أعطى ، كما يفعل الوالد مثلا نحو ولده، وعندئذ يغلب أن يبادله الأخذ عطفا يعطف .

وانظر الآن فى قولهم : " اتق شر من أحسنت إليه " أفلا ترى القول قد ازداد وضوحا وبيانا ؟ كم من مرة سألت نفسى حائرا: كيف يمكن أن يكون لمن أحسنت إليه شر أتقيه ؟ لكنى أرى الآن كيف يثير فيه شعوره بنقصه وعجزه شعورا بالمرارة نحو من أعطى؛ خصوصا إذا اختلط العطاء بالمن. فعندئذ يستحيل على الأخذ ألا يحس نحو من أحسن إليه بالكراهية والملفت؛ فلا يزول الشر ممن احسنت إليه إلا إذا أعطيته الإحسان فى عطف خالص، لا تكبر فيه ولا شموخ . ولولا أن سرعة نسيان الحسنة من طبيعة الإنسان . لما كان بالقائل حاجة أن يقول للناس " اذكروا حسنات موتاكم" وإذا فلم يخطئ شكسبير كما ظننت، حين لاحظ أن الحسنات كثيرا ما تدفن مع رفات المحسنين .

والحق أنى ما قصدت الى الكتابة فى الحسنات التى تذهب مع الموتى فى قبورهم، وإنما أردت الكتابة فى السيئات التى يقترفها الناس فتبقى بعد موتهم على وجه الأرض حية تسعى ينوء بحملها الأحياء بعد ذهاب أصحابها، وأعجب العجب أن ترى هذه السيئات الباقيات على وجه الزمن، قد اكتسبت جلالا من جلال الزمن، فإذا هى فى الأعين مقدسات مصوتات تجريحها بغى ومنها حرام .

كان لأسلافنا ظروف تحيط بهم، وكان لهم سلوك يستجيبون به لتلك الظروف؛ فوقفوا فى حياتهم أو أخفقوا بمقدار ما جاءت استجابتهم ملائمة لظروفهم؛ وقد مضى الأسلاف وجئنا، فأية قوة فى الأرض هذه التى تشدنا إلى سلوك أسلافنا، نستحيب لظروفنا بمثل ما استجابوا

لظروفهم، تغيرت الظروف أو لم تتغير ، ووفق هؤلاء الأسلاف أو أخفقوا ؟ .

كانت لأسلافنا حرية الاختيار فاختاروا لأنفسهم وجهة النظر التى تسعدها وترضها، وليست هنالك قوة لا فى الأرض ولا فى السماء، تلزمنا باصطناع وجهة نظرهم الإ بمقدار ما تتفق ظروفنا مع ظروفهم . . لكننا مشدودون إلى منظارهم شدا، لا نرى الأمور إلا بأعينهم، كأنها هم وحدهم الرجال يشرعون ونحن الأطفال نعمل وفق ما شرعوا - لقد قام علماء النفس المعاصرون بتجارب على الأطفال فى لسيم، فانتهوا إلى نتائج علمية فى نفسية الطفل من حيث وجهة نظره إلى القواعد الموضوعة للسلوك؛ فأما الصغار فيما دون العاشرة، فلو سئلوا: من الذى وضع لكم قواعد الألعاب التى تلعبونها معا؟ أجابوا بأنهم وجدوها كذلك، ولا يجوز لهم أن يتناولوها بتحوير أو تبديل ؛ فإذا ما ضيق القائم بالتجربة عليهم سبل القرار، وحاول أن يظهر منهم بجواب محدد عن واضع القواعد التى يتبعونها فى ألعابهم . قال بعضهم إنه الله ، وقال آخرون إنها الحكومة ، وقال فريق ثالث إنهم آباؤهم أو أجدادهم . . حتى إذا ما تقدم هؤلاء الأطفال فى أعمارهم قليلا، وجاوزوا العاشرة إلى الثالثة عشرة أو نحوها، وأعيد عليهم نفس السؤال: من الذى وضع لكم قواعد الألعاب التى تلعبونها معا؟ أجابوا عندئذ بأن واضعيها هم أطفال مثلهم، وأن فى مقدورهم أن يغيروها إذا شاءوا وكيف شاءوا .

وأظننا نستطيع أن نستخدم هذا للقياس نفسه فى التمييز بين المجتمع فى طفولته وفى نضجه: فأبناء المجتمع الطفل ينظرون إلى أنواع السلوك التى يسلكونها فى مواقف حياتهم المختلفة نظرتهم إلى التراث المقدس الذى لا ينبغى بل لا يجور أن يتناوله أحد بتغير، وأما أبناء المجتمع الناضج فيدركون أن الأمر لا قدسية فيه، وأن التغيير مرهون بمشيئتهم. لأن الحياة حياتهم هم ولابد أن يعيشوها على أكمل وجه مستطاع ؛ فإن كان السلوك الموروث عن الآباء صالحا لهم فأنعم به. وإلا فمن حقهم بل من واجبهم أن يغيروا منه ما شاءوا وما شاءت لهم ظروفهم وأظنك تستطيع أن ترى فى وضوح، أن روح الاستبداد والطغيان أقرب إلى الشيوع فى المجتمع الأول، وأن روح الحرية

والديمقراطية أقرب إلى السيادة فى المجتمع الثانى، ذلك لأن حرية التصرف حرام هناك حلال هنا .

