يعتبر الأستاذ محمود بك تيمور ركناً من أركان القصة في الأدب العربي الحديث ؛ وقد أخرج حتى الآن عدة مجاميع قصصية. وأقاصيص الأستاذ تيمور تمتاز بأنها تبرز بعض النواحى من حياة المجتمع المصرى على أنه بعد ذلك يخص الطبقة الدنيا من المجتمع المصرى بكثير من عنايته ، حتى إن أمره ليكاد يشكل على القارئ العادي ، فيخاله يعيش ليله ونهاره ، صباحه ومساءه ، بين تلك الطبقة ، إن لم يظن أنه واحد منهم. ولكن القارئ المتمعن الذى يلاحظ الروح التي تظهر من أقاصيصه بلاحظ في فقه الارستقراطية الرقيمة التى تظهر في طريقة تناوله الموضوع الذي يديره ليخلق منه أجواء قصته
وقد نالت أقاصيص تيمور بك التقدير في دوائر الأدب في جميع بلدان الغرب ، فترجت له بعض الأقاصيص إلى أكثر من لغة ، فترجم المستشرق السويسري الدكتور ويدمار بعض أقاصيصه إلى الألمانية، كما ترجمت له قصته الطويلة الأطلال » مع مجموعة قصص أخرى إلى الفرنسية باسم «غراميات سامی » ، كما ترجمت له بعض الأقاصيص الأخرى إلى بعض اللغات كالايطالية والقوقازية والروسية والتركة.
ويرجع تقدير الدوائر الأدبية لفن الأستاذ تيمور إلى أنه صاحب اقتدار في كتابة الأقصوصة ، وقد ألمع إلى هذه النواحى فى فنه في شيء من التحليل الدكتور اسماعيل أدهم.
وقد صدر حديثاً للأستاذ تيمور رواية قصصية طويلة عن دار المكشوف بيروت ضمن منشوراتها ، موسومة باسم «نداء المجهول»
ودار المكشوف تقدم الآن للأدب العربي المعاصر أروع الآثار الخلقية لأساطين الكتاب العرب وكبار الأدباء السوريين واللبنانيين . وقد صدر عنها أكثر من عشرين كتاباً في مختلف فروع الأدب من شعر وقصص و نقد
ونحن وإن كنا نعجب أشد الإعجاب بجهود الأستاذ تيمور في فن القصة ، ولكن هذا الإعجاب لن يقف في سبيلا ، فيجعلنا نحيد عن الحق ، وتحميل عنه ، بل بقيتنا أن تدقق النظر في العناصر الفنية التى تميز أدب الأستاذ تيمور
الواقع كما سبقت الإشارة - أن الأستاذ تيمور صاحب اقتدار عظيم في كتابة الأقصوصة ، ومعظم أقاصيص الأستاذ تيمور ليست من فن الأقصوصة ، وإنما من فن الصور الأدبية ، ذلك أن الأستاذ تيمور قوة في التصوير الدقيق، فهو ينقل ببراعة الواقعي المراني والمشاهد، والدقائق التي تسترعى النظر ، نقلا يكاد يكون «فوتوغرافيا» لولا أن فيها عنصراً من الحياة والحركة تتمشى ، في أعطافها فتتخيلها قطعة حياة تترجم عما تحتها ؛ ومن هنا جاءت براعة التصوير في فن الأستاذ تيمور . غير أن هذه البراعة على ما تبدو لنا متوقفة على النقل عن النظور معنى أنها تجد لها في العالم الواقعي ما تستند إليه ، فإذا فقد هذا الأصل ، ودارت القصة في أجواء من خلق خياله
فهنالك يخون الأستاذ تيمور قلمه. ومثل هذا الاستعداد وإن كان طبيعياً في أجواء الأقصوصة إلا أنها لا تكفى للقصة ، لأنها بطولها تلزم القصصى أشياء لا يلزمه إياها فمن الأقصوصة . من ذلك الإسهاب في الوصف والتصوير، وف الأستاذ تيمور فى هذا كما قلنا أشبه ما يكون "بفوتوغرافي ، فهو من هنا يمكن أن يقال إنه حسي
أما قصة نداء المجهول فهى قصة جديدة بموضوعها ، فقد ترك الأستاذ تيمور جو المجتمع المصرى وانتقل إلى لبنان، واتخذ منه مسرحاً لجو قصته ، على أن المنحى بعد ذلك لم يتغير في طريقة تناوله للموضوع مع أن الموضوع كان على موقفاً يتطلب شيئاً من الملاءمة بين موضوع القصة وجوها . فأنت تقرأ القصة فلاترى فيها ما يشعرك بأنه قد نقلك إلى جو لبنان ومحيطه ، ولا تقع على شيء من ذلك في القصة مما لا بد منه ، وإن كنت ترى على نقيض ذلك ما يشعرك بجو مصرى خالص .
وإن من يقرأ بعض القصص اللبنانية مثل ( الرغيف ) للأستاذ توفيق يوسف عواد ، أو" كان ما كان" للأستاذ ميخائيل نعيمة يدرك صحة ما ذهبنا إليه
وموضوع القصة يظهر من عنوانها «نداء المجهول » فمس ( إيفانس » بطلة القصة فتاة انجليزية مثقفة ، وهى عازفة من مباهج الحياة الصاخبة، هاربة من المدنية المأجمة، رامية نفسها في حضن الطبيعة ، وهى تجد السرور في عزلتها.
يناديها المجهول فتجرى وراءه .... كأن شيئاً خفياً في أعماق نفسها لا تدرك كنهه يناديها ، فتجرى وراء النداء ... لتلبي
وهناك بعض الشخصيات الأخرى كشخصية الأستاذ كنعان، والشيخ عاد صاحب الفندق ، وقد جلا الأستاذ تیمور شخوص روايته بكثير من اللباقة
وقبل أن تلقى القلم نحب أن نقول كلمة في أسلوب تيمور فأسلوبه رائع لا تكلف فيه ، فهو يترك نفسه على سجيتها ، فتصدر كتاباته من غير كلفة أو تصنع ؛ لهذا كانت كتاباته قريبة من نفوس القراء، ويمتاز أسلوبه بالسلاسة والجزالة . ولا شك أن من يقرأ هذه الرواية يجد فيها كثيراً من اللذة والمتاع (الإسكندرية)

