الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 669الرجوع إلى "الثقافة"

فى ضوء المصباح :, ندوة الخميس

Share

لو كان الله قد أتاح لندوة الخميس التى تنعقد في دار لجنة التأليف والترجمة والنشر كل أسبوع ، والتى لبثت على هذا النحو قرابة أربعين عامًا ، وكثيرًا ما ضمت نفرًا من أئمة الأدب وقادة الفكر فى مصر ، بل وفى بعض الشقيقات العربية أحيانًا ، أقول لو كان الله قد أتاح لهذه الندوة عاملين : عنصر المرأة المثقفة والقلم الذى يسجل ، لكان لنا بذلك " صالون " أدبى قل أن يكون له نظير ، ثم لكان لنا كذلك ديوان من أخصب دواوين الأدب والفكر المعاصرين ، فالحديث فى هذه الندوة يجرى على غير نسق معلوم ، ولا يتقيد المتحدثون فيه بشئ من التحفظ والتزمت اللذين يلازمان الكاتب إذا كتب للناس ، ولذلك تراهم يرسلون أنفسهم إرسالًا ، هو أصدق ما يعبر عن خواطرهم ومشاعرهم ، وهو بالتالى - لو رصده الراصد -  لجانب حى من حياتنا الفكرية والأدبية على السواء .

وسأسوق للقارئ هنا خلاصة لحديث الندوة يوم الخميس الرابع من شهر أكتوبر الحالى ، ذاكرًا من أسماء المتحدثين أحرفها الأولى ، لأنى لم أستأذنهم فى هذا النشر ؛ على أننى إذا استطعت أن أنقل أمهات الأفكار التى دارت فى الحديث ، فلست بمستطيع أن أبث خلال ذلك ما يسود المجتمعين فى هذه الندوة دائمًا من روح الفكاهة العابرة أحيانًا ، والساخرة أحيانًا ، فكأنما انقل للقارئ هنا " رأسًا " بغير " قلب " و " عقلا " بغير " وجدان " إننى أسوق هنا إطارًا ، وللقارىء : أن يملأه بما يسعفه به خياله من نبضات الحياة .

أ . أ - زارنا فى هذه الندوة أديب صينى منذ سنوات ، وأراد أن يعلم شيئًا عن الاتجاهات الأدبية فى مصر ، فسأل عن كبار الأدباء الذين يكتبون الأدب " الكلاسيكى " - إذا صحت هذه الكلمة - ثم سأل عمن يكتبون للجمهور ويتصلون به اتصالًا مباشرًا ، وعجب وأسف حين أنبأناه أن ليس بين

أدابائنا من يتصل بالجمهور الشعبى هذا الاتصال المباشر الذى يريد .

ت أ - إنه كان على خطأ ، لأن الأديب الحق لا يتصل أيضا بغمار الناس اتصالًا مباشرًا ؛ إن هذا الاتصال المباشر مهمة الصحفى لا الأديب ، وينبغى أن نفرق بينهما تفرقة واضحة .

ح . ج - لماذا لا نقول عن (م . أ ) وأمثاله من " الصحفيين إنهم هم الأدباء الشعبيون ؟ إنهم يكتبون فى جرأة تلفت لهم أنظار الناس .

ز . ن . م - ومن الذي هيأ لهم هذا الجو الذى يستطيعون أن يكتبوا فيه بهذه الجرأة التى تستوقف لهم معظم الجمهور القارئ ؟ الذى هيأ لهم هذا الجو هم أدباء ممن يعنيهم الأستاذ " ت أ " .

١.١ - يظهر أننا قد وصلنا إلى شىء من التحديد ، فالأديب يخلق الجو الفكرى والصحفى يكتب فى هذا الجو الجديد لجمهور القراء ، فيتصل بهم اتصالًا مباشرًا .

