كان صديقنا ( يسار ) مغرماً بالشعر الفارسي قبل أن يطالع منه بيتاً ، معجباً بشعراء إيران ، ولم يرد عليه عن الإلمام بأسماء بعضهم .. وكان ، مع هذا ، وانتقاً أشد الوثوق أن الشعر الفارسي من أرقى الشعر شكلا وموضوعاً .
قرأ وهو تلميذ بالمدرسة بيت البارودي في وصف حافظ ابراهيم :
تالله ليس لحافظ من مشبه
في الشعر غير سميه الشيرازي !
فجعل يحدث نفسه بأن حافظا الشيرازي هذا لا بد أن يكون شاعرا عظيما . .
ثم علم بطريق الصدفة أن أوزان الشعر الفارسي لا تختلف كثيراً عن أوزان الشعر العربي ؛ فبات ليلته لا يكاد ينام من شدة الفرح : إذن سيستمتع القاري ، حين يطالع الشعر الفارسي بتلك الأنغام العربية الجميلة ، لا بتلك الأوزان الأفرنجية النافرة ، التي لا تعرف معها متى ينكسر البيت ، ومتى يستقيم ! وهل يعرف أحلاف الافرنج معنى لانسجام الوزن وموسيقاه ؟ إن حركات العربة (الكارو) المثقلة بالطوب والحجارة فى شارع مملوء بالحفر والحصا لأكثر انسجاماً من أوزان شكسبير :-
وهكذا ظل الفتى ( يسار يحدث نفسه ، وهو نفيذ يكتب الشعر العربي على غلاف كراسات الحساب والهندسة والجبر، وعلى هامش الكتاب الرابع لقواعد اللغة العربية ، بأن الشعر العربي عامة، وشعره هو خاصة ، سيناله شي غير قليل من الطرافة والجدة ، متى أدخلت فيه الأساليب الفارسية
ولم يكن بد من ان يسمع باسم عمر الخيام والفردوسي ،
وان يطالع بعض اشعارهم في لغة الانكليز ، فعقد النية على أن يتعلم اللسان الفارسي حين تسنح له أول فرصة .
قال الراوي : وكان ذلك في وقت حرب عظيمة لم ير العالم لها مثيلا ، وكأنما أرادت السلطات ذات الأمر النافذ في أمثاله من الضعفاء، أن تبشر لهذا الفتى أمنيته ، وتحقق له حلمه فأودعته معتقلاً حصيناً ، تحيط ، القلاع الشاهقة ، والأسلاك الشائكة، ومن حوله الأسوار والمتاريس ، والحراس ذوو العيون الوقحة ، والبنادق الحشوة، والرصاص الذى ينطلق مناسبة ، وبغير مناسبة وأن يطالع بعض أشعارهم في لغة الانكليز ، فعقد النية على أن يتعلم اللسان الفارسي حين تسنح له أول فرصة .
والتفكير في الحرب ، مع وجود هذه الموانع القوية أمر لا يتفق مع صحة الجسم ولا صحة العقل ؛ فلم يكن مستغرب والحال هذه أن ينكب يسار» على دراسة المسان الفارسي ، على أساتذة من الهند كانوا نازلين نفس المدار. وكانوا على حظ عظيم من العلم والكرم والتقوى . ولن تستطيع أن تتصور كيف أقبل « يسار» على تعلم الفارسية ، وبأى حماس وتهم وشره ! ولا بد لك ، لكي تفهم هذا ، أن تتصور رجلا قطع الصحراء الغربية من ليبيا إلى مصر سعياً على قدميه، دون أن يأكل أو يشرب ؛ ثم ألقى نفسه في فندق مينا » أمام مائدة مكللة بجدة بأطايب الزاد والشراب ، والورد والريحان. وقد بذلت له كلها بدلاً - مجاناً - من غير أدنى مقابل ! ماذا عساه يصنع ؟ ليس من شك في أنه لن يتردد طويلا بل ليس بعجيب أن تراه ينقض على السائدة انقضاضاً، قد يضره فيه إسرافه ، لو ان المائدة مائدة طعام وشراب ولكن مائدة الأدب ليس فيها إسراف ،
ولا يخشى من الانكباب عليها وصب ولا ألم
وهكذا أتيح لصديقنا أن يحقق أمنيته وأن يلتقى وجهاً لوجه بالسعدى وحافظ والفردوسي والخيام، وغيرهم من بلابل إيران الصادحة وطيورها القردة.
