أخرج الأستاذ الجليل محمود تيمور مجموعة قصصه الأخيرة بعنوان " فرعون الصغير ، وقصص اخري وإنه لما يشعر بالفخر ان نجد بين ظهرانينا ادبيا يخرج لنا مجموعة من القصص ، تجمع بين المقدرة الفنية والجمال الادبي ما تجمعه هذه القصص الرائعة !
هذه كلمة لإعجاب لم نستطع أن نملكها عندما انتهينا من قراءة الكتاب ، وهي كلمة لابد لنا من ان نضعها بين يدي نقدنا ، حتى لا يلهينا اداء واجب الصدق في النقد عن اداء واجب الصدق في الإعجاب والتقدير والترحيب .
ولسنا نريد أن نجمل إعجابنا جزافا من نوع ما اعتاد الأصدقاء ان يتقارضوه فيما بينهم من التقريظ والمدح ، فان إجلالنا للاستاذ تيمور اعظم من ذلك القدر واعلي من ذلك المستوي . ولهذا نتناول المواضع التي رايناها جديرة بالإعجاب في شئ من الأفاضة ، كما نتنال المواضع التي رأيناها جديرة بالنقد في شئ من التفصيل كذلك .
يمتاز أسلوب الأستاذ تيمور بصفة نظن أنها تميزه عن كل اسلوب قصصي آخر . فالقارئ لا يستطيع ان يميز بين حديثه وقصته . فهو يرسل قلمه إرسالا بغير تكلف ، ويضفى على قصصه من الالوان الطبيعية ما يجعل القارئ في شك من امره ؛ اهو يقرا قصة خيالية ام يقرأ وصفا
لحادثة فعلية وقعت المؤلف ، او حدثت تحت سمعه وبصره .
كتب الأستاذ تيمور لكتابه مقدمة جليلة تحدث فيها عن نفسه ، وعن المصادر التي الهمته الكتابة ، ثم انتقل بعد هذه المقدمة إلى أول قصة من مجموعته . فلولا ان هناك صفحة بيضاء تدل على أن المقدمة قد انتهت ، وأن القصص قد ابتدأ ، لحسب القارئ أن تلك القصة ما هي إلا تكملة لحديث المؤلف في مقدمته عن بعض الأحداث التي وقعت له وأثرت في نفسه . هكذا كان أسلوبه القصصي طبيعيا ، وهكذا كانت الصورة التي في القصة متلائمة مع الصورة التى صورها المؤلف لنفسه في سياق المقدمة . ولسنا نقدر إلا أن نهنيء الأستاذ تيمور على توفقه الكبير في عذوبة الأسلوب ووضوحه ، ومرونته الطبيعية وصدق الوانه ، وجمال ذوقها وتناسقها .
ولكن للقصص التي أخرجها الأستاذ تيمور صفة اخري تميزها ، واظن ان جميع قصص الاستاذ تيمور تشترك في هذه الصفة . وهي أنها قصص ارستقراطية . تقصد بذلك أن نظرة أهم أشخاص تلك القصص هى نظرة طبقة الخاصة من الناس ، تلك الطبقة الميسورة الرزق ، التى تعيش احيانا عيشة الترف الهادي ، واحيانا عيشة المجون ، واحيانا عيشة السعة المهذبة المثقفة ، واحيانا عيشة
السيادة ، واحيانا عيشة الضعف والخمول ، فإذا كانت الوان القصص حية ناضرة طبيعية ، فانها من جهة اخري لا تمثل كل الوان الحياة المصرية ، بل تمثل ناحية واحدة منها ، وقد لا تكون تلك اهم نواحي الحياة واجدرها بالفن .
