الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 37الرجوع إلى "الثقافة"

فى عالم التاليف، معاجمنا اللغوية

Share

١- تمهيد:

خذ بيمناك أول معجم لغوي من وضع العرب ، أي كتاب (العين)، وخذ ييسراك آخر ديوان ضادي أخرج لابناء هذه اللغة الشريفة وهو (البستان)؛ تر بينهما بونا عقليا ، وما الفرق بين الثري والثريا إلا فرقا ضئيلا يترجم لك ما انحطت إليه تآليفنا في هذا الموضوع . ثم ضع بين يديك معاجم الامم الحديثة واسفارهم الصفة في هذا المبحث في مختلف لغاهم ، كالأنكليز والألمان والفرنسين والايطاليين والأسبانبين ، تجد بونا آخر هو يون السبق إلي كل ما جارونا فيه .

كان السلف الصالح أول من نظم فرائد المفردات على النحو الذي فكر فيه الخليل ، فأخرجه إلي بصراء القوم وحذاقهم الليث . أقول " أول من فكر في نظم فرائد الفردات على النحو الذي فكر فيه الخليل " لأن الصينيين والهنود وبعض الامم الشرقية سبقوا ابناء مصر إلى جمع ألفاظ كلامهم ، لكن على غير النحو الذي جري طلقهم فيه .

ولهذا كان لأبناء عدنان شرف السبق في هذا المضمار الذي نتهك فيه اقوى الحياد غير جيادهم ، وتشكل ارفعها حضرا في الحلبة ، حاشا حصتهم العراب . على ان هذا الكلام المجمل لا ينجلي مبهمه إلا بالموازنة بين المعجم الاول

والمعجم الأخير ، والمقابلة بينهما ، حتى لا يقال علينا إننا نرمي الكلام علي عواهنه .

٢ - مزايا كتاب ( العين ) :

كتاب ( العين ) كتاب متن للغة العربية . وأول من فكر في تأليفه نابغة العرب ، بل نابغة النوابغ ( الخليل بن أحمد الفراهيدى ) ، ذيالك الباقعة الذي عقمت الديار العدنانية عن ان تلد ندا له إلى عهدنا هذا . فالخليل هو الذي خطط لخريجه الليث بن الظفر بن نصر بن سيار الخراساني خطة المعجم المعروف بكتاب ( العين ) وتين له الوجه الذي يسير عليه ، ورتبه ترتيبا فلسفيا على مخارج الحروف ، مبتدئا بأول حرف الخلق وهو ( العين ) وذاكرا في بابه جميع الكلم الواردة فيه العين ، إن في الصدر ، وإن في القلب ، وإن في الطرف .

قال الخليل في صدر المقدمة : " هذا ما ألفه الخليل بن أحمد البصري ، رحمة الله عليه ، من حروف ا ، ب ، ت ، ث مع ما تكملت به ، فكان مدار كلام العرب والفاظهم ولا يخرج منها عنه شيء . وقد اراد ان تعرف بها العرب أشعارها ، وأمثالها ، ومخاطباتها ، والا يشد عنه شيء من ذلك .

" فأعمل فكره فيه فلم يمكنه أن يبتدئ بالتأليف من أول ا ، ب ، ت ، ث ، وهو الألف ، لأن الألف حرف

معتل ، فلما فاته الحرف الأول ، كره أن يبتديء بالثاني ، وهو الباء ، إلا بعد حجة واستقصاء للنظر ، فتدبر ونظر إلي الحروف كلها ، وذاقها ، فصبر اولاها بالابتداء ادخل حرف منها في الحلق . وإنما كان ذواقه إياها ، انه كان بفتح فاء بالألف ، ثم يظهر الحرف نحو اب ، ات ، ١ اث اح ، اع ، اغ . فوجد العين ادخل الحروف في الحلق ، فجعلها أول الكتاب " ثم ما قرب منها الارفع فالإرفع حتى أتي علي آخرها ، وهو الميم .

" فإذا سئلت عن كلمة وأردت أن تعرف موضعها ، فانظر إلي حروف الكلمة ، فمهما وجدت منها واحدا في الكتاب المقدم ، فهو في ذلك الكتاب .

" وقلب الخليل : ا ، ب ، ن ، ث ، فوضعها على قدر مخرجها من الحلق . وهذا تأليفه : ع ، ح ، ه ، خ ، غ - ق ، ك - ج ، ش ، ض - ص ، س ، ز - ط ، ت ، د - ظ ، ذ ، ث - ر ، ل ، ن - ف ، ب ، م - و ، ا ، ي " . انتهي المقصود من إيراده .

