الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 50الرجوع إلى "الثقافة"

فى عالم التأليف، نيتشه

Share

منذ أربع سنوات أو يزيد ، كنت أتحدث فى كلية الآداب إلى أبناء الأمس وزملاء اليوم عن حظ الدراسات الفلسفية فى مصر فى الخمسين سنة الأخيرة ؛ وكنا حين ذلك ننعى حظها ونلاحظ أنها مهملة من الخاصة ، ومجهولة من العامة ؛ فالنظم التعليمية لا تأخذ بيدها ، ولا تحاول نشرها ، والجمهور ينفر منها ولا يعنى بتفهمها . وكأن المشتغلين بالفلسفة إزاء هذا الاعراض لم يجرؤوا على أن يكتبوا فيها ويؤلفوا ، بل خلوا الميدان لطائفة اخرى ليس لديها من التعاليم الفلسفية الحقة قسط كبر ، فأخذت تقدم للقراء فى الصحف اليومية أو المجلات الأسبوعية بحوثا لا تدل مطلقا على أن أصحابها نفذوا إلى صميمها ، وأدركوا تماما كنهها ، وبذا بدت الفلسفة فى ثوب مشوه منقوص ، أقل ما يقال عنه أنه زاد الناس فيها بغضا وعنها إعراضا .

وقد انتهيت فى حديثى هذا إلى أن الدراسات الفلسفية ذات دخل كبير فى الثقافة العامة التى ننشدها ، ولها أثر يعتد به فى تربية الشباب تربية عقلية وروحية .  ودعوت إلى أن نتذوق الفلسفة ونذيقها للناس ، لأن الحياة تملى علينا درسها ، والعلم الصحيح يعتمد عليها ، والأدب الراقى ينهل من حياضها .  وأعلنت أنه لا سبيل إلى النهوض بها إلا إن توفرت لدينا بحوث فلسفية سهلة يجد فيها العامة غذاءهم ومتعتهم ، وأخرى دقيقة يشحذ فيها الخاصة

أذهانهم . فشخصية كسقراط مثلا يمكن أن تقدم لجمهور القراء فى قالب قصصى جذاب ، بل  يمكن أن تكون  موضوعا لمسرحية شائقة ، كما يمكن أن تصاغ صوغا علميا منظما ؛ وما أحوجنا إلى هاتين الناحيتين إن كنا نريد للتعاليم الفلسفية أن تنفذ إلى مختلف الطبقات ، وأن يأخذ كل منها بنصيب .

ومن حسن الحظ أنه لم تمض سنوات حتى رأينا أحد أبناء كلية الآداب يضطلع بقسط من أعباء هذا الواجب ، ويحاول إنجاز شطر من هذه المهمة . وهذا الابن البار هو الأستاذ عبد الرحمن بدون الذى كان دائما موضع ثقة أساتذته ومبعث الأمل والرجاء فيهم . لم يكد يتم سنوات الدرس والطلب حتى بدأ يعد مشروعا ضخما يرمى إلى عرض " خلاصة الفكر الأوربى " على القارئ المصرى . وهاهو ذا يتحدث عن مشروعه قائلا : " ليس من شك فى أن هذا الوطن فى أشد الحاجة إلى الثورة الروحية على ما ألف من قيم ، وما اصطلح عليه حتى الآن من أوضاع ؛ فى أشد الحاجة إلى أن يطرح هذه النظرة القديمة فى الوجود وفى الحياة ، كى يضع مكانها نظرة أخرى ، كلها خصب ، وكلها قوة ، وكلها حياة ؛ وفيها تعبير واضح عن كل ما يخالج ضميره من مطامح نحو السمو ونحو العلاء ، وشعور حى نابض بالنزوع إلى تطور روحى هائل ، تصاعد فيه قواه مندفعة متوترة ، حادة متوثبة ، خالقة تبدع فى كل طور من

أطوار هذا التصاعد صورا للوجود خصبة سامية ، وقيما للحياة جليلة عالية : فى الايمان بها إيمان بإمكان خلق جيل من أبنائه عظيم ، وفى تحقيقها تحقيق لمنوع من الحضارة زاهر ممتاز " .