ت . أ - هذا صحيح ، فالتأثير فى الناس يتم على درجتين : الأديب يؤثر فى الصحفيين ومن إليهم من الكتاب ، وهؤلاء ، يكون لهم التأثير المباشر ؛ والأمر فى ذلك شبيه بأستاذ الجامعة الذى لا يتصل بتلاميذ المدارس الابتدائية والثانوية ، إنما يخلق الشبان الذين يكون لهم هذا الاتصال ، وهذا الاتصال بطبيعة الحال يجىء فى نفس الجو الفكرى الذى نقله الشبان عن أستاذ الجامعة

ز . ن . م - أظن أن هذا هو المقصود دائمًا " بتأثير " الأدب فى الناس ، أعنى أن الأديب الكبير دائمًا ينحصر تأثيره فى الطبقة المستنيرة وحدها ، ومن هذه الطبقة ينتقل الأثر إلى من دونهم ؛ فلا أظن - مثلا - أن برنارد شو يقرؤه الفلاح والعامل فى انجلترا .

م . م - وماذا تقولون فى شيكسبير الذى كان يعرض مسرحياته على طبقات الشعب رأسًا ، وفى هومر الذى كان

ينشد أشعاره فى حلقات من الجماهير الدنيا ؟ أليس ذلك دليلًا على أن الأديب بأعلى معانيه ، قد يكون اتصاله بالشعب مباشرًا وبغير واسطة ؟ .

ت . أ - لا ، ليس ذلك بدليل على هذا ؟ فلئن كانت طبقات الشعب قد استمعت لهومر أو شيكسبير ، فما ذاك إلا لأنه لم يكن لديهم من يستمعون إليه غير هؤلاء ، ولو وجدت لهم الصحافة أو ما يشبهها من الكتابة ، لانصرفوا عنهم إليها - أتظن أن امرأ القيس حين كان يقول شعره فى الناس كان يفهم عنه من الناس إلا القلة المستنيرة ؟ لقد كان الناس يقولون عنه إنه مجنون ؛ اتظن أن المتنبى وأمثاله كانوا يهدفون بأشعارهم إلى غير حاشية الحاكمين ؟ فإن استمع الناس لما ينشده امرؤ القبس والمتنبى ، فلأنه لم يكن هناك من يستمعون إليه عن فهم . أما الآن فقد تغير الموقف . إذ وجد المقروء الذى يصلح للشعب إلى جانب الأدب الرفيع ، فاقتصر الأدب الرفيع على الطبقة المستنيرة ، وقصد الشعب إلى حيث يفهم ويتأثر .

ز . ن . م - يخيل إلى أن " الطبقة المستنيرة " عبارة تريد شيئًا من التحديد ، من هم أفراد هذه الطبقة . أ . ت . أ - نستطيع أن نقول إنهم خريجو الجامعات ومن إليهم .

م . م - أظن أن الأمر هنا لا يتوقف على التعليم الجامعى ؛ فالطبقة المستنيرة هى أولئك الذين يتغذون بالأفكار . فلا تناقض بين أن يكون الشخص بائعًا فى متجر أو عاملًا فى مصنع ، لكنه إذ ما فرغ من عمله التمس الأفكار النظرية فى الكتب أو المحاضرات - وأمثال هؤلاء كثيرون فى أوربا - وعندئذ نقول عنهم إنهم من " الطبقة المستنيرة " .

ز . ن . م - ستيفن سبندر له مقالة فى مجلة إنجليزية صدرت الشهر الماضى ، يحاول فيها تحديد الطبقة المستنيرة ، ويكاد يشترط للداخل فيها أن يكون كاتبًا ، ليعبر بكتابته عن فكره .

أ . أ - وماذا يقول مثل هذا الكاتب الذى يعبر عن فكره ؟ هل ينبغى أن ينصرف إلى الكتابة فيما يصلح المجتمع ، أم الأمر مقصور على مجرد التعبير ؟ بعبارة أخرى : هل يجب على الكاتب أن يلتزم حدود الأخلاق فيما يكتب ؟ .

