الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 689الرجوع إلى "الثقافة"

فى ضوء المصباح :, مصباح علاء الدين

Share

ما أشقانى بهذه الذاكرة الضعيفة العاجزة التى توشك أن تبدد لى كل ما قد وعيت وخيرت فى أعوامى السوالف .

فلا تبقى لى من ذلك شيئا ؛ وإنى لأعلم عن ذاكرتي هذا الضعف الشديد وهذا الإسراف فى تبديد الودائع ، حتى لترانى أتحوط لها بكل ما يشير به علماء النفس من وسائل .

فأشدد الروابط بين أجزاء الشئ المحفوظ ، وأضع تحته الخطوط ، وأوضحه في هوامش الكتب برموز وعلامات وملخصات ؛ لكن هيهات لغربال أن يحفظ في جوفه ماء .

ترانى أقرأ الكتاب ، فلا تمضى أيام قليلة بعد الفراغ منه ، حتى يذهب عنى وتذهب كل آثاره ، فلا عنوانه هناك ولا اسم كاتبه ولا شئ من مكنونه ؛ فالرأس بعده خلاء خواء كما كان قبله ، فلا زيادة به إن لم يكن نقصان .

فكيف نرجو من مثل هذه الذاكرة المنكودة أن تستعيد ما أردتها أمس على استعادته مما قد قرأته منذ ثلاثين عاما ؟ اردتها أمس على أن تعيد لي قصة علاء الدين ومصباحه ، وكنت قد قرأتها منذ ثلاثين عاما ، حين أخذنا - وكنا ثلاثة أشخاص - أخذنا ذات صيف نقرأ ألف ليلة وليلة ، فكنا نجتمع كل يوم في الصباح والعصر ، فى

غرفة ريفية لم يكن يؤنثها غير الحصير على أرض تراب كانت في منزل صديق لنا أيام الطفولة ، لم يكن من حظه أن يختلف إلى معاهد التعليم ، لكنه يحب أن يسمع أنباء الصحف وأخبار الكتب يقرؤها له أصداقاؤه ( التلاميذ ) ، وكنت أنا القارئ لهما في أغلب الأحيان ، ولم أكن بعد قد تبينت كل ما يعينى من قصر وضعف ، فكنت أضع الكتاب على الأرض وأنحنى على صفحاته أقرأ لهما ، حاسبا أن ذلك الوضع هو اكثر الأوضاع راحة لجسدى ، والحقيقة أن عجز العينين عن النظر الطويل هو الذي أوحى به واستلزمه ؛ كنت أقرفص جسدي في ذلك الوضع المتعب ، وأقرأ بصوت عال كأنما أردت أن اسمع سكان القرية جميعا .

وقد لازمتنى عادة القراءة العالية دهرا طويلا ، حتى لقد شكا كثيرون من الجيران إلى أبى هذه الضجة التى أحدثها في أركان البناء هزيما طويلا من الليل ، وفي كل ليلة ؛ ولعل الزمان لم يكن بعد قد هاضنى حتى دفعني دفعا إلى الانزواء والانطواء وخفوت الصوت وخفض البصر .

أردت أمس أن أستعيد ذاكرتى ما استودعتها إباء من قصة علاء الدين ومصباحه ، فلم أذكر أبدا من ذلك شيئا .

سوى أن علاء الدين كان يمسح مصباحه ، لست أدري كيف ، فإذا الجن خدم له يأتمرون به ، فينجزون له المستحيل ؛ يبنون له القصور فى لمح البصر ويمحونها في لمح البصر ، ويأتون له بابنة السلطان حبيبة طائعة إذا أرادها ، ويطيرون به فى السماء أو يهبطون به فى فجاج الأرض ، وينشئون له المدن ويملأون له الكنوز ذهبا ولؤلؤا ؛ ينجزون له كل ذلك إذا ما أشار لهم إشارة خفيفة بيده أو لسانه .

والحق أنى قد أردت ذاكرتى على أن تعيد لي قصة علاء الدين ومصباحه السحرى ، للتسلية لا للجد ؟ لأننى لمحت فيه وفى قصته رمزا لطيفا لمن يظن أن الدنيا يتغير له وجهها بالرغبات تطوف بين جدران رأسه ؛ فحسبى أن أجلس هكذا على مقعدي وفي عقر دارى ، ثم أعبر بالكلام عن رغبتى هذه أو رغبتى تلك ، فإذا سحرة الأرض وعفاريت جوفها وجن سمائها كلهم خدم ينجزون لى ما اشتهيت وما تمنيت ؛ ماذا يضطرنى إلى الجهاد الشاق وإلى العمل العنيف إذا كانت لمسة خفيفة للمصباح السحرى تكفيني لتحقيق ما أشتهى وما أتمنى ؟ والمصباح السحرى قادر على الهدم كما هو قادر على البناء ، لأن رغبات الإنسان سالبة وموجبة معا ، فالإنسان قد يرغب فى أن يمحى شئ يضايقه ، كما قد يرغب في أن يخلق له شئ يشتهيه ، قد يرغب الإنسان في زوال نظام كما قد يرغب في قيام آخر . . ولمثل هذا كله ينفع مصباح علاء الدين .