ولكى يساعد على تحقيق هذا التطور وتكوين تلك النظرة الجديدة فى الوجود والحياة ، رأى أن يقدم إلى جمهور القراء صورا سامية من الفكر الأوربى كان لها أثرها الفعال فى تطور الأمم الغربية ماديا وأدبيا والنهوض بها عقليا وروحيا . ولجأ إلى الفلاسفة والمفكرين والشعراء ، متخيرا من بينهم " أقدرهم على الإلهام وإثارة التفكير ، وأقربهم إلى روح العصر ، وأعظمهم أثرا فى تطور أوربا الروحى ، وأشدهم عناية بمشاكل الإنسانية الحقيقية ، وأحرصهم على أن يكون فكرهم حيا ينضب بدماء الحياة ، خصبا يقدر على النمو من بعدهم والإنتاج ، جريئا يهاجم المشكلات ، حرا يبدد ما قدس من أوهام " .

مشروع هائل كما ترى ، وجل ما نخشى عليه أن يكون من طراز تلك المشروعات الضخمة التى فتنا بها فى السنوات الأخيرة ، وعنينا بوضعها و(تصميمها) أكثر مما عنينا بوسائل تطبيقها وتنفيذها ، لا سيما وواضع المشروع من شباب المؤلفين ، والشباب مملوء دائما بالآمال العذبة والأحلام اللذيذة . وما كان أجدره بأن يقف نفسه على جماعة الفلاسفة فى مختلف العصور ، وهو ألصق بهم وأقرب إليهم ، فيقدم لنا عنهم ما راق لديه من آراء وأفكار ، أو أن يتخير عصرا ما فيعرضه علينا فى متنوع ألوانه ومتعدد أشكاله . ومهما يكن من أمر توجسنا وخيفتنا فإن صاحب الفكرة بدأ فى تنفيذها بكيفية تثير الغبطة وتبعث فى النفس الطمأنينة والأمل .

فقد افتتح سلسلته الفلسفية بصورة - كما يقول عنها بحق - " حية قوية فيها عنف وفيها قسوة ، وفيها تناقض وفيها اضطراب ، وفيها خصب وفيها حياة . تخيرها وهو يعلم مقدما أنا لن نطمئن إليها ، وأن الكثير من القلق

سيساور أنفسنا بإزائها ، وأن أعيننا ستتسع دهشة واستغرابا ، وقلوبنا ستهتز جزعا منها وقشعريرة ؛ ولكنه يعلم أيضا أن هذه الهزة هى القادرة وحدها على انتشالنا من ظلمة الهوة التى نحن فيها إلى حيث نور الفكر الحر ، والنظر الصحيح إلى الأشياء ، وأن هذه القشعريرة هى الخليقة وحدها بأن تدفعنا إلى الخلق المستمر والإبداع . وتلك الصورة صورة فكر نيتشه " .

حقا أن نيتشة شخصية غريبة في بابها بين مفكرى القرن التاسع عشر ؛ فى حياته ما يبعث على الأسى والحسرة، وفيها ما يثير المقت والكراهية ؛ وفى آرائه ما يخرج على المألوف ويحارب العقل والمنطق ويهدم المبادئ المسلمة ؛ ولكنه بعد أن يأتى على معالم الكون يعود فينشئه نشأة أخرى ، ويخلقه خلقا جديدا . هو فيلسوف الغريزة الجامحة التى تعتد بالعنف والقوة وتسخر مما اصطلحنا عليه من مثل عليا أو ما نردده من حجة وبرهان ؛ وتصير الحياة المملوءة بالنشاط والحرارة ، فهى كالسيل الجارف الذى لا يعترضه معترض ولا يصده صاد ؛ وداعية إلى تطور يقضى بحركة لا نهائية وتغير لا ينقطع ؛ وهذا التغير وتلك الحركة هما وسيلة السعادة والكمال . هذه الآراء ، على الرغم من أنها تدعو إلى الثورة ، تفتح باب الأمل وتتعلق بأهداب المستقبل ، فهى تدفع الانسان عنها حينا ثم تجذبه ، وتستثيره لحظة ثم لا تلبث أن تهدئ روعه .

ولقد نجح الأستاذ بدوى فى أن يرسم من حياة نيتشه وأهم آرائه لوحة صادقة الملامح زاهية الألوان ، وأن يصوغ ذلك كله فى قالب قصة لا يكاد القارئ يبتدئها حتى يرغب فى متابعتها إلى النهاية ؛ فلم يشأ أن يكون المؤلف الذى يعني بالعد والترقيم والتنظيم والتبويب ، بل أبى إلا أن يكون الكاتب والأديب الذى يشغله الأسلوب الشائق ، والخيال الرائع ، والعبارات الرصينة . وقد وفق فى هذا إلى حد كبير ؛ اللهم إلا هنات هينات ما كنا نود أن يقع فيها ، ولا نحب أن ندخل فى تفاصيلها ؛ ويخيل إلينا أن سرعة

النشر هى التى قضت عليه بها ، وأملنا كبير فى أن يتداركها فى الطبعة التالية إن شاء الله .  وما كان لشخص أن يكتب عن نيتشه دون أن يتخير أسلوبه ينتقى عبارته ، فإنه يعد بين كتاب الألمان الأول فى القرن التاسع عشر ؛ ولقد انتهى به الأمر - فيما يحكى عن نفسه - أنه ما كان يصوغ أفكاره فى ألفاظ وعبارات ، بل يقدمها فى وحى ولمحات .

