اتجه الباحثون فى الأيام الأخيرة إلى العناية بدراسة الأدب القومى بجانب عنايتهم بالأدب العام ، وذلك على أثر قوة الروح القومية ومظاهرها فى السياسة والاجتماع والاقتصاد ، فتأثر الأدب بهذه النزعة ، وبدأنا نسمع كلمة الأدب المصرى ، والأدب العراقى ، والأدب الشامى ، ولا شك أنها نزعة محمودة أن يتجه مؤرخو الأدب إلى أدبهم القومى بجانب دراستهم للأدب العام ؛ وكان من مظهر ذلك أيضا إنشاء كرسى فى الجامعة المصرية للأدب العربى المصرى نرجو أن يحقق الغرض منه ، فيضئ لنا طبيعة الأدب المصرى ومزاياه ، وينشر لنا من الكنوز المدفونة ، والآثار القيمة المهملة .
وبين أيدينا الآن باكورة لهذا الاتجاه الجديد ، كتابان فى الأدب المصرى أحدهما كتاب (( من أدب الفراعنة )) للأستاذ (( محمد صابر )) عرض فيه بعض القصص المصرية الفرعونية التى عثر عليها فى أوراق البردى المحفوظة فى مكاتب العالم ، أو منقوشة على جدران المعابد والهياكل ، كما عرض لبعض الأغانى والأناشيد المصرية ، وبعض الأشعار .
والكتاب مكتوب بأسلوب سهل يسير ، وهو مفيد فائدة كبرى فى تاريخ الآداب ونشأتها وتسلسلها ، كما يفيد فى تعرف عقلية المصريين ومقدرتهم الفنية أيام كان العالم كله فى عماء .
ويقع القارئ فيه على مواقع تستخرج منه العجب ،
فالفلاح المظلوم الذى سلبه غنى ماله ينادى القاضى بقوله : (( يا أقوى رجل بين الأقوياء ، ويا صديق الفقير ، ووالد من لا والد له ، وزوج الأرملة ، وأخا البنت المحتاجة ، إننى أثنى عليك لأنك ترد الحق إلى نصابه دون أن تنال عليه أجرا ، يا محبا للعدل ، وعدوا للمجرمين ، انظر فى أمرى ، فإنى أود أن أرى رحمتك )) .
كما أن فى الكتاب مواقف رائعة من الناحية الفنية القصصية ، كقصة (( ابن الجميزة )) وقد ترجمت إلى أشهر اللغات ، وكانت تدرس فى المدارس المصرية .
وفى الكتاب أناشيد فى موضوعات طلية ، وأغان فى الحب تدل على أن العواطف والتعبير عنها لم تتقدم كثيرا مع تقدم الزمن ، وحكم ونصائح دقيقة لفت نظرى منها قولهم : (( احن ظهرك احتراما لرئيسك ، لأنك ستكون محبوبا لدى القصر الملكى ، ويكون لك مركز ممتاز ، ما أقبح من يعارض الرئيس ! )) .
والقارئ للكتاب يرى وجوه شبه كبيرة فى بعض الأحيان بين أساطير المصريين وأساطير اليونان فى أصل الطبيعة وفى الآلهة وفى الأرواح ، كما يلذه أن يرى عقائد مصرية قديمة قد ظلت حافظة لأشكالها رغم تعاقب العصور واختلاف الأديان .
وعلى الجملة فنحن نثنى على الكاتب ، ونرجو أن يستمر نشاطه ويستمر تقدمه فى بحثه وفى أسلوبه . وثانى الكتابين كتاب ((فى الأدب المصرى الإسلامى))
من فتح العرب إلى دخول الفاطميين للأستاذ محمد كامل حسين ؛ وأصله بحث قدمه إلى كلية الآداب منح عليه درجة الماجستير ، ثم بدا له أن يحذف بعض فصوله ، ويضيف إليه فصولا أخرى ، ويغير منه بعد ما عثر على نصوص لم يكن رآها من قبل .
عرض فى الكتاب للأدب المصرى قبيل الفتح الإسلامى ، والصراع بعد دخول العرب بين اللغات اليونانية والقبطية والعربية ، كما عرض للحياة العقلية والأدبية فى مصر إلى دخول الفاطميين ، وترجم لمشهورى
رجال الفكر والأدب فى ذلك العصر . وهذا الكتاب أول كتاب من نوعه يعنى بتاريخ مصر وأدبها فى عصر من العصور على النمط الحديث ، وقد وعد فى آخره أن يتبعه بكتاب آخر فى العصر الفاطمى .
فلعل هذه الخطوة المباركة فى التأليف فى الأدب المصرى يتلوها خطوات فى نواح مختلفة وعصور مختلفة ، حتى يكون لنا من ذلك المجهود كله تاريخ لأدب مصر كامل واضح نفخر به ونبنى عليه . (...)