والمقدمة طويلة كلها على هذا النفس الدال على ما وصلت إليه أفكاره الفلسفية فيما يتعلق بالحروف ومخارج أصواتها والالة التي تبرزها ، حتى شهد حذاق هذا العصر بمعرفة علم الأصوات ، أن ذلك الباقعة كان من أنبغ النوابغ في معرفة الأهجية ومخارجها ومساقطها من مواطن آلة الصوت . ولم يبلغ الغربيون هذا المبلغ من اتقان أحكام الأصوات إلا من بعد ان مضت القرون ، وتتابعت العصور والدهور فهذا وحده على ما كان عليه ذلك الباقمة الداهية

ومزية كتاب ( العين ) الثانية أن أغلب ما ورد فيه من الألفاظ الغريبة مبني علي شواهد مأخوذة من شعر العرب الجاهلي ، وأمثالهم ، ومخاطباتهم ، والآيات القرآنية ، والأحاديث النبوية الصحيحة التي لا يخامرها شك ؛ وأما ما لم يحتج إلي تاييده بالشواهد فمأخوذ من الكلام المالوف الجاري علي السنة جميع قبائل العرب ، وليس فيه ادني شبهة

لعموم انتشاره بينها . وهذا كاف للأخذ والتمسك به بلا أدنى إنكار .

والخليل توفي سنة ١٧٥ لهجرة ( ٧٩١ م ) ، وخريجه الليث بقي حيا بعده ، إلا أننا لم نظفر بسنة وفاته في المهارق التي وقعت بأيدينا ، ولم نعلم قدر السنين التي طوى بساطها بعد أستاذه الجليل الخليل .

ومن مزايا كتاب ( العين ) ايضا انك لا تجد فيه كلاما بذيئا إلا فيما ندر ، ولا لغوا ، ولا ألفاظا يستغني منها بحذفها ، بل نجد كل ما تقع عليه ، محكم الرصف والوضع والترتيب البديع ، حتى إن فقهاء اللغة الدين جاؤوا بعده ، واقتبسوا منه ، لم يتمكنوا من ان يأتوا بمثله . وبقيت اندية الأدب تتناقله وتتناسخه ونتفاخر باقتنائه وتعتز به ، حتى جاءته ضربة كادت تكون القاضية عليه قضاء مبرما .

فقلت منذ ذلك الحين نسخه ، وزهد الأدباء في اقتنائه ، بل اخذ كل شاد في الأدب ، وكل ناد من اندية العرب ، في نحت أثلته ، والتشنيع علي صاحبه الليث ، والنسيل من عرضه وشرفه وعلمه . فأصبحت نسخة بعد هذه النازلة الفادحة ، أندر من الغراب الأعصم ، لا بل كعنقاء مغرب ،

أما هذه الطائمة الكبرى التى نزلت بكتاب ( العين ) ، وبصاحبه ( الليث ) فهي ان ابا منصور محمد بن أحمد المشهور ( بالأزهري ) ، ألف معجما سماه ( التهذيب ) ، كان قالية الأفاعي ، لأنه اتبعه بديوان آخر ، وسمه ( بالتكملة ) . والتسمية الأولى تدل على ان ابا منصور وضع تصنيفة تهذيبا ( للعين ) . وتعين التسمية الآخرة أنه أكمل ما شرع به في ( التهذيب ) من تصحيح العين ، ولهذا سماه ( التكملة ) لكن الأزهري لم يكن حسن النية والقصد فيما وضعه ، بل كان عزمه الأول التشنيع على الليث ، وضربه ضربا اليما مبرحا حيثما تقع عليه يده، ولا يبالي اكان ضربه هذا صفعا أم لطسا أم لطشا أم لطيما أم لكما أم قفخا أم كسعا . .

ودليلنا على ذلك ان الازهري لم يقوم اود زميله وسابقه في الحلية ، بل اشبعه الفاظا فارصة وتعبيرا قاسيا ، ولهذا أكثر كامن الحقد عليه ، حتى في المعجبين به .

إن ابن مكرم مثلا او ابن منظور الإفريقي صاحب لسان العرب من المقدرين لعلم الأزهري وتفوقه في اللغة على سواء في عصره ، وقد نقل عنه نحو نصف كتابه او اكثر لاعتماده عليه ، ومع ذلك تراه يذمه في بعض الأحايين .

