الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 144الرجوع إلى "الثقافة"

فى ظلال الذكريات

Share

فى هذه الأيام التى تمر متثاقلة مظلمة كأنها ساعات الانتظار يشعر الانسان كأنه يجتاز صحراء فاحلة لا ظل فيها ولا ماء . . !

إن الجو مشبع برائحة ( البارود ) ، ولا حديث للصحف إلا الحرب وأخبار الحرب ؛ فلا يكاد الانسان يمسك بالصحيفة حتى تصدمه أرقام الضحايا وأثار التخريب . كأنما جن الانسان فراح يدمر كل ما أبدع ، ويحطم كل ما صنع ، وكأنما غلبت عليه صفة الوحوش ، فراح يفتك وبلغ فى الدماء ، دماء أخيه الانسان . . ! هنالك يشعر الانسان بانقباض قاتل وسأم مميت . . .

أين تلك الباقات الفكرية الجميلة التى كانت تزين الصحف فى أيام السلم ، والتى كانت تعتبر أبدع غذاء روحى ؟ أين تلك الزهور التى كانت تقتطف من رياض المعانى بائعة ناضرة تعطر الجو الأدنى وتنعش الأرواح بذلك الشذى السحرى العجيب ؟ ؟

أين ذلك الأدب العاطفى الذى كان ينبعث من الوجدان فيفعل بالنفوس فعل السحر فى ترقيق المشاعر وصقل العقول ؟

والأدب النسائى الرقيق أين ذهب فلم يعد له وجود ؟ لقد كان لنا فى الماضى القريب ثروة غنية من الأفلام النسائية البارعة ، ولكنها كلها قد اختفت من الميدان . حتى من المجلات لأدبية نفسها . فما هو السر فى ذلك الاختفاء ؟ !

لقد كان للكاتبة القديرة الآنسة ( مى زيادة ) - أتم الله عليها نعمته - نفحات فكرية هى السحر الحلال . وكانت السيدة الشاعرة الفاضلة ( منيرة توفيق ) أطال الله حياتها ، تتحفنا فى الوقت بعد الوقت بنفثاتها الشعرية الرائعة ، فتحرك فينا مكامن الوجدان ، وتبعث فى النفوس لذة

ونشوة ، وتلعب بأوتار القلوب بنغماتها الشعرية الرقيقة التعبير ، وكان ذلك أيام محنتها يوم لسعتها الغيرة بجحيمها الذى لا يطاق .

والسيدة منيرة ثابت - أجمل الله عزاءها فى أعز حبيب فقدته فى هذه الأيام - كانت لها هى الأخرى نفحات وجولات . لقد اختفت من الميدان مرة واحدة . وكنا إلى وقت قريب نقرأ بعض القطع الأدبية الممتعة للكاتبة الفاضلة ( الزهرة ) ، والكاتبة الفاضلة ( سهير القلماوى ) ، ووداد سكاكينى ، وإيمى خير ، وجميلة العلايلى وغيرهن ، ولكن أصواتهن جميعا قد تلاشت ، كأنما قد غابت - لا قدر الله - من الوجود .

أفترى الحياة عبست حتى ضنت على الناس بتلك النفحات الذهنية التى كانوا يجدون فيها بعض العزاء ؟

إننى أهيب بحاملات الأقلام أن يعدن مرة أخرى إلى الكتابة ، وإشباع شهوة الحس ، وتغذية الأرواح . جديد . . .

إنها لجريمة كبرى فى حق النهضة الأدبية فى مصر إن هى خلت من المرأة التى تعتبر بحق مصدر العواطف ، ومنبع الشعور الدقيق الحساس ...

لقد ظن الناس أن السر فى احتجاب الكاتبات عن ميدان الأدب أن الرجال هم الذين أغلفو الباب فى وجوههن ! ولكن ذلك غير صحيح ، وإنما الحقيقة أن الكاتبة المصرية لا تقدر أن لها شعبا من العقول عليها أن تقدم له الغذاء وتمده بثمار قريحتها ، بعكس أختها الغربية ، فانها لا تقل عن الرجال شغفا بالانتاج الأدبى الرفيع . .

إنني أقطع على نفسى عهدا لا أتحلل منه ، هو أننى سأحاول على قدر طاقتى ، وبقدر ما يسمح لى وقتى الذى أقضية فى معالجة المرضى فى دنيا الآلام ، أن أقدم من ثمار عقلى أسبوعيا لقراء ( الثقافة ) ، وأعتقد أن زميلاتى لن يتأخرون عنى فى هذا المضمار . . .

إن العالم الآن لفى أشد الحاجة إلى النفحات الأدبية الرقيقة ، فهى له كالنسمات فى اليوم القائظ ، وكجرعة الماء فى تيه الصحراء . . .

إن سجل الذكريات لحافل بأسماء كانت فى مقدمة حملة الأقلام ، وإنها لأيام سعيدة تلك التى مضت ولم يعد لنا منها غير الذكريات . إننى أرجو ، بل وألح فى الرجاء ، أن يتفضل أستاذنا الجليل موجه الجيل الأستاذ أحمد أمين بك ، فيفتح بابا فى ( الثقافة ) الحبيبة للأدب النسائى الرفيع ، حتى لا تحتج الكاتبات بأن الباب مغلق وأنهن مظلومات ! !

وأخيرا لتعتبر هذه الكلمة كتمهيد لكلمات سأقدمها إن شاء الله تعالى أسبوعيا ( للثقافة ) تحت عنوان " فى ظلال الذكريات " ؛ ولن يحول بينى - إن شاء الله - وبين هذا الواجب الأدبى ما أنا فيه من عناية بالأجسام ، بل لا بد لى

كذلك من العناية بالأرواح  . . .

أما بعد ، فاننى أعيد الرجاء مرة ثانية لمجلة " الثقافة " أن تتفضل بفتح هذا الباب وتخصص له ولو صفحتين من صفحاتها تتبارى فيهما أقلام الكاتبات على أن يكون الانتاج العقلى الذى يقدم لهاتين الصفحتين من النوع الذى يتفق ومكانة الثقافة فى عالم الأدب ، وليس من النوع الرخيص !

ومن الآن حتى تتحقق هذه الرغبة ، أقدم للجميع خالص التحيات ؛ وإلى اللقاء فى الأسبوع القادم إن شاء الله .

اشترك في نشرتنا البريدية