أفايس من سنين غير بعيدة بين أدبنا وبين أدب الفرنجة . والغرض الذي أرمي إليه في أشباه هذه المقايسات ، إنما هو الوقوف علي الأساليب التي أعتقد أنها قد تزيد في قوة أدبنا وفي نموه ، فلا تزال الأمم يقتبس بعضها عن بعض ، ومن نظر في آدابنا في القديم والحديث عرف كيف تتمازج الثقافات ، ولمس آثار هذا التمازج .
فمن أساليب فريق من أدباء الفرنجة ، استفاضة روح العلم في أدبهم ، ولأضرب لذلك مثلا :
دارت ذات يوم بين (( أناثول فرانس)) وبين رفيق له في المدرسة أحاديث شتى ، وقد أدركهما الوقت الذي ينبغي لكل واحد منهما أن يختار فيه إما الاختصاص في الأدب وإما الاختصاص في العلم ، فاختار " أنثانول" الأدب ، ولكنه ندم ، بعد أن نضج فكره ، على هذا الاختيار ، فقد رأي أن الأدب إذا انفصل عن العلم كان أجوف ، لأن العلم إنما هو مادة الأدب ، وأن العلم إذا انفصل عز الأدب كان ثقيلا علي الطبع ، غير مصقول . بيد أن أمثال هذه الخواطر لم تدخل ذهنه اللطيف في أول مرة ، فبدلا من أن تستثير رؤية شكل هندسي حب التطلع فيه ، كان يخيله الحزن من رؤية هذا الشكل ، وتنتفض حواسه ، فقد كان مثلا يحتمل رؤية دائرة ، ولكنه كيف كان يستطيع أن يحتمل رؤية زاوية أو مخروط، كيف كان يستطيع أن يخالط هذا العالم الكثيب الجاف ، عالم الزوايا الملآن بالشوك ؛ علي حين كان يجد في الأدب أشكالا مختلفة وألوانا متباينة ، كان يجد فيه بين فترة وفترة حيوانات وأنهارا وغابات وجبالا ورعاة ، كان يجد فيه شجرا عزيزا على الشعراء ، وظلا ينحدر في المساء من الجبال .
ولكنه لما نشأ وترعرع ، وذاق الحياة وخبرها ، سجد لرجال العلم في ماضيه وحاضره ، الذين اخترعوا الأعداد ، وقاسوا العوالم ، وأصابهم العذاب في سبيل حبهم للحقيقة ، سجد لهؤلا ، أنصاف الآلهة واستغفرهم من ذنوبه .
على أنه رأي أن الغريزة التي دفعته في صباه إلي الولع بالأدب لم تغشه ولم يخدعه ، فقد صاحب اليونانيين في ظلال المدرسة ، فعرف كيف علموا البشر العلم والجمال ، وملأ فكره من "رومة" فشاهد كيف أدخلت الهدوء على العالم .
وعلي الرغم من هذا كله بقيت في نفسه حسرة على تركه العلم ، لأنه شعر بعد أن كبر أن العلوم الرياضية وحدها هي التي تستطيع أن تعمر الآذهان ، وأن تجعل لها سلاحا ، وأيقن بأن أساتيذ الأدب كانوا يجعلون من عقول الطلاب عقولا مثل الطبول ، يسمع لها دوي وهي خاوية .
وكأني به بعد أن أحس هذا الاحساس في كبره ، قد أراد أن يتلافي ما فاته في صباه ، فأنس في أدبه الصافي بالعلم الذي أوحشه في غضارة عوده ، فمزج خطوط الهندسة بخطوط الطبيعة ، وألف بين قواعد الأرض وقواعد المثلثات ، فحلق لهذا العالم الجاف طلاوة ، ولهذه الدنيا الخرساء لسانا ، فناسق بين الأدب والعلم .
فبدلا من أن يقطب في وجه الهندسة ، كان يسمح لرفيقه في غاب " يولونيه " في باريز بأن يمزج أحاديث الأدب والمسارح بأحاديث المثلثات !
فتح هذا الرقيق مرة دفتره ، وبعد قليل من الصمت خط على صفحة بيضاء في غير حذق ومهارة شكلا هندسيا ، أراد أن يكون مثلثا متساوي الساقين ، ثم ابتسم وعرض هذا الشكل على بصر " أناتول " وقال له :
- أرأيت هذا ؟ - نعم هذا مثلث ! - إنه لمثلث ، وإنه رمز حياتي !
