الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 668الرجوع إلى "الثقافة"

فى ضوء المصباح :, شيوخ الأدب وشبابه

Share

عندما تلقيت من صديقى الأستاذ أنور المعداوى كتابه " نماذح فنية من الأدب والنقد " ، وأدرت غلافه لأجده منذ فاتحة الكتاب يعلن الثورة ويتعجل الإصلاح فى ميدان الأدب والنقد ، شاعت في نفسى النشوة وقلت هامسا : هذا ثائر يلتقي بثائر وساخط يصافح ساخطا ؛ فكلانا على السواء " يضيق بأضواء الشموع ، هذه الأضواء الضئيلة الهزيلة ، التي لا نستطيع أن نرد عادية الظلام وكلانا على السواء يريد " هدما للقيم البالية المتداعية يعقبه بناء على ركام الأنقاض "

فالصديق الأديب قد نظر - كما يقول في مستهل كتابه - إلى أدبنا . فوجده في أكثر حالاته "أدب المحاكاة السافلة ، لا أدب الأصالة الحالفة ، أدب الترديد والتقليد ، لا أدب الإبداع والتجديد ؛ ليس له طابع خاص وليست له شخصية مستقلة ، وإنما ضاع طابعه واختفت شخصيته في زحمة الجلوس إلي موائد الغير بغية الاقتباس من شتى الطعوم والألوان . . " .

كلام جميل ؛ ولعل صديقنا الأديب قد أشفق علينا من هذه الحال التي يستحيل ألا يشفق منها قلب شاعر حساس ؛

وهو يقول هذا الكلام الجميل مقصورا على الأدب ، وأقوله أنا مطلقا بغير قيد ؛ فليس في حياتنا الفكرية كلها ذرة من أصالة خالقة ، فلا العالم يكشف كشفا جديدا ولا الأديب يخلق خلقا جديدا ؛ وإني لأنظر إلى تاريخنا وأعجب كيف استحالت الرءوس عندنا إلى جماجم خاوية ، تنفذ إلى أجوافها أصداء غامضة مما يقوله سوانا ، فتتردد الأصداء في جنبات الجماجم لتخرج على الألسنة والأقلام هشيما هو أقرب إلى فضلات النفاية ؛ ولقد كتبت منذ أربعة أعوام سلسلة من ثلاث مقالات كان عنوانها " لماذا لا نخلق " بسطت فيها تفصيلا ما أوجزء هنا : كيف أننا لانخلق شيئا جديدا ، وأذكر أنى حاولت التعليل لهذه الظاهرة ، فرددتها عندئذ إلى علة ، لا أزال اعتقد في صدقها ، وهي أننا نتخلق بأخلاق العبيد ، والخلق لا يكون إلا لأحرار - لأنه إن كان العبد هو من يأتمر في حركته وسكونه بأوامر تأتيه من خارج نفسه ، فنحن نحن العبيد في أخلاقنا وفي تفكيرنا على السواء ، فالخلق الصحيح عندنا هو ما أرضى السلطة

الخارجية - أيا كان نوعها - والتفكير عندنا هو قطرات تسربت إلينا من أرصفة الجمارك .

فما أحرانى أن تشيع النشوة في نفسى إذا ما صادفت كتابا كتبه ثائر على ما يحيط بنا من قيم وأوضاع ، ويضع لنا " نماذج " جديدة لعلها تهدينا في مجاله - مجال الأدب والنقد - سواء السبيل ؛ وإن النشوة لتشتد في نفسى حين أعلم أن صاحب هذه الثورة " شاب " بكل معنى الشباب الفتي الطموح ، فلم أكن أعلم أنه " لم يتخط الثلاثين " بعد إلا حين فرأت الكتاب ؛ وهو كذلك " شاب " في الأدب كما شممت من مقدمة كتابه ، بمعنى أنه جاء - على حد قوله - والمعول فى يده يحطم القيم كما هى في أيدى الشيوخ.

ففى مصر بدعة أدبية لا أعرف لها نظيرا في الآداب الأوربية . وهي أن يقسموا الأدباء إلى شيوخ وشباب ، على أساس الأعمار ؛ فهؤلاء شباب لأنهم صغار في السن . وأولئك شيوخ لأنهم كبار فيها ! ولست في الحق أدرى أى عام على وجه التحديد يجعلونه فاصلا بين القسمين ، لأنني أعرف كثيرين ممن يشتغلون بالأدب تتراوح أعمارهم بين الأربعين والخمسين ، ولا أدري أين أضعهم ؛ فلو وضعتهم مع الشيو خ كما ينبغى ، ألفيت الشيوخ الأقحاح من أدبائنا يستنكرون ان يدخل في زمرتهم دخلاء لم يألفوهم أعضاء فى أسرتهم على سفوح الأولب ، ولو وضعتهم مع الشباب جافيت طبيعة الحياة ، وظلمت أبناء العشرين والثلاثين .