ثم دارت الأيام دورتها ، وأخذ اسم يسار يظهر بين أدباء هذا الجيل ، ظهوراً ضئيلا ، وكأنما على بين الناس استحياء. وأخذ يذيع الشيء القليل من شعره اليسير ولم أفكر في أن أبحث عن أو الشعر الفارسي في كتابته حتى إذا جاءت هذه الأيام ، التي أخذنا فيها تعنى بإيران وشعر إيران ، حدثتني نفسى أن أستطاعه عن أثر هذا الشعر فى نفسه وفيا نظم أو تتر . ودار بيننا الحوار الآتى :
ع : هل استطعت يا يسار أن معاكى الشعر الفارسي بعض أشعارك العربية ، كما كنت تشتهي أن تفعل وأنت فتى رغى جاهل ؟
ى : لا زلت مصراً على رأبي الذي كنت أراء وأنا فتى غر جاهل ، بأن تطعيم الشعر العربي بالشعر الفارسي يزيده حسناً ، ويدخل فيه أساليب جديدة
ع : لا تراوغ في الإجابة ! إلى أريد منك أمثلة ملموسة محسوسة لقطع من الشعر حاولت فيها محاكاة شعراء إيران.
ي : الذى لدى من هذا قليل ، ولست أحرص على إذاعته ، ولكن تقصيري في هذا لا ينبغي أن يمنع غيرى ممن هم أطول باعاً ولساناً وعلماً .
ع : لا بأس عليك من هذا ، والحديث الذي بيننا لن يطلع عليه أحد ، فهل كان تقليدك للشعر الفارسي في والصيغة ، أو في المعاني والموضوعات ؟
ى: لم أحاول سوى محاكاة الأسلوب، وعلى الأخص فى بعض نواحيه . فقد أعجبنى مثلا عند الفرس إطالة البيت بحيث يكون - في بحر الرمل أو الهزج مثلا -
مكوناً من ثمانية أجزاء ، بدلا من سنة أو أربعة كما هى الحال في الشعر العربي. هذه الإطالة تتيح المرء أن يضمن البيت الواحد معنى كاملا. وبهذا يصبح البيت وحدة مستقلة ، مشتملا على فكرة كاملة
وقد سبق لي أن أنشدتك قطعة لي من هذا الطراز أولها : لم نزل في القلب من حبّك باكيلى بقيه
فاحذرى لا تقتليها ، فهى بالعيش آه مما قد لقينا - أنا والحب كلانا
منك حتى كدت أن تقضى عليه وعليه ! أما الناحية الثانية التي حاولت فيها محاكاة الأسلوب الفارسي ، فهى مايسمى عندهم ( الشعر المردف » ، وهو الذى ينتهي فيه كل بيت من القصيدة بكلمة أو عبارة تتكرر ن آخر كل بيت، وهذه هي الردف، أما القافية التي تصاغ عليها القصيدة فتسبق هذه الكلمة أو العبارة مباشرة .
وقد أعجبنى من هذا الأسلوب أنه يكسب القصيدة رنة موسيقية منسجمة ، كالنغمة الثابتة التي يعود إليها المنشد د أن يطوف في الآفاق، ويحلق في جو السماء .
ع : فماذا لديك من الشعر العربي المردف ؟
ى : طالعت كثيراً من الشعر المردف فى الفارسية قبل أن تخطر فى محاكاته في العربية، إلى أن أملى على أستاذى قصيدة لحافظ الشيرازى آخرها كلمة عربية وهى الغياث
وهذا مطلع القصيدة :
الغياث : أى مايه جان الغياث
كفر زلفت بود إيمان الغياث !