ت أ - لا ، لا شأن للأديب بالمعايير الخلقية ؛ إنه يفكر ويعبر ، ومقياسه الجمال وحده ، ولذلك نسمعهم يقولون لك عن بعض الأدباء إنهم كانوا فى مجتمعهم كالأفاعى تنفث السموم ، أى أنهم كانوا يفتون فى بناء المجتمع ، ومع ذلك فهم أدباء ؟ الحقيقة أن الأديب الحق كالنحلة تعطيك الشهد ، لكنها قد تلسع .

ز . ن . م - إن مجرد ذكرنا لكلمتى " السموم " و " اللسع " يبين أننا مازلنا متأثرين فى تقدير الأدب بمعيار المصلح الاجتماعى ؛ والأدب الخالص لا يهدف إلى الإصلاح الاجتماعى المباشر ، ولا يقاس بمقياسه .

ث أ - هذا صحيح ؛ لكنك من ناحية أخرى تستطيع أن تقول إن الهدف فى النهاية البعيدة هو هذا الإصلاح المنشود ، فحتى الذين يكتبون أدبًا مكشوفًا عن الشئون الجنسية ، يريدون أن يضعوا تحت أعين الناس حقائق قد أغمضوا أعينهم عنها على خطرها وأهميتها ؛ هذا د . ه . لورنس يرى الناس فى انجلترا قد أهملوا غرائزهم إلى حد الخطورة ، فراح بكتابته فى تمجيد الغريزة الجنسية السليمة ينبه الناس إلى ما قد غفلوا عنه ، إن الرجل إذا ما تحفظ فى طعامه تحفظًا يؤذى معدته بحيث لا تعود صالحة إلا لهضم " اللبن الزبادى " هو بحاجة إلى من يستثير شهيته للطعام بالتوابل القوية - ولورنس كان فى مجال الغريزة الجنسية عند الطبقة المستنيرة أشبه شئ بالتوابل التى تحرك الغريزة السليمة .

ز . ن م - الغريب فى هذا هو أن الطبقة المستنيرة فى انجلترا انتقلت فى نظرتها إلى الأمور الجنسية من النقيض إلى النقيض،  كان " المستنير " فى العصر الفكتورى (القرن ١٩) يستبشع كل ما له اتصال بهذه الأمور من بعيد أو قريب ، وأصبح " المستنير " فى هذه الأيام أقرب إلى العقيدة بأنها لا تقل ولا تزيد عن سائر ضرورات العيش التى لا ينبغى أن يكون فيها شئ من الخجل - ولعل هذا الانتقال قد جاء بسبب ماكتبه لورنس ومن إليه .

أ . أ - إن العرب لم يقولوا أدبًا عن الطبيعة فيه جدة .

أ . ز - لماذا تعيبون على العرب أنهم لم يقولوا عن الطبيعة جديدًا ، والطبيعة نفسها لم تخلق الجديد ، فالأزهار العطرة ما تزال هى الأزهار العطرة . .

م . ش - أراك بذلك تخالف كلمة أذعتها عن الجديد والقديم .

أ . ز - وهل من شك فى أننا لا بد أن نبقى من القديم على الطيب ؟

ز . ن . م - على شرط أن تحدد ما هو " الطيب " - ماذا نعده طيبًا ؟

١ . ز - هو المشهور المعروف بأنه كذلك ، فشعر المتنبى" طيب " .

ز . ن . م - لا يكون طيبًا إلا إذا وافق عليه الناقد الأوربى الحديث بمعياره فى فهم الشعر وتقديره .

أ - ز - أنا لا أنتظر الناقد الأوربى الحديث ليحدد لى ما أطرب له - أنا اقرأ شعر المتنبى وأطرب له ، وفى هذا الكفاية .

ز . ن . م - وإذًا فلا بد أن تعطى هذا الحق لساكن الأدغال حين يطرب لضربات " الدربكة " لأنه هو الآخر يستطيع أن يقول : إنى أطرب لهذه الضربات وفى هذا الكفاية . . الأمر نسبى فى كل ما يتعلق بالمدنية إذا استثنيت العلوم وحدها ؛ فما يعد " طيبًا " هو ما يعده أهل المدنية القائمة كذلك ، وقد يتغير الأمر بعد كذا من السنين .

