اخترقنا لدى عودتنا من " مدراس " إقليم " سالم " الخصب ، حيث اشتهرت النساء بجمالهن . وهن في الحقيقة فاتنات ، وتزيد ملابسهن البراقة ذات الألوان الصارخة في فتنتهن . ثم رأينا بعد ذلك سلسلة " الجبال الزرقاء " الجميلة تظهر في الأفق من جديد . وقد طربنا كثيرا لرؤيتها مرة ثانية في ذلك الصباح المشرق الجميل من ايام شهر اغسطس . وشاهدنا قممها العالية وهي متشحة بردائها الأيدي من الأبخرة الزرقاء .
وقبل أن نبدأ تستمها ، ذهب خادمنا " رضوان " ليحضر لنا من قرية " ميتو بالام " الرائعة ، التى ترتكز على سفح الجبل ، طعاما شهيا التهمناه تحت ظلال قبة من سعف النخيل . كم كان هناك من التوابل في ذلك " الكاري " الكون من الارز والبطاطس والقنبيط والرئيئة ( ١ ) ، والذي قدم لنا على صحاف من أوراق شجر الموز الكبيرة . إننا لم نذق اشهى من هذا " الكاري " الهندي قبل الآن .
وفي ذلك الصباح وفي ساعة مبكرة بعد وقفة قصيرة واخيرة في " أوتاكاموند " بدأنا سيرنا من جديد خلال ساعات وساعات كانت تلوح قصيرة رغم وعثاء السفر والغبار ؛ فلقد كانت هناك اشياء كثيرة تستحق المشاهدة وتبقى ذكراها طويلا ! هناك المقابر الملكية قبل المدينة إلى اليسار ، وهي مشيدة تحت اغصان النخيل على شكل هيا كل الهند والصين " الباجود " ، وفيها تئوي رقات مهراجات " ميسور " . . ها هي ذي طرق المدينة وهي واسعة وقد غرست الأشجار على جانبها ، وها هو ذا قصر المهراجا ، والميدان الرئيسي . . الساعة الآن الثانية
بعد الظهر ولا يوجد غير قليل من الناس فهذه فترة القائلة . وها نحن في الحدائق الفناء اليافعة الشاسعة ، حيث تــكون الورود الحمراء وزهور عباد الشمس تحت غطاء من أغصان النخيل عالما عجيبا يبهر ويسحر . وفي ظلال شجر الأرز المهيب ، تصدر من الأغصان أصوات وأنغام كما لو كانت الريح الدافئة تعزف فيها على أرغن تختلط ألحانه بنعيق الغربان - ها محن نتناول غداء سريعا ، إذ يجب الرحيل بسرعة ، والغداء يتكون من قليل من البسكوت والخبز والجبن والموز والأناناس . وترسم مئات من الغربان حولنا نقوشا كنقوش الفن العربي ( الآرابسك ) . . إنها جائعة تلك الغربان المسكينة . آه ! ها هو ذا أحدها يهبط علينا بجرأة كما يهبط طيار بطائرته في خط عمودي ، ويقبض بمنقاره الأصفر على قطعة من الخبز عليها زبدة ويختطفها من يد أحد الرفاق بسرعة مفاجئة وبنهم وشره . . لكم يتخذ لنفسه من الحرية بدون مراعاة لآداب المائدة أو قواعد السلوك لقد كان يستطيع أيضا أن يختطف إصبعه مع قطعة الخبز . ولكن ليس الأمر بذي بال ! إننا نغفر له فهو غراب . . من الهند ، ومع ذلك فهو يغالي . . ها هو ذا يعود مرة أخرى . . إنه يحوم ويدور بينما ينعق نعييقا ملحا كأنه يطلب ملحا . . إنه كالإنسان الذي يمتلك ويريد أن يمتلك أكثر . . وإنه يذكرني بالقصة الجميلة التي القيت على مسامعي في أحد الأيام في " الجبال الزرقاء " :
" كان أحد النساك يعيش وحيدا في مغارة ، وكان يغسل كل يوم إزاره الذي لم يكن يمتلك غيره . ولكن وا أسفاء ! كانت الفئران تقرض كل يوم قطعة من الرداء المسكين عند ما كان يبسطه على العشب ليجف في الشمس ، وأخيرا فكر الناسك : " ينبغي أن يكون لدي قط " . وفي اليوم التالي كان لديه القط .