وكان الأمر يستقيم بين أيدينا ، لو فهمنا الشباب والشيخوخة في الأدب بمعني آخر ؛ فشيوخ الأدب هم من ساروا على نهج معين في فهمهم للأدب ومعيارهم للإبداع الفني ، حين يكون ذلك النهج قد استقرت به القواعد منذ حين؛ ولا فرق عندئذ فيمن ينهج هذا النهج بين من تقدمت بهم السن او تأخرت ، فكلهم "شيوخ " في الأدب لأنهم يلاحقون الزمن من قفاه ، ويتأثرون السلف في الأهداف والوسائل ؛ وشباب الأدب هم من خلقوا مدرسة جديدة يناهضون بها النهج القديم السائد ، ولا فرق عندئذ بين من تقدمت بهم السن أو تأخرت ، فكلهم " شباب " فى الأدب لأنهم نبات جديد تتفتح أكمامه للشمس والهواء .

إن أدباء الابتداع في الأدب الأنجليزي في أول القرن التاسع عشر - مثلا - كانوا في مجرى الأدب شبابا نضرا تتفجر الحياة الجديدة من سطورهم ، ولسنا نسأل بعد ذلك كم كان عمر " وردز ورث " - حينئذ - أو " كولردج " - فليكن عمره ما يكون في حساب السنين ، لكنه " شاب " في خلقه وإنتاجه .

وأعود فأقول إن نشوتى بكتاب الصديق المعداوى قد اشتدت في نفسي ، حين لمحت في مقدمته بوادر الشباب بمعناه الأدبي ، فضلا عن شبابه الذي " لم يتخط به الثلاثين " ، ورجوت أن اقرأ الكتاب فأجد المعول في يده قد حطم القديم فعلا ، وقد أقام "النماذج الفنية" الجديدة فعلا . وإلا يكون الأمر كلاما في كلام ووعودا في وعود ، فنقرأ البشرى على الغلاف ، ويشتد بنا الحنين في المقدمة ، ثم لا شئ ! .

وسأكون في هذه الكلمة صادقا ، اعتمادا على رحابة صدر الأديب صاحب الكتاب ، فهو هو نفسه الذي هاجم رأيا للدكتور طه حسين في عنف ، وقال معتذرا عن هجمته العنيفة : " إني لا أعرف في النقد صداقة ولا مجاملة " ( ص ٩٤ ) .

إن للموضوع عندى أهمية وخطرا ؛ فهذا كتاب يكتبه كاتب " تأثر " يقول به للناس هاكم " النماذج الفنية " التى تستطيعون منذ اليوم أن تحتذوها بعد أن ضقتم وضقنا ذرعا بما كان يكتب الشيوخ ؛ وأنظر في الكتاب وأقرؤه حرفا حرفا ، فيفتنني سحر أسلوبه ؛ نعم إن لهذا الكاتب أسلوبا حلوا تنزلق عليه انزلاقا وكأنما تحيط بك طول الطريق أنغام تشجيك وتسحرك وتفتنك ؛ ولست في ذلك بالذى ينثر الأوصاف نثرا بغير حساب ، لأن ذلك ما قد لقيته أنا - على أقل تقدير - لقيت فيه السحر الذي خيل لي معه أن الكاتب قد صدق وعده حين وعد القارئ على الغلاف وفى المقدمة بأنه مهيئ له " نماذج " جديدة من الأدب ؛ ولم أنب إلى رشدى ، وأستعد قواي العاقلة المحللة إلا بعد حين ، وعندئذ فقط - وقد زال عنى كثير من سحر النغم الذي يفتن اللب ويخلب السمع - قلت لنفسى : أين هي " النماذج " الموعودة ! .

فالكتاب بادئ ذى بدء مجموعة مقالات ، وقد جف ريقي من كثرة ما قلته في مواضع كثيرة من أننا لا نكاد نستطيع أن نكتب في الأدب إلا المقالة ؛ على حين أن أدب الدنيا المتحضرة بأسرها لا يجعل للمقالة في دولة الأدب إلا ركنا ضئيلا ، تراه بالمجهر إذا أردت أن تراه ، والأدب بعد ذلك عندهم - إذا استثنينا الشعر - قصة ومسرحية " تخلق " أشخاصا من لحم ودم تنطق وتتحرك ؛ وهذا هو ياسيدي الخلق الأدبى بمعناه الصحيح ، أن تخلق رجالا ونساء يفكرون ويملكون ، ويعيشون من صدق التصوير حيث نستشهد في حياتنا بما يقولون وما يعملون ، كما ترى الأوربيين يستشهدون - مثلا - بـ "هاملت " وغيره من مئات الأشخاص الذين خلقتهم أسنة الأقلام هناك خلقا