وهذا الموضع أليق المواضع لاثارة مسألة كانت دائما موضع جدل طويل بين النقاد والأدباء ؛ فالنقاد بصرون على تقسيم الادباء إلي مدارس ومذاهب . والأدباء يرفضون ان تقيدهم حدود ، أو تستبد بهم أقسام . فهل من الواجب على الناقد ان يحدد المدرسة التي ينتمي إليها الادب المنقود ؟ او هل من الضروري ان يكون لكل اديب مدرسة ينتمي إليها ؟ او يقول آخر : هل من الضروري دائما ان يقول الناقد إن هذا اديب واقعي ، وهذا رمزي وهذا مثلي ؟
لقد كانت هذه حيلة قديمة لجأ إليها النقاد لكي يسهل عليهم مؤاخذة الأدباء على مقتضي قواعد ثابتة ومصطلحات متعارف عليها . ولكن الأدباء كانوا دائما ينفرون من تلك القيود ، ويأبون إلا ان يضموا انفسهم فوق مرتبة من يدعون الحق في مؤاخذتهم . وقديما قال الاديب للناقدين : " علينا ان نقول وعليكم ان تحتجوا بما نقول " وحديثا قال الأستاذ تيمور في مقدمة كتابه ليقطع الطريق على الناقدين : " اعتقد ان الآديب يجب إلا يفيد نفسه في التأليف بمذهب يتمذهب به ، فالأدب ميدان فسيح على الكاتب ان يمرح فيه طليقا ، فليرسل روحه على سجيتها فما المذاهب الأدبية إلا من صنع النقاد لا من صنع الأدباء ، وضعوها لينظموا بها فنهم ، ويخضعوه لقوانين منطقية ،
هكذا قال الأستاذ تيمور في مقدمته لكي يضع ناقده في الميدان الفسيح ، ويقف دونه طليقا من تلك الحدود التي يحب الناقدون ان يحصروا فيها الأدباء تسهيلا لعملهم وتوخيا لاقصر الطرق إلي قصدهم . ولكنا مع ذلك
لا نقدر إلا أن نضع الأستاذ في دائرة محدودة ، رغم احتجاجه ورفضه . وذلك لأننا لا نملك إلا أن نصفه ونصف أسلوبه وطريقته ، ولا يمكن ان نصل إلي ذلك القصد إلا بأن تحدده وتحصره في دائرة معينة
بصف الأستاذ تيمور في قصته ( فرعون الصغير ) سيدة أمريكية - مسز كارك - وهي امرأة عجيبة ، تعيش حياتها المنعمة الشعرية ، فإذا بالصورة التى يخلقها صورة حية خفافة القلب ، حارة الدم ، يكاد القارئ يظن أنه قد رآها مرة في أيام الماضي البعيد . لأن صورتها تحتل مكانها في ذهنه مع ذكريات الأشخاص الذين عاشرهم ، وانس إليهم ، ويصف الاستاذ صورة الشيخ المتصابي الذي تزوج الفتاة الشابة الجميلة رشدية وهو في سن الخمسين ، فيصف لونا من ألوان الحياة الصادقة لا يكاد القارئ يحسب إلا انه يسمع قصة رجل يحكي ما وقع له في مجلس مع صديق .
وهكذا ينتقل المؤلف من منظر إلي منظر ، وهو في كل حالة يصور صورة صادقة تمتزج فيها الألوان امتزاجا سحريا ، فلا يبدو فيها ما يشعر بأنها صورة مصنوعة ، بل هي خلقة طبيعية تتحرك وتتنفس وتحيا .
فالأستاذ تيمور مبدع في تصويره - ذلك الإبداع الذي لا يوافي إلا عبارة اهل الأدب والفن الذين وهبهم الله طريقة الخلق والأنشاء . فإذا كنا قد اصبنا الحقيقة في تقدير فن الأستاذ تيمور كان لا بد لنا أن نحكم بأنه في جملته وتفصيله كاتب واقعي ، بارع في تصوير ما يقع تحت حسه أو يصل إلى دائرة علمه .