وبعد بضعة أيام بان على القط الهزال لعدم وجود لبن ، فقال الرجل الزاهد لنفسه : " ينبغي أن يكون لدى عنز "
وقد وجد من أهل الكرم من أعطاء إياها . ثم حدث أن العنز وصغارها والقط صرفت الناسك عن صلاته وتأملاته . وعند ذلك قال لنفسه وكأنه الهم هذه الفكرة المفاجئة الثقاقبة : " ينبغي أن يكون لى امرأة " فتزوج ، ولكن لبن العنز لا يكفي اثنين ومعهم قط . فابتاع الزوجان بقرة مما تجمع لديهما من الصدقات . واحتاج الأمر إلي حظيرة وإلى كوخ بدلا من المغارة . ثم وجد الناسك نفسه بعد ذلك مرغما على تأجير حقل لكي يطعم البقرة والقط والزوجة .
وبعد بضع سنين اصبح رجلنا أوسع رجال القرية ثراء . وهكذا نسير الحياة في هذا العالم العجيب ! " . لم تعقنا هذه الخطرات من أن نودع " ميسور " وحدائقها و شاموندي " القائمة هناك فوق التل .
وعاودنا السير من جديد ، وها نحن نمر بسيراتجا بانام ، ويقوم هناك سعيد جميل وهو مكان مشهور يقصده الحجاج وتطله اشجار التين . وها نحن نري عند الخروج من القرية قلعة السلطان تيبو القديمة . وقد استردت الطبيعة فى هذه النواحي حقوقها الشرعية بعد معارك الأمس التي دارت من الفرنسيين والانجليز . عاد إلي النبات ازدهاره وإلى النهر قداسته . ولا يزال نهر الكوفيري الذي سيفيض قريبا حينما تسقط الأمطار الموسمية ، بلطف جو الناحية
وزرنا في طريقنا القصر الفخم الذي كان فيما مضي أحب أماكن الخلوة للسلطان تيبو . وإن النفس لتمتلئ بالإعجاب حين يشاهد الإنسان داخله وما يحليه من رسوم ونقوش تذكرنا بقصور أصفاهان . وفي الحديقة الجميلة ذات المياه الراقدة يقوم الضريح الذي دفن فيه السلطان . . ولكن يجب ان نغادر هذا المكان الذي يشيع الصمت في جنباته ، حيث الطيور تغرد وحدها في عزلتها المؤقتة .
ووصلنا إلي مفرق للطرق فتركنا إلى يميننا الطريق
الذي يؤدي إلي براندفان التي تسمى " قرساي " ميسور ، حيث قضينا ليلة جميلة منذ شهرين بالقرب من بحيرة من أ كبر بحيرات الهند الصناعية تعد الناحية بمياهها . وقد وفق المهندسون الذين أقاموا هذه المنشئات الجبارة بين المفيد والبهيج . فهناك حيث كانت تمتد في الماضي سهول مجدية ، توجد الان إلى جانب المزارع التي تزيد ثروة الأقليم بمحاصيلها ، حدائق شاسعة ومنحدرات مائية ونافورات جميلة تضاء في الليل بأنوار كهربائية ، مما يخلع على المكان حلة من السحر والفخامة . . ليس من شك في أن دولة ميسور عظيمة من كل النواحي . ولقد صدق ميشو المؤرخ الفرنسي إذ قال في عام ١٨٠٠ : " إن سهول ميسور أجمل مقام على ظهر الأرض يمكن ان تمنحه الطبيعة للانسان " .
ها هي سيارتنا تطوي الآن طريقا تقوم على جانبيه غابات ممتدة لا سبيل إلى النفاذ إليها ، وهي مأوي للفيلة البرية والنمور . وها نحن نزيد من سرعتنا لكي لا يفاجئنا الليل في هذه الغاية المخيفة التي تفيض مع ذلك جمالا . وها نحن نتغلب على هاتف الإغراء الذي يدعونا إلي التوقف مرة اخرى . وها هو " ك " ينظر في ساعته بقلق . الساعة الآن الخامسة بعد الظهر وفي السابعة يسود الظلام في هذه النواحي . ولا زال شاطئ مالابار بعيدا ، بعيدا جدا . وكان علينا أن نخترق سلسلة من الجبال يمتد سلطان الغابة عليها . ولكن ما اهمية ذلك إذا كانت النفس والعين تمتلئان بروعة هذه المشاهد ! إن هذا يعوض ذاك .