فتعد عوامل المدنية القائمة الآن علامة همجية عندئذ  أ . أ -  (وقد أمسك كتابًا في يده) هذا كتاب كتبه أوربى عن " إقبال " فهل يكون ذلك إلا دليلا على أنه قدره حق قدر قدره بغض النظر عن عصره ؟

ز . ن . م - وهذا ما أقوله ، فالمتنبى شاعر يعد من يطرب له " متمدنًا " أو وافق عليه نقدة هذه المدنية القائمة ، وإلا فهو ليس كذلك بالنسبة لهذه المدنية أيضًا ؛ فالقديم الذى يستطيعه أصحاب الرأى من أهل العصر الحاضر ، هو الذى يدخل فى جملة العناصر التى لا بأس في أخذها والإبقاء عليها . أ . أ - أنا أطرب للمتنبى وأعده شاعرًا عظيمًا ،

و " نيكلسن " لم يعجبه شعر المتنبى . فماذا تقول ؟ ز . ن . م - الأقرب منكما إلى تشرب روح هذا العصر

وذوقه فى الأدب هو الذى يعبر برأيه عن رأى العصر وذوقه . م . د - قل لى ، هل تطربك أنت موسيقى فاجنر ؟ . ز . ن . م - إذا لم أطرب لها فلأنى لم أنشأ النشأة الصحيحة ، فالعيب عيبى أنا ، ولا أعد فى هذه الناحية بين المتمدنين ؛ لأنى لو أصررت على أن الأمر متوقف على ما أطرب له . بغض النظر عن أهل الدنيا الحاضرة هل يطربون معى أولا يطربون ، فلابد كذلك أن أعطى أهل الغابات هذا الحق نفسه حين يفضلون " الدربكة " على فاجنر .

أ . أ - أو ليست " الدربكة " خيرًا من موسيقى " الجاز " التى يطرب لها أهل هذا الزمان ؟ .

ز . ن . م - ولو أخذ العالم المتمدن بهذه " الدربكة " نفسها لانتقلت إلى عناصر المدنية - الأمر كما قلت اعتبارى صرف ، والعبرة بما يقوله أهل الخبرة الذوقية فى كل عصر .

أ . ز - لقد التقيت اليوم مع صديق قص على قصة فتاة فرطت فى نفسها فثار عليها أهلها . وكان هذا الصديق ساخطًا على هؤلاء الناس الذين يتدخلون فى شأن الفتاة ، فهى وحدها المسئولة عن نفسها ما دامت قد بلغت الحادية والعشرين - أى أنه يريد لنا أخلاق أوربا فى ذلك .

ز . ن . م - وما وجه الخطأ فى ذلك ؟ إن كانت هذه هى " أخلاق " المدنية الحاضرة ، فهل يعيبها أنها ليست " كأخلاق " المدنيات السابقة ؟ إن المقياس هو ما يقرره أهل هذا الزمان لا أهل الأزمان الماضية .

أ . أ - وجه الخطأ هو أن هذا فساد محقق . ز . ن . م - الفساد هو ما يخرج على ما تواضع عليه أهل الزمن المعين ، وقد يصبح فساد زمن صلاح زمن آخر ثم يعود فسادًا ، وهكذا تتغير النظرة مع تغير ظروف العصر - الحكم على السلوك بالصلاح أو الفساد في عصر ما ، متوقف على هذا السؤال فيه : هل يسود هذا السلوك فى هذا العصر المعين أو لا يسود ؟

أ . ١ - وهل تريد أن يكون الشرق كالغرب فيما يسود وما لا يسود ؟ .

ز . ن . م - ليست التفرقة بين شرق وغرب ، وإنما تكون التفرقة بين من أخذ بنصيب من المدنية ومن لم يأخذ . وانقضت عند هذا ندوة الخميس

اشترك في نشرتنا البريدية