وأى عجب بعد ذلك في أن تستهوينا قصته ونحن على عتبة الشباب : حيث الأحلام والآمال والشعر ؛ لئن كانت الرجولة الناضجة عملا منتجا، فالشباب الفج عاطفة جياشة ؛ الأمل لا يتحقق إلا بالعمل عند الرجل الناضج ، لكن تكفيه قصيدة من الشعر عند الشباب الغرير ؛ كم كانت لنا ونحن على عتبة الشباب أمان وأحلام حققناها بمصباحك يا علاء الدين ، أو تذرعنا لتحقيقها بطاقية الإخفاء التى تيسر كثيرا جدا من الصعاب والعقبات ؛ فسحقا لهذا النضج العقلى الذي لم يعد يكفيه من ذلك شئ ، وبات محتوما علينا بمقتضى أحكامه أن نجاهد جهادا شاقا ونعمل عملا عنيفا إذا ما أردنا للأمانى أن تتحقق ... فهكذا ينتقل الإنسان في مراحل حياته من شعر إلى نثر ومن أحلام حلوة إلى واقع مرير .

لكنني إذ التمست من قصة علاء الدين ومصباحه تسلية ، قد وجدت فيها الجد ، لأننى ما كدت ألهو بجانب المزاح منها حتى تبين لى جانب آخر ؛ فلئن أشبع المصباح السحري خيال الشاب الحالم ، فهو كذلك كفيل أن يهدى الرجل الناضج العامل ؛ إن هذا المصباح العجيب رمز إلى إمكان التغيير لمن أراده ؛ ليس في الدنيا بأسرها ما يستحيل على الإرادة الإنسانية إذا صممت ومضي عزمها ، وكأنما قصد علاء الدين إلى إعلان ذلك بقصة مصباحه السحري ؛ إن الفساد ضارب في طول البلاد وعرضها ، لكنه يزول لصاحب الإرادة الذي لا يرى مجالا أن تتغير الحال .

ماذا عسانا أن نصنع وماذا عسانا أن ندع ؟ من أين نبدأ وإلى أين ننتهى ؟ الوحل يملأ الطريق في كل أرجائها فأين نلتمس سبيل النجاة ؟ ... هذه وأمثالها أسئلة يلقيها السائلون المهتمون بإصلاح الفساد ، فيقف الناس إزاءها رجلين :

رجل يلقي السلاح قنوطا ورجل يحمل العبء ؛ لأنه يؤمن بالمصباح السحرى وقدرته على محو الظلام مهما يكن حالكا .

والحديث ذو شجون . . . فقد ذكرتنى قصة علاء الدين

ومصباحه بقصة صينية تقع منها موقع النقيض من نقيضه . إذ يروي أن عالما في الصين قد صنع عربة تطير في الهواء كما تطير ذوات الجناح ، وتناقل الناس هذا النبأ العجيب حتى انتهى إلى مسامع الحاكم ، فأمر الحاكم أن يؤتى له بذلك الشيطان البشرى ولعبته ، فجاءه العالم يصطحب العربة الطائرة ، ولم يجد سبيلا إلى شرح أجزائها للحاكم ، لأن هذا لم يكن على كثير ولا قليل من العلم بالآلات وفعلها ، فطلب صاحب العربة الطائرة إلى الحاكم أن يصحبه في رحلة جوية ليقطع شكه بيقين لا ريبة فيه ، وصعد الرجلان ، فما هي إلا أن طارت بهما العربة العجيبة مع الطير في أجواز الفضاء ؟ وهذا هو السحاب قد بات دونهم بعد أن كان فوق رءوسهم ، ثم هبطا إلى الأرض ؛ أما العالم فملئ ، بالزهو والأمل ، وأما الحاكم فمرتعش مرتجف من هول ما رأى ؛ الحق أنها معجزة قد تحققت على يدى هذا الشيطان ، لكنه بعد أن هدأ قليلا التفت إلى صاحبنا العالم ، وقال له : هذا عجيب ! عجيب جدا تحار معه العقول ، لكنه يجاوز بغرابته حدود ما أطلبه لشعبى أ لا . إنى لا أريد لبلادى بدعة كهذه مهما

تكن براعتها وإعجازها لأنها ستكون للناس عاملا من عوامل القلق بحيث تضطرب أوضاعهم اضطرابا تتغير معه الأشياء والقيم ؛ لا ، لا . إني أريد لنفسى ولشعبى راحة البال . . . ثم أمر بالعربة الطائرة فتحطمت أوصالها وأجزاؤها ، وأمر ذلك الشيطان البشرى ألا يعود إلى مثل هذا في غد قريب أو بعيد .

العربة الطائرة ومصباح علاء الدين رمزان مختلفان فيما يشيران إليه ؛ القصة الأولى ترمز إلى الجمود والرغبة في ألا يتغير من أمر الناس شئ . والقصة الثانية تشير إلى الإنشاء السريع والمحو السريع ، وترمز إلى إمكان التجديد والتغيير - وكل ما تدخله على قصة مصباح علاء الدين من تحوير وتعديل حتى تناسب الرجولة الناضحة العاءلة ، بعد أن كانت خيالا يلهو به الشباب الحالم ، هو أن تجعل ذلك

المصباح داخل نفوسنا لا خارجها ، فنجعله في الإرادة الفعالة الماضية ، والعزم المصمم الذي لا ينثنى .

إن للأرادة القوية لسحرا ، هو بذاته ما نسبه علاء الدين إلى مصباحه ، لأنها تستطيع أن تغير كل شئ بمثل ما غير علاء الدين بمصباحه كل شئ .

لقد روي عن شاعر إيطالى بعد الحرب الكبرى الأولى أنه قال :

مات الماضى ، قتلناه بأسنة الحراب

وهذا هو الحاضر فلنفتك به فتكا

حتى نقيم المستقبل قوائم عرش مجيد

فياليت ما قاله الشاعر الإيطالى يتردد في ارضنا على كل لسان .

اشترك في نشرتنا البريدية