الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 51الرجوع إلى "الثقافة"

فى عالم التأليف، الفنان تيمور، على ذكر قصته الأخيرة "نداء المجهول"

Share

بدأ الفنان يوقع على قيثارته توقيعا مشجيا ، وهو فى ضجة صاخبة ، وحوله جمع مزدحم من طلاب الحياة ولذاذاتها ، والملتفين حول أنوارها . وكانت الأنوار الساطعة تبهر الأنظار فى البهو الفسيح الذى وقف الفنان فيه يرسل أنفاسه العذبة . وكانت عذوبة الموسيقى يخالطها شئ يسير من الحزن ، ولكن ضجة الحفل ، وطرب السامعين ، وضحكات الحاضرين ؛ جعلت الفنان يسرع فى عزفه ، ويشارك الجمع فى طربه ، فخفيت النغمة الحزينة ، وظهر فى موسيقاه روح آخر - روح لا يعبأ إلا بالحاضر ، ولا يهتز إلا للحياة الصاخبة المضطربة العنيفة . ولم ينج الفنان نفسه من أثر الأنوار والضجة ، فعلت وجهه حمرة ، وشارك القوم فى طربهم وضحكهم وفكاهاتهم ؛ وأخذ يصور لهم فى موسياه ما يضطرب فيهم وحولهم من ثورات وصرخات وضحكات . وبلغ فى فئه من القدرة والإبداع ما مكنه من تصوير رنين الكؤوس ، ونعاس العيون ، ووسوسة الهمسات .

ولكن نفس الفنان لم تطاوعه بعد انفضاض ذلك الحفل الصاخب ، على أن يعود إليه فى الليلة التالية . لقد كانت نفسه تشعر بشىء من الحزن فى أثناء عزفه . وكاد ذلك الحزن يفسد عليه طربه ويفسد على الحضور لذتهم . لولا أنه تدارك الأمر ، فشاركهم فى طربهم ،

وصور لهم كل خلجات نفوسهم . ولكنه عند ما خلا إلى نفسه بعد انقضاض الحفل أحس انقباضا شديدا ، وثار عليه فنه وتكبر أن يعود به إلى ذلك البهو الصاخب مرة أخرى . أبى عليه أن يرجع إلى ذلك الجو الكثيف الذى انعقدت فيه سحب الدخان ، وتطايرت فى أنحائه رائحة العطور القوية ممتزجة بشىء من ريح الخمر . ثم يجد من نفسه رغبة فى العودة إلى العزف فى داخل البهو ، وأصر على الوقوف بعيدا أمام الباب . وأخذ يعزف وهو ينظر إلى الفضاء الفسيح الجليل ، وتمكن فى هذه المرة أن يقاوم بعض التأثير الذى تحدثه الضجة المنبعثة من داخل الحفل المضطرب . ولذلك كانت نغمته أكثر شجى ، وأبطا توقيعا ، وأخفض رنينا . ولكن صوت الحياة الثائرة فى داخل البهو المتلألئ بالأنوار ، كان لا يزال ينازعه ويغالبه ويميل به إلى مشاركة القوم فى طربهم ،   وإن كان قد خلط موسيقاه ببعض أنغام استمدها من وحى قلبه الشجى .

ولما انفض الحفل فى تلك الليلة الثانية عاودت الشجون ذلك الفنان ، وثارت به نفسه ثورة اعنف وأقوي . فأبت عليه أن يدخل إلى البهو الصاخب أو أن يقف عند بابه . فترك ذلك البهو المتلألئ بالأنوار المزدحم باللاهين ، المضطرب بالحياة . وسار بعيدا موغلا فى المرامى

المحيطة ، وقصد إلى الغابات الظليلة الغائمة فوق سفوح الجبال الشامخة . وهناك أخذ يغنى أغنية أخرى ، لم تشبها شائبة من صخب الحياة . أغنية لم تصدر إلا عن وحى النفس والقلب الشجى ، وإن كان رنينها لا يزال صادرا عن قيتارنه التي تعودت ان تصدح بالأنغام المطربة والأهزاج المرحة فى المحافل الصاخبة .

هذه هى صورة الفنان الذى تصورته عند قراءة قصة "نداء المجهول" ، وهى الصورة التى خيل إلى أنها صورة الأستاذ محمود تيمور مؤلف تلك القصة . وهو ينتقل فى حياته الفنية من دور إلى دور ، ومن مرتبة إلى مرتبة .

لقد قرأت قصصه الأولى " الحاج شلبى " وسواها ،  ثم قرأت له قصصه الثانية " فرعون الصغير " وسواها ، ثم قرأت له قصته الأخيرة " نداء المجهول " ، فلم أستطع أن أصور له إلا تلك الصورة التى قدمتها بين يدى هذه الكلمة - فقد بدا فى القصص الأولى فنانا ، ما فى ذلك شك ؛ فهو يصور وهو يطرب ، وهو يدعو إلى التقدير ، ولكنى لم اتمالك أن ألمح فيه صورة فنان المجتمع الصاخب الذى لا يعبأ إلا بتصوير الحاضر المضطرب الصاخب الثائر مع الحياة (النثرية) ؛ ثم بدا فى القصص الثانية فنانا كذلك ، ولكنه كان فيها أقل صخبا وأكثر هدوءا . وأشجى نغمة ؛ ثم بدا فى القصة الأخيرة فنانا كذلك ، ولكنه كان هذه المرة فنانا من نوع جديد .  لقد ترك الأنغام الصاخبة التى تصور الحياة (النثرية) ،   وقصد إلى المراعى البعيدة عن الضجيج ، وإلى الغابات الحافلة بالروح والمعنى العميق ، وإلى الجبال الجليلة التى تلهم وتسمو بالنفس ؛ وهناك اطلق لنفسه العنان ،  فأخذت تشدو بأنغام جديدة فى تركيبها ، وإن كانت هى فى طبيعتها صادرة عن القيثارة الأولى نفسها .