. الساعة السادسة والطريق ينحدر في خطوط ملتوية ، وتلك هي اللحظة التى ينبعث فيها السحر . وتبدو التلال في غمرة ضياء المغرب فيها كما لو كانت النار قد شبت بها ، إذ تبدو الغابة في لون احمر ثم في لون البنفسج ، وقد أنسانا هذا الشهد جوعنا . .
ثم حل الليل ولا زال الطريق ينحدر في عقد ملتوية متجها نحو المحيط الهندي . وها محن نتفو من اثر التعب
الذي أنهك أجسامنا . وها أنا انظر في ساعتي . لقد انتصف الليل ، ولقدنمت ثلاث ساعات . أين نحن ؟ .
لقد جمدت أطرافنا وتخدرت حينما نزلنا من السيارة ، الغابة تحيط بنا . . الغابة الكثيفة . إن " ك " يستشعر السعادة ، فقد التقي بها ثانية . . غابته التى يحبها كثيرا ! لا يوجد سوي بضعة بيوت خشبية متناثرة وقنطرة صغيرة ومجري مائي ، والطريق الذي يمتد كشريط أبيض ينساب نحو البحر النائي ؛ كان منظرا طبيعيا جميلا يخلع عليه نور البدر سحرا . . ولقمر الهند روعة وجمال يجلان عن الوصف . أي دعة ونعومة في هذا الهواء الدافي ! وأكثر من ذلك . . الصوت . . صوت الغابة ! حياة الغابة ! إن هذا لشئ عجب ! نقيق الضفادع الذي يختلط بصياح طيور الليل ، وصفير الجراد المستمر ، وحركة الهوام التي لا يحصى عددها ، ودواب الظلام التي تزحف في الآجام فتطتطق من تحتها الأغصان الميتة ، وزئير ابن آوي وصراخ الفيل المتوحش ، وريح الليل التي تشق طريقها بجهد خلال أغصان الأشجار المتشابكة ، وأخيرا رقصة الجملان الذهبية المضيئة ، كانها عدد لا يحصى من شرر متوهج ينبعث من لهب خفي . وكانت تتصاعد من الأرض الناعمة ، رائحة الياسمين البري الذي اختلط بعفونة التربة على مدى الدهور . إن ليالي الغابة لمثيرة حقا : .
وها نحن نعاود الرحيل . ولسوف نحتفظ دائما بذ كري هذه الوقفة التي ارغمنا عليها ، وسيعاودنا الحنين إليها . .
. . الساعة الآن الثانية صباحا ، والهواء أكثر برودة ، وقد اصبح شاطئ مالابار قريبا . وها هي ذي بيوت تلبشيري المتقدمة يغمرها ضوء القمر ، ونحن نمر سراعا بأشجار جوز الهند . وها هي شوارع المدينة حيث لا يزال بعض الهنود يتسامرون . . وهذا الصوت
الأصم إنه صوت أمواج بحر أومان . وها نحن نمر بشارع جديد . ونري بيوتا بيضاء اللون قائمة تحت أشجار جوز الهند . وأخيرا وقفت السيارة . ها هو " البنجالو " مسكن صديقنا " ك " . . نحن الآن " في دارنا " وقدم الخدم الذين طال انتظارهم لنا ، وقد اثقل النعاس جفونهم . وطفقنا نزور المسكن الواسع اللطيف . ثم ذهبنا إلى غرفة الاستحمام لنأخذ " دوشا " ، وبعد ذلك إلى غرفة المائدة حيث يوجد شيئان لا يقدران بثمن ! طاء يضع على رأسه عمامة جليلة و . . طبق الارز على المائدة . . الارز العجيب الذي طال انتظاره ! ( عن مجلة فرائس أورينت )