ما همه لب بسته ایم از تشنگی
درلیانت ماء حيوان الغياث !
دریهای بوسه جانی طلبه
میکنند این داستانان الغياث !
وترجمتها إن كان لابد من ترجمتها :
الغياث بأمتعة النفس الغياث !
إن كفر (۱) غدائرك ذهب باعانى : الغيات :
ما بال شفتى قد حدثاً من شدة الظمأ
وفى شفتيك ماء الحياة الغياث :
ان سالبى القلوب هؤلاء
يطلبون روحی ثمناً لقبيلة الغياث !
فعندما طالعت هذه القصيدة ووعيتها ، خيل لي أن من الممكن محاكاتها بشعر عربي يحتفظ فيه بالكلمة الأخيرة. ولكن لم يكن بد من اختيار قافية أخرى .
ع : والنتيجة ؟
ى : النتيجة قطعة ليست بذات شأن ، لولا أنها المحاولة الأولى ، ومطلعها :
أرسلت ميناء سهما - الغياث !
قدرى القلب فأسمى الغياث!
إن يك السهم من اللحظ ما
غير قلب الصب مربى - الغياث :
مستهام شقه طول الظمأ
يشتهى من كفك الا - النبات :
ع : فهل لديك سواها ؟
ى : بعد ذلك أخذت أختار الردف من بين الألفاظ العربية، التي تلائم هذا الطراز، وقد تكون القطعة الآتية أهل فشلاً من الأولى ، وعنوانها : تعال !
حان حينى : يا منى نفسى تعال :
يا حياة الروح والحس تعال :
انا مين من غرامى فاذا
شك أن أنهض من رمسي تعال :
وتعال انظر من غادرته
غرضاً للغم واليأس تعال :
مغرم يصبح في نار الجوى
لا تدعه في الجوى يمسي تعال :
لم يدع فى الحب صوتاً مسمعاً
ولما أدعوك بالهمس تعال !
يا جیلا صاغه رب الوری
فتنة للجن والإنس تعال !
قالت لي : إن جئت فا خضع وامتثل :
يا على العينين والرأس تعال :
ع : أظن أن هذه القطعة لو هدبت وصفات وأكملت ... فهل لديك سواها ؟
ى : هذه قطعة أخرى في حاجة إلى الصقل والتهذيب وأولها الأبيات الآنية :
يا إله الحسن هذا العلم في الدنيا لماذا ؟
من المالك، ومما تمنع السقيا لماذا ؟
لا ترضى بأنا نلتقي في يقظة
ليم تأبي أن نرى وجهك في الرؤيا لماذا ؟
طائر القلب الذى خلق في جو الأماني
خر مقتولاً ، ولما يبلغ العليا لماذا ؟
إن في عينيك للصب حياة وردى
لم آثرت بأن ردى ولا يحيا لماذا ؟
ع : عظيم جداً : وأعجب من هذا كله أن الشعر المردف قد صبرك وأنت ذلك البارد البليد - عاشقاً منها ، ومحباً مغرماً : حقاً أن حافظ الشيرازي قد أتى بالمعجزات.
ى : لولا أنك تعلمي داعماً ، لتذكرت أن ليس هذا. من شعر النسيب ، ولكنه من شعر التصوف على طريقة يخنا الكبير لسان الغيب حافظ الشيرازي .
والآن دعنى من حديث الشعر والأدب، فإنى منهمك في إعداد مشروع لتجنيد رجال الجامعة للدفاع الوطني ، وعلى رأسهم لطفى السيد وطه حسين وأحمد أمين .
قال الراوي : فانصرفت عنه ، وانا اتمنى للدفاع الوطنى نجاحا أتم من محاكاة الشعر الفارسي .
طبق الأصل