لقد أخذت على الأستاذ تيمور فى صفحة كتبها من قبل فى (الثقافة ) أنه يصور الواقع ويقف عنده ، وأنه يكتب

فى دائرة خاصة من المجتمع ، تلك الدائرة الأرستقراطية التى نشأ فيها ؟ وتساءلت : " هل تقف مهمة الأديب الفنان عند حد تصوير الواقع بما فيه من خير أو شر ؟ " ،  ثم تساءلت : " أليست للأديب رسالة يسوقها إلى الناس يحاول أن يرتفع بهم إلى مثله الأعلى؟"

وكنت أرى وأنا أسأل هذين السؤالين أن الأدب المصرى فى حاجة إلى مثل (تيمور) ليشير إلى الآفاق العالية من الفكر ومن العاطفة ، وأن وظيفة الأديب الفنان أن يكون فى قومه فى مقام الحادي إلى الأمام ، لا فى مكان العازف بأنغام الرقص والطرب ، ولا فى مكان المصور الذى يكتفى بتمثيل الواقع ، وترك الصورة بعد ذلك للناس لينظروا إليها ، لا يريد منهم أكثر من النظر إليها والتملى بحسنها والإعجاب ببراعته فى تصويرها . كنت أرى كل ذلك وأتمنى لو أجاب تيمور بإشارة نحو المثل الأعلى يحرك بها الفكر أو العاطفة ، وإن كنت فى قرارة نفسى أحسب أنني أتمنى شيئا لا يمكن إدراكه ، أو أننى أرجو تحولا تأباه طبيعة الفنان وتنفر منه ميوله الخاصة ، ثم قرأت " نداء المجهول " ... أو بدأت أقرؤها . هاهى "مس إيفانز"  الشخص البارز فى القصة . هى " مس إيفانز " السائحة الفرنجية ! .

"مس إيفانز " أيضا . بعد " مس كلارك " فى فرعون الصغير ! وقلت لنفسى متأسفا : " إن هذا الفنان لا يبرأ من تصويره الأرستقراطى البعيد عن روح مصر ، وعن روح شعب مصر! .

ثم واليت القراءة . عجبا ! إن " مس إيفانز " هذه تمثل ناحية عجيبة من الحياة . إنها إنسان بعد كل شئ .   إنها قطعة من الإنسانية التى تمت إلينا بصلة كبرى برغم شخصيتها الأجنبية .

ثم واليت القراءة . ما أعجب هذه السيدة ! إنها تمثل ناحية عميقة من الفكر الإنساني . إنها ليست أجنبية بل

هى أقرب إلى نفسي من أشخاص الحياة . إنها فكرة أحياها الأستاذ تيمور فصارت شخصا .

ولست أستطيع أن أمنع نفسى من أن أظهر عجبي ، أو إن شئت قلت إعجابى بمقدرة تيمور على التصوير .  لقد شهدت له بذلك من قبل . ولكنه كان يصور من قبل أشخاص الحياة الواقعية تصويرا بارعا ، وهو فى القصة الأخيرة إنما يصور حياة خيالية . إنه يصور فيها قصرا خفيا مسحورا فى الجبال . ويصور جحره أو جحوره ، وما فيه من أسرار ، كأنما هو يصور شيئا رآء بعيني راسه .  فان الصورة واضحة ، أكاد أقول إننى رأيتها بعينى .

أليس هذا هو مستوى كاتب مثل ( ريدر هاجرد ) أو  (كونان دويل ) أو (ه . ج . ولز ) ؟ أرجو المعذرة إذا قلت إن تصوير القصر المسحور فى هذه القصة لا يقل براعة عن تصوير (ريدر هاجرد ) فى قصة (كنوز الملك سليمان)

أو فى قصة (عائشة)  . ثم انتهيت من قراءة القصة .  وأى زفرة بعثتها عند ذلك ! لقد مس الأستاذ من النفس  أعمق أعماقها ، عندما عاد بالس إيفانز إلى (القصر المسحور)  فى ثنايا الجبال الوعرة ، تاركه وراءها العالم الصاخب بما فيه من مغريات ولذاذات ، لكى تنعم بالحياة الحقيقية التى امتلأ قلبها بها .

وبعد ، فقد يقول القارئ : " وما هذه القصة؟" .  وقد يقول قائل : " أما كان ينبغي لناقد القصة أن يصفها أو يلخصها قبل أن يتحدث عنها ؟ " ولكن مالى وذلك ؟ فإنى لو فعلت لذهبت بكثير من روائها وسحرها . فليس ينبغى أن يعقل قارئ فى العربية أن يقرأها ويجنى ما فيها من متعة .

وإلى الأستاذ تيمور شكر العربية على جهاد جديد .

اشترك في نشرتنا البريدية