ثم خط بين ساقي هذا المثلث في شيء من الهدوء وفي شئ من الحسرة ، ذاهبا من قاعدته خطوطا موازية لهذه القاعدة ، وكانت هذه الخطوط تقصر كليا وقت من رأس المثلث ، ولما خطها جمجم وقال :
- خمس سنين . . عشر سنين . . اثنتا عشرة ، . ثلاث عشرة . . أربع عشرة ، . . خمس عشرة . . ست عشرة سنة ، . أرأيت كيف تنقص وكيف تنتهي ، وبعد قليل من التردد ، مس رأس المثلث بطرف قلمه وقال : سبع عشرة سنة ، يقضي الإنسان ، وهنا الخاتمة !
أسف " أناتول " على تركه الهندسة ، فإن هذه الهندسة قد تكون مادة في أبمه ، فما كثر الكلام في هذا الأدب على الحياة ، وعلى طولها وقصرها ، فما وجد " أناتول " تشبيها محسوسا يصور به قصر الحياة مثل هذه الخطوط التي تذهب من قاعدة المثلث المتساوي الساقين وتنتهي في رأسه ، فإن الإنسان إذا وقعت عينه على هذا المثلث ورأي هذه الخطوط كيف تنقص كلما دنت من الرأس ، أدرك أن أيامه تقصر كلما دنت من خاتمة حياته ، حتى إذا مست الخطوط رأس المثلث غابت فيه كما تغيب الحياة في ظلمات الأرض !
وكما لجأ إلي الأشكال الهندسية في تمثيل قصر الحياة ، فقد لجأ إليها في تمثيل نسبة الأشياء ، فاسمع ما يقوله أحد أشخاص روايته " تابيس " للراهب " بافنوس " ، وقد سأله عن السبب الذي من أجله يحرم نفسه طيبات الدنيا :
" أيها الغريب ! إني لا أحرم نفسي شيئا من الطيبات ، وإني لأفخر بالاهتداء إلي نمط من الحياة أرضى به بعض الرضى ، وإذا توخينا صحة الكلام فليس في الدنيا حياة حسنة ولا حياة سيئة ، لا شئ شريف أو معيب في ذاته ، ولا شئ عادل أو غير عادل ، لذيذ أو أليم ، صالح أو فاسد ،
وإنما الرجل هو الذي يجعل صفات للأشياء كما يجعل الملح طعما للأكل .
" الأشياء الواحدة لها مظاهر متفاوتة ، فإن أهرام " منفيس " تلوح في مطلع الشمس كأنها شكل مخروط ينبسط عليه ضياء وردي ، وفي مغربها تلوح كأنها في السماء الملتهبة مثلث أسود اللون ، ولكن من الذي ينفذ فكره إلي مادتها العميقة ، أنت تعييني بأني أنكر الظواهر ، على حين أن الظواهر إنما هي الحقائق الوحيدة التي أعترف بها ، فالشمس تظهر لي مضيئة ولكني أجهل طبيعتها ، أنا أشعر بأن النار تحرق ، ولكني لا أعرف كيف تحرق ، ولماذا تحرق ..."
ولم يستعن " أناتول بالهندسة وحدها في تقرير الأمور النسبية التي ينشأ عنها الشك في كل شئ ، فقد استعان بالمرايا ، فلئن لم توحشه الأشكال الهندسية ، فما أوحشته المرايا وأنواعها ، فانظر في كلامه علي مجانين الأدب كيف عرف الجنون :
" إن أفكار المجانين من حيث الفلسفة ، صحيحة مثل أفكارنا ، إنهم يتصورون العالم الخارجي بحسب الصور التي ترتكز فيهم ، وهذا ما نفعله نحن معاشر العقلاء على وجه الضبط ، فإن العالم ينعكس إليهم علي غير الصورة التي ينعكس فيها إلينا ، فنقول : إن الصورة التي تأتينا عن هذا العالم صحيحة ، وإن الصورة التي تأتيهم عنه غير صحيحة ، وفي الحقيقة أثا لا نجد صورة صحيحة على وجه الإطلاق أو غير صحيحة على وجه الإطلاق ، فصورهم صحيحة في نظرهم ، وصورنا صحيحة في نظرنا ، اسمع هذه القصة :
صادفت ذات يوم مرآة مستوية في بستان من البساتين مرآة محدبة فقالت لها :
" إني أجدك حمقى في تمثيلك الطبيعة على النحو الذي تفعلينه ، فينبغي لك أن تكوني مجنوبة لأنك تجعلين لكل الصور بطنا ضخما وأقداما ورؤوسا مستطيلة ، دقيقة ، وتبدلين كل الخطوط المستقيمة فتجعلينها منحنية " .