وإذا كان كتاب " نيتشه " أقرب إلى العرض الأدبى منه إلى البحث الفنى ، فليس ثمة مجال لأن نتحدث عما جاء فيه من مصطلحات أو ألفاظ أريد بها أداء معان جديدة ؛ ومع ذلك فقد بذل المؤلف فى هذه الناحية مجهودا يذكر ، فعرب بعض الكلمات الأجنبية تعريبا موفقا ، واقترح لبعض المعانى ألفاظا تلائمها ؛ وفلسفة المعاصرين - كما نعلم - ليست يسيرة النقل إلى اللغة العربية . بيد انه سيرا مع طريقته الانشائية لم يبرز هذا المجهود للقراء ، ولم يحاول أن يقابل الكلمات الأجنبية بما اقترحه لها من ألفاظ عربية ، ليبين إلى أى حد وفق فى ترجمته ، وليقدم لنا ثروة تنفع لا محالة فى المستقبل .

هذا هو كتاب " نيتشه " من الناحية الشكلية ؛ وليس صاحبه أقل توفيقا فى موضوعه منه فى طريقة عرضه ؛ فقد وقف فيه عدة فصول على حياة نيتشه ، فحللها تحليلا دقيقا ، ورسمها رسما كاملا ، وبين مختلف العوامل التى أثرت فى تكوين شخصيته ، وخاصة علاقته بفاجنر وشوبنهاور . غير أنا نعتقد أنه لم يتأثر بالتفكير الألمانى وحده ، بل سرت إليه أيضا عدوى الأفكار الانجليزية والفرنسية المعاصرة ؛ لهذا كنا نود أن يربط نيتشه ببيئته الألمانية الخاصة ، ثم يبين مقدار اتصاله بالبيئة العلمية والفلسفية العامة .

وقد حاول المؤلف أن يتدارك هذا بعض الشئ فى ذلك الفصل القيم ، الذى عقده للقرن التاسع عشر ، وأجاد

فيه كثيرا ؛ وليس بغريب عليه أن يتحدث عن هذا القرن حديث الخبير به الملم بأطرافه ، وخاصة ما اتصل منها بالثقافة الألمانية ؛ فقد تفرغ لدراسته منذ عام أو يزيد .  لهذا تراه يقدم لنا فى نحو عشرين صفحة الاتجاهات الفكرية المهمة ، والتيارات الفلسفية الرئيسية التى تفصله عن القرن الذى قبله ، ويبين لنا ما عده أعراض انحلال بلى بها من عاشوا فيه .

فاذا ما انتقل إلى آراء نيتشه ساقها فى قالبها التهكمى الهجومى ، فرغب فى ان يحطم معه أصنام الأخلاق والفلسفة ، وأن يملى على الناس وحى زرادست المملوء قوة وجبروتا والداعى إلى التعلق بأهداب الحياة والتمسك بهذا الوجود الذى يجب أن نظل معه للأرض مخلصين . وجميل من الروائى أن يتقمص روح بطله ، ومن المحاى المدر ، أن يضع نفسه تماما فى مكان موكله . ولكنا كنا نود من المؤلف أن يهاجم نيتشه الذى هاجم من سبقوه ، وأن يتهكم بذلك الذى لم يدخر وسعا فى التهكم بالآخرين ؛ كنا نود منه فى اختصار أن يتذرع بسلاح النقد فى دراسة شخصية أبت إلا أن تنقد كل شئ .

وبعد ، فلعلى أطلت على غير إرادة ، وأطنبت فى غير ما داع ؛ وألذ شىء لدى الانسان أن يتحدث عن أبنائه بالأمس وزملائه اليوم . وإنى لكبير الأمل فى أن أتحدث عن الأستاذ بدوى من حين لآخر حديثا مملوءا دائما بالسرور والغبطة والتقدير والاعجاب .

اشترك في نشرتنا البريدية