إنك ياسيدى  قد ذكرت في غضون كتابك أسماء كثيرين من أداء الغرب ذكر من درس آثارهم ووعاها : ذكرت - مثلا - شو ، ومرجريت ميتشل ، وبلزاك ، ودستويفسكي ، وأوسكار وايلد ،  فهل وجدت " نموذج " الأدب عند هؤلاء أن يكتبوا المقالات ؟ هل وجدت الأدب هنا خطفات يخطفها الأديب من هنا وهناك ؟ إن المقالة يا صديقي - في الأعم الأغلب - حيلة العاجز ، حيلة من لا يسعفه الخيال القوى والخلق البديع ؛ ولقد كانت هى القسط الأكبر من بضاعتنا ، لأننا جميعا نكتب للصحف ، ونقول : " هذا أدب " ، بل قد نقول : " هذه نماذج " يحتذيها من أراد أن يكتب أدبا ، والأمر بعد ، لا يعدو مجالات يكتبها الكاتب عندنا : القلم في يمناه ، وفنجان القهوة في يسراه ، ليسرع بها إلى المطبعة قبل أن يحين حين صدور المجلة أو الصحيفة التي يكتب لها ! وأنت - فما أري - أعلم مني بآيات الأدب الأوربي . ولابد أن تكون قد علمت عنها أنها نتاج فكر طويل وخيال قوى ، وأناة وصبر ، لأنها " تخلق " للدنيا كائنات جديدة .

وإذا فالشاب الثائر في حقيقته شيخ معمر ، لا يختلف في شيء عن سائر الشيوخ في الأدب إلا بأسلوبه ، فلكل كاتب أسلوبه ، وصديقنا المعداوى كاتب لاشك فى روعة ما يكتبه ؛ لكننا مع ذلك لا نحب أن يفهم ناشئة الجيل الجديد أن كتابه يحتوى على " نماذج " لما ينبغى أن يكون عليه الأدب الجديد .

ثم يزول عنى السحر مرة أخرى ، ذلك السحر الذى فتننى عن نفسى عند القراءة الأولى ، وأنوب إلى قواي العاقلة الحالمة لأجد أديبنا الشاب في عمره ، شيخا في جريه وراء السنة التي اسنتها الأدباء الشيوخ في أدبهم بوجه الإجمال ، وهي أن يكتفوا بفتات الموائد ! اسمح لى يا صديقي أن أكذبك فيما تزعمه لنفسك من خلق ينبذ الترديد والتقليد ، لأنني استعرضت فصولك كلها بعد أن زال عنى سحر أسلوبها ، لأجدها - في أغلبها - تعليقا على رجل أو كتاب ، وهذا هو ما أسميه بفتات الموائد التي قنعنا بها قناعة الأذلاء ؛ ترى ماذا كنت تكتب لو لم يكن الله قد خلق برنارد شو ، ولورد بايرون . ومدام ربكامية ، وتوفيق الحكيم ، وأبا العلاء ، ورابعة العدوية ، وعمر بن الخطاب ، وعلى محمود طه ، والمازنى ، ولن يونانج . وبيكاسو ، وأوسكار وايلد ، وجميل بثينة . وجمهرة اخرى كبيرة من أدبائنا المعاصرين الذين كتبت عن كتبهم ! - هبنا قد رضينا بما قسم الله لنا من نصيب قليل في الأدب ، وهو أن نكتب المقالة القصيرة ، ونفرك أكفنا بعدها حمدا لله وشكرا على فضله العميم ، أفتكون هذه المقالة القصيرة نفسها تعليفا على رجل من الفحول أو كتاب حديث أو قديم ، ولا تكون - إلا في القليل النادر جدا - عن مشكلة من المشاكل الحية التي يعج بها الهواء من حولك ؟ ثم أتكون هذه حالنا من حيث الصورة ومن حيث المادة : مقالة قصيرة مرتكزة على إنتاج الآخرين ، ونقول لناشئة الجيل القادم : هاكم " النماذج " التي تحتذونها في الأدب إن قصدتم إلى حمل الأقلام ، وأردتم أن تكتبوا في تاريخ الأدب صفحة جديدة ؟

لا ، لا تصدقوا الأستاذ المعداوى في ثورته ؛ إنه ليس بالثائر كما رجونا لشبابه الفني الطموح أن يكون ، إنه لا يزال يسير على النهج الذي لا بد من الثورة الحقيقية على أسسه وأوضاعه ؛ إنه لا " يخلق " جديدا على نحو ما يخلق الأدباء الفحول ؛ إنه لا يزال - مثلنا - عبدا من العبيد الذين يقنعون بما يملى عليهم من خارج نفوسهم .

إن في هذا الكتاب لسحرا ، وإني لأخشى على قرائه من سحره . لأنه سيشدهم في فهم الأدب إلى الوراء ، ونحن نتمنى لهم أن يتقدموا خطوة إلى أمام .

اشترك في نشرتنا البريدية