ولكنا نتساءل مرة أخري : هل للأديب رسالة ؟ هل وظيفة الأديب ان يصف الواقع ليسهر الانظار بمهارته ويمتع النفوس بالنظر إلي لوحاته التي يخرجها ؟
هناك صورة بديعة حقا - صورة تكاد تتكلم
فإذا رآها الانسان لم يملك إلا أن يظهر إعجابه وافتتانه . فهل ادي الفنان واجبه بإخراج هذه الصورة والحصول على الاعجاب بها ؟
والصورة الفنية الرائعة فوق ذلك لها وقع حسن في النفوس . والقصة البديعة تدخل البهجة والسرور إذا قرأها الانسان في وقت من أوقات الفراغ والأسلوب الرائع يغذي النفس بحاجتها إلي الجمال ، ويشع فيها الرغبة المتطلعة إلي التغني بالسعادة . هذا كله لاشك فيه . ولكن هل انتهت مهمة الأديب إلي توفير السرور وإثارة الأحساس بالجمال الفني ؛ اعتقد أن هذا الأمر لا يمكن أن يخلو من اختلاف الرأي ، وأعتقد أن لكل وجهة من وجهات النظر حظا من الصدق . وقد اختلف النقاد والأدباء وذهبوا في هذه المسألة مذاهب شتي ، ولكنى مع ذلك كله اعتقد أن للآديب مهمة فوق مهمة الإمتاع وإدخال السعادة وإشباع النفوس بالجمال الفني واعتقد بنوع خاص اننا في عصرنا الحاضر في حاجة إلي الأديب الذي يخطو خطوة أخرى وراء هذا الحد من الامتناع .
لا شك في أن المسز كلارك شخصية جذابة ولا شك في ان صورتها صورة بديعة ، ولكن تأملها لا يحرك إلي مثل اعلي - نقرا القصة ونعجب بها ، ولكنها لا تهزنا إلي عبرة ، ولا تبعث فينا سموا إلي مستوي أعلي لا تبعث فينا رغبة في التخلص من شيء ، ولا الحصول علي شئ . لا تبعث في أنفسنا حركة من الآراء ولا من الامال فهي صورة جميلة ، ولكنها صورة غير فاعلة .
ويمكننا أن نقول مثل هذا عن سائر أشخاص القصص الآخري . فالمؤلف لم يقصد شيئا علي ما يلوح من وراء الصور التي يبدعها ، فهو يصور ويبدع ويخلق خلقا مجيدا ولكنه يختار أشخاصا ليصورها كما هي ، صورا بديعة ، ساحرة تثير الاعجاب فحسب . وقد نشأ
من هذا أحيانا بأن بعض القصص تنطوي علي بعض مناظر مما قد ينتقده المصلح الخلقى . فالاستاذ في تصويره لا يرمي إلى شيء غير الأمانة في التصوير والإجادة فيه . ولا يعبأ بعد ذلك ان تكون الصورة عارية او مستورة ، ولا يبالي ان يصور الشوهاء او الجميلة ما دامت الصورة التي يخرجها صورة متقنة طبيعية بديعة
فالمسز كلارك ( تصيد ) الشاب لتقضي معه ليلة لذيذة بارعة الجمال والشيخ المتصابى يتزوج الفتاة الشابة الجميلة ، وتبيعه الشابة قلبها مع أنها قد وقفته على ابن عمها المسكين الذي قضى في شبابه ، ثم لا تلبث ان تثور على نفسها وتهرب إلى حيث لا يدرى احد وغانية الحانة التي نشات كالزهرة النامية في كوم المزبلة تصبح بطلة قصة بديعة ملأي بالالوان الساحرة . والزوجة التي لا تحب زوجها تدفعها الشكوك أخيرا إلي العودة إلي زوجها وإحلاله في قلبها محله ، وتذهب مع زوجها في نزهة نيلية بديعة ، يحتسيان فيها كؤوس الشمبانيا .
هذه كلها وسواها من صور القصص يتمثل فيها الوصف البارع الوافي الذي لا يقصد من ورائه قصد اخر غير الإبداع والاتقان . فهل ينتهي واجب الأديب عند هذا المدى ؟ .
إنني استميح القراء عذرا وأستميح المؤلف الجليل البارع عذرا إذا قلت إننا لا نقنع باللذة .
إنما نريد الأديب الذي يحرك نفوسنا ويهز قلوبنا ويشير لنا اشارة سحرية ليبعثنا إلى حياة عليا . واعتقد بأن الأستاذ تيمور يستطيع إذا شاء ان يكون ذلك الفنان الساحر الذي يقدر أن يقود قلوبنا إلي أعلي الآفاق . فانه في قدرته وسلاسة أسلوبه ودقة تصويره وروعة ذوقه أجدر قصصي مصري بأن يكون منشد المثل العليا