فقالت لها المرأة المحدبة على سبيل التهكم : " أنت التي تشوهين الطبيعة ، فإن صورنا المستوية تظن الشجرات إنما هي مستقيمة لأنها يجعلها هكذا مستقيمة . وأن كل شئ إنما هو مستو سواء أكان خارجا عنك أم داخلا فيك ، إن سيقان الشجر منحنية ، هذه هي الحقيقة ، فلست إلا مرآة خادعة ؛" .
فقالت لها المرأة المستوية ؛ " إني لا أغش أحدا ، أما أنت أيتها المرآة المحدبة ، فإنك تصورين الرجال والأشياء في صور مضحكة " .
وقد اشتد الجدل بينهما فمر في أثناء ذلك مهندس فقال لهما :
" يا صديقتي : إنما علي صواب وعلى خطأ في وقت واحد ، انكما تعكسان الصور بحسب قوانين الضياء فالأشكال التي تأتيكما إنما هي أشكال مضبوطة ضبطا هندسيا فكلها صحيحة ، والمرأة المقعرة تولد صورة ثالثة تختلف عن صورتيكما ، ومع هذا فإنها صحيحة ، أما الطبيعة نفسها فلا يعرف أحد وجهها الحقيقي ، ومن الممكن أنها لا وجه لها إلا في المرايا التي تعكس هذه الطبيعة ، فتعلمي أيتها المرايا أن لا تقول الواحدة للثانية : إنك مجنونة ، لأن الأشياء لا تنعكس على كل واحدة منكن انعكاسا واحدا " .
لم يكن "أنانول فرانس " وحده يلهو في أدبه يسير من الروح العلمي ، فقد ألم " فولتير" بالعلوم كلها من دون أن يتعمق في أي علم كان . وقد فهم كل هذه العلوم بفضل عبقريته المرنة ، لا شك في أنه كان يقع في الخطأ ، وكان يهزأ ببعض العلماء اليسوعيين ، ويزري ببعض الاختراعات ، ويسخر من أصداف البحر الملقاة في رؤوس الجبال ، ولم يؤمن بطائفة من أراء "ديكارت " ولكنه أدخل على عالم الثقافة والحضارة في تلك العصور فكرة العلم التي أصبحت صاحبة المقام الأول ، وهي اليوم ليست بصاحبة هذا المقام ، كان " فولتير " يقول : إن مستقبل البشرية متوقف على العلماء ،
وإن لتجارب رجال الطبيعيات ولمعاينات علماء الفلك ولحساب الرياضين ، وزنا لا يقل عن وزن لطائف الأدب ، وعلى الرغم من ولعه بالشعر كان يضع " نيوتون " فوق كل شيء ، ولقد كان إدراك "فولتير" لمقام العلم في العالم عنوانا من أحسن عناوين مجده .
وإذا رجعنا إلي عصر من عصور أدبنا العربي وجدنا بأن الأدب لم ينفصل عن العلم ، لقد كان الخوض في كل فن من الفنون من لوازم الثقافة في عصر الجاحظ ، فقد كان الأدباء أمثال أبي عبيدة والأصمعي ونظرائهما يكتبون في موضوعات شتى ، كالحيوان والنبات وغيرهما ، فاطلاع الكاتب على جملة من العلوم دون الاقتصار على الأدب وحده كان أمرا لا مدوحة عنه ، وقد أشار إلي هذا ابن قتيبة في " أدب الكاتب ، فذكر العلوم التي يفتقر إليها الكاتب كالنظر في مساحة الأرض وعلم الفلك والحساب ، والفقه والاجتماع والتاريخ .
إن عظمة الأمم ، على نحو ما قال " هرب " تتوقف في الآتي على مقدار شيوع الروح العلمي في هذه الأمم ، وكان " رنان" يشعر شعورا قويا بضرورة تعديل تربية الشعوب ، وبدعوة الجماهير إلي الثقافة العلمية . وقد احتج " سبنسر " في عصره على انخفاض شأن العلم ، وجاهد في سبيل إصلاح التربية ، وبلغ منه أن قال : إن الفن نفسه ، الفن الحقيقي ، مبني علي العلم ، وإن العلم مخبوء محت الفن ، وإن الفن يستلزم بعض ملكات لا يستطيع أن يعطيها القوة والعمل إلا العلم وحده ، وبالغ في هذا الباب فقال : إن العلم نفسه شعر ، فإنه يفجر للرجل المثقف ينابيع الأدب الغنائى ، التي لا يحزرها الجاهل ، ويكشف له في مراقبة الطبيعة أسبابا جديدة تحمله على التأمل وعلى الاهتزاز . فالرياضي الحقيقي إنما هو شاعر ، أفلا يكون الشعر في قطرة الماء أو في ركام الثلج أو في الصخر المتفتت إلا إذا عرفنا هذه المشاهد كلها تعريفا فيه أنواع الاستعارات !
دمشق