إن احترام التقاليد الموروثة فى ذاته أمر لا عيب فيه ولا غبار عليه، مادمت آخذها أخذ السيد المسيطر لا أخذ التابع الطبع، فها هى ذى أرقى الأمم تحافظ على بعض تقاليدها على شرط ألا تعرفل لهم شيئا من سياسة أو تجارة أو صناعة أو تعليم أو غير ذلك من شئون الحياة؛ وكثيرا ما تراهم - إذا وجدوا التقليد عائقا فى سبيلهم - ييقون على صورته ويفرغون مضمونه وفحواء، كأنما هم ينزعون من الأفعى سمومها ليبقى لهم جمال ظهرها الارقط .

ولست أول من يتكلم فى جناية أسلافنا بما فرضوه علينا فرضا من وجهات نظرهم وأنواع سلوكهم، فقد سبق إلى ذلك منذ زمن طويل أستاذنا الجليل أحمد أمين بك، حين فصل القول تفصيلا فى جناية الشعر الجاهلى على الأدب العربى . . لكنك تستطيع أن توسع من نطاق هذه الجناية حتى تشمل كثيرا جدا من تفصيلات حياتنا، فعنهم أخذنا حب الظهور بكل ما له من ذبول، وعنهم أخذنا الوضع الاجتماعى للمرأة بكل ما يستتبع من نتائج، وعنهم أخذنا غير ذلك وغير هذا .

لكن أريد أن أترك تفصيلات ما جنوا به علينا . لأغوص إلى ما تحت السطح من أعماق؛ فهنالك في العمق البعيد أم تفرعت عنها هذه التفصيلات كلها، وهى وجهة نظر معينة تصبغ كل شئ يلونها، فورثناها عنهم كما هى وجعلنا ننظر؛ وإنما اقصد بذلك نظرة وصفها الشهر ستانى فى عبارة نقلها عنه المعفور له الأستاذ مصطفى عبد الرازق باشا فى كتابه "تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية "( ص ٣٢) إذ قال : " من الناس من قسم أهل العالم . . بحسب الأمم فقال : كبار الأمم أربعة : العرب، والعجم، والروم، والهند، ثم زاوج بين أمة وأمة، فذكر أن العرب والهند يتقاربان على مذهب واحد ، وأكثر ميلهم إلى تقرير خواص الأشياء والحكم بأحكام الماهيات والحقائق، واستعمال الأمور الروحانية؛ والروم والعجم يتقاربان على مذهب واحد، وأكثر ميلهم إلى تقرير طبائع الأشياء، والحكم بأحكام الكيفيات والكميات، واستعمال الأمور الجسمانية."

ولو فهمنا عبارة الشهر ستانى على أن العرب والهند من ناحية يمثلون ما يسمى بالشرق، وأن العجم والروم من ناحية أخرى يمثلون وجهة النظر الغربية، كان مؤدى كلامه بلغة يألفها قارئنا، هو أن أهل الشرق يميلون إلى الأحكام الكلية التى تطمس الفروق التفصيلية بين الأجزاء، وأن أهل الغرب يميلون إلى الأحكام الجزئية التى تلحظ ما بين تلك الأجزاء من فروق؛ والأوثون روحانيون لا يستشهدون فى أحكامهم بمشاهدات الحواس، والآخرون جسمانيون يحتكمون فى معارفهم إلى ما تدلهم عليه الحواس من مشاهدات .

ولو كان هذا هكذا، ثم لو كان الأسلاف قد ألبسونا منظارهم، فقد جنوا علينا الجناية التى أودت بنا وستودى إلى مهوى الهلاك ؛ فالبس المنظار الذى يطمس لك الفروق بين الأجزاء نجد أفراد المجتمع قد أصبحوا ىي عينك عجينة واحدة، لاشخصية لزيد ولافردية لعمرو، ولا وجود لخالد؛ ومن ثم استبداد المستبد وطغيان الطاغية ؟ ثم عد فاليس المنظار

نفسه نجد النمل والبعوض والذباب كلها حشرات، والصقر والغراب والعصفور كلها طيور، والجير والرمل والبازات كله صخور، وإذا فلا مشاهدات ولا تجارب ولا علوم ، ثم عد مرة ثالثة والبس المنظار الموروث الذى يطمس لك الخصائص الجزئية بين يوم ويوم وساعة وساعة، تر الزمان كله قد أنحصر فى امتداد من فراغ وعدم، ومن ثم فلا تعلق بالدنيا الفارغة ولنضع الرجاء فى عالم آخر . .

فالجناية الكبرى التى جنى بها أسلافنا علينا، هى هذا المنظار الذى أورثونا إياه، فاستمسكنا به وتشبثنا كأنما نفقت سوق المناظير، فلم يعد منظار سواء .

تعالوا نجرب منظار " العجم والروم " - على تعبير الشهرسنانى - لتبدل الدنيا فى أنظارنا، فالعجينة المطموسة تصبح أفرادا متباينة الصفات والخصائص ، والكون الخلاء يمتلئ أمام أعيننا ألوانا وأصواتا فيعمر خرابه ؟ وهذه الحياة الزائلة الفانية تنقلب حياة خصبة مليئة تستحق أن نعمل لها كأننا سنعيش فيها أبدا .

صورة

اشترك في نشرتنا البريدية