فقد قال في مادة ( ع م ر ) ما هذا نصه بحروفه في الكلام على العمرين : " قال الأزهري : العمران : أبو بكر وعمر ، غلب عمر لأنه أخف الأسمين . قال : فإن قيل : كيف بديء بعمر قبل أبي بكر ، وهو قبله ، وهو أفضل منه ؟ فإن العرب تفعل هذا ، يبدأون بالأخس . يقولون : ربيعة ومضر ، وسليم وعامر ، ولم يترك قليلا ولا كثيرا . ( قال محمد بن مكرم ) : هذه الكلام من الأزهري فيه افتيات علي عمر ، رضي الله عنه ، وهو قوله : إن العرب يبدأون بالأخس . ولقد كان له غنية عن إطلاق هذا اللفظ الذي لا يليق بجلالة هذا الموضع التشرف بهذين الاسمين الكريمين في مثال مضروب لعمر رضي الله عنه . وكان قوله : غلب عمر لأنه أخف الاسمين يكفيه ، ولا يتعرض إلي هجنة هذه العبارة ، وحيث اضطر إلي مثل ذلك ، وأحوج نفسه إلي حجة أخري ، فلقد كان قياد الألفاظ بيده ، وكان يمكنه أن يقول : إن العرب يقدمون المفضول أو يؤخرون الأفضل ، أو الأشرف ، أو يبدأون بالمشروف . وأما أفعل على هذه الصيغة ، فان إتيانه بها ، دل علي قلة مبالاته بما يطلقه من الألفاظ في حق الصحابة ، رضي الله عنهم . وإن كان أبو بكر ، رضي الله عنه ، أفضل ، فلا يقال عن عمر ، رضي الله عنه : أخس . عفا الله عنا وعنه " انتهي .

ونحن لا نريد أن نكثر من ذكر الشواهد في هذا الموضوع ، فإنها جمة . ويستطيع كل منا الرجوع إلي

مطالعة اللسان ليري فيه العجب الصحاب .

لكن هذا الاجراء لا يمتنعنا من ذكر شئ من نقد الأزهري لليث . قال في مادة ( خ ص ب ) : الخصب ( ومضبوطة ضبط قلم بكسر الخاء المعجمة وإسكان الصاد المهملة وفي الاخر ياء موحدة تحتية ) : حية بيضاء تكون في الجبل ، قال الأزهري : وهذا تصحيف وصوابه الحضب بالحاء والضاد . وقال : وهذه الحروف وما شاكلها ، اراها منقولة من صحف سقيمة إلي كتاب الليث ، وزيدت فيه . ومن نقلها لم يعرف العربية ، فصحف وغير فأكثر" أ.

على أن الخصب بمعنى حية بيضاء جيلية وارده أيضا في قاموس الفيروزابادي ، إلا انه ضبطها بضم الأول في هذا المعنى . ونظن الصواب مع اللسان لأن الكلمة من قبيل احتباء التصحيف ، اي ان نقطة الكلمة تنتقل من حرف إلي حرف ، فقد قالوا مثلا : العيوب ، والعرب ، والعتزب ( أي السماق ) ، وقالوا : الحال ، والخال ، والجال بمعني الراية . وقالوا : بشق المسافر ، وصححه بعضهم فقالوا : والصواب : لشق أو لسق او شق أو مشق او نشق ، ومثل هذه التصحيفات كثيرة ، وسببها تشابه الحروف بعضها لبعض .

وهناك سبب اخر ، هو ان الخصب للحية تجانس  اليونانية aspis ، فإذا حذفنا من آخرها is وهي علامة الإعراب عندهم راينا الكلمتين واحدة في اللفظ والمعنى ، اي خصب او حضف ، وبلسان العلم coluber haie وقد قال العلامة بوازاق e. boisacq في أصل الكلمة اليونانية مجهول ، وقد ظن لأوي lewy ان الكلمة عبرية النجار من " صفا " اي الاصلة . ونحن نقول إنها من العربية كما تري .

على ان صواب ضبط الحصب بمعني الحضب ، لحية بيضاء ، كسر الحاء لاضعها ، كما في القاموس ، لأن

ثم تصحيفا آخر وهو الحضف ، وقد ضبطها صاحب القاموس نفسه بكسر الحاء ، وهذا يدل على أن ضبطه الأول ( أي الخصب ) في باب الباء غير صحيح فليصلح ، ولم ينبه عليه أحد .

وتجتزي بهذا التلميح ، عن الامعان في التصحيح والتصريح لكي لا تثير الملل في صدور القراء . وهذا بعض ما يقال في كتاب ( العين ) ، فلننتقل الآن إلي خصائص ( البستان ) معجم الشيخ عبد الله البستاني ، وهو اخر ما جاء لتدوين لغة الضاد ( للمقال بقية )

اشترك في نشرتنا البريدية