الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 284الرجوع إلى "الرسالة"

فى مضارب شمر، أكبر بيت من الشعر في الجزيرة ( موزو بتيميا )

Share

زرت جملة من بيوت البدو عاليها ومتوسطها وفقيرها . فوجدتها كلها تتحد في نوعية النسيج التي صنعت منه ، نه ، وفي النظم التي اتبعت فى إقامتها منذ القدم

أما الفروق التي بينها ، فمن حيث الحجم وازدياد الأناث وإن محتويات تلك الديار بسيطة ساذجة بوجه عام ، ولا تشمل إلا أهم الأدوات الضرورية للحياة المتقشفة . على أن من أكبرها وأعمرها وأكثرها تحضراً، دار ملك البادية شيخ مشايخ شمر زرت هذه الدار ، فاذا بها دار طويلة عريضة ، متينة الأوتاد قوية الحبال، مهفهفة الجوانب . كلها من نسيج صوف الأغنام

والجمال ، على شكل دهليز طويل مقسم إلى حجر ، وهذا التقسيم إما بالنسيج أو بالحصير ( السمار ) ، وأرضها مفروشة بالأ كلمة أو بالسجاد العجمى الجميل أو بالحصير ؛ ويتبع هذه الدار على مسافة قريبة جدا منها دور أخرى، منها ما يختص بالمطبخ أو بالمخازن الخ

وصف الحجرة التي استقبلتني السيدات فيها

خباء من الشعر في أحد أطراف الدار عن يمين الداخل إليها طالما تخيلناه وتمنينا رؤبته ، وضع في الجهة اليسرى منه نوع من السرير العريض ، عليه فراش وثير مغطى بغطاء من الحرير الخالص الملون . وإلى جانبه ( شلت) ( زرابي مبثوثة على الأرض المغطاة بالسجاد العجمى، وتحت السرير حقائب وصناديق ، تبينت فيما بعد أن بها ملابس وحليا ، وحلوى تقدم للزائرات

كانت السيدة الاولى التى استقبلتني ابنة الشيخ عجيل الياور ، وهي فتاة رائعة الحسن : لون خمرى جميل ، وخد أسيل ، ولحظ كميل، ووجه مستدير عليه وشم قليل. إذا تكلمت فكأنما صوتها موسيقى الجنة العذبة الشجية قد انبعثت إلى النا ، دلال في وقار كالنسم إذا سرى ، وكالزهر إذا تمايل

اسمها ملك وهى ملك حقا ، تفيض رقة إذا حودثت ، وتذوب عاطفة إذا استلهمت ، حياء في غير تعمل ، وشمم في غير تكبر عرفتني بعدد من زوجات أبيها وأخيها ، كلهن كميلات الطرف أو متكحلات ، يغطى الوشم الأخضر أجزاء من وجوههن وأجسامهن ، فمنهن من غطت كل ذقها برسومه ، أو زججت

حاجبيها به ، ومنهن من وثيت شفتيها بحيث لا تظهر حمرتهما ، وإنما اندمج لون الوشم مع لون الشفاء قصار اللون أخضر داكنا. وبعضهن طرزن قبب أعينهن برسوم غريبة ، هذا والحناء تخضب أناملهن وأكفهن وكسويهن

أما ( ملك ، فكانت في زينتها وأناقتها تفوقهن جميعاً رقة ودقة وملاحة

سألها كيف تمضي أوقاتها ، فقالت إنها لا تعمل شيئاً (هذا لأنها ابنة ملك البادية بالضرورة ) قلت : ولكن ألا تضجرين ؟ قالت: بلى، ولكن هنا ما كينة خياطة أخيط عليها أحيانا . قلت : وصل تقرئين وتكتبين؟ قالت في عصاصة وألم : لا ، إنهم لم يعلمونى . قلت : وهل لك شقيقات؟ قالت: لا، أنا وحيدة . قلت : إذن تفضلي همى إلى مصر وأكون أختا لك والدار دارك أنت . توهجت وجنتاها بالدم العربي التي ولمت عيناها ، وأنجيست أنفاسها ، ثم قالت في حرارة: لا يسمحون (تمنى أباها و أخاها قلت: قد يسمحان قالت: قولى لهما

وفعلاً سألت أخاها ) لأن والدها كان قد سافر إلى بغداد ) إذا كان مما يتمشى وتقاليدهم أن تسافر البنت إلى بغداد أو إلى مصر مثلا ، فقال: هذا ضد نظام العشائر. فسألته لماذا لا تتزوج ملك ، فقال : هي لا تريد ، ومن جهة أخرى حتى يتيسر من يناسب مقامها ( فهمت من سياق الحديث أن الزواج هناك يجرى على أساس سياسي بحيث تصير بعده مصاهرات صداقة واكتساب قوة للعشيرة )

الملابس

أعجبت بثياب تلك البدوية ، فعزمت على أن أرتدي زيا كاملا منها حتى أصور به. وأسرعت فأخرجت من صندوق تحت السرير، ثوبين من الحرير أحدهما أحمر والآخر أخضر ، بأردان طويلة واسعة . فارتديت هذين الواحد فوق الآخر ثم ارتديت معطفاً من الجوخ الثمين يقارب طول الثوبين ، وردنه طويل واسع مفتوح إلى نصف الدراع ، ثم ارتديت معطفاً ثانياً من الجوخ أيضا أقصر من الأول وعلى نظامه فيما عدا ذلك ، وهيا مزركشان بتطريز جميل . ووضعت على رأى نوعين من الغطاء ، أحدهما رفيع والآخر سمك ، وحليت معصمى بجملة منه

الأساور الذهبية ، ووضعت على رأسي حليات ذهبية ، وعلقت في شعرى قرب أذنى مثلثين من الذهب الخالص المطعم بالأحجار الكريمة ، لا يقل الواحد منهما عن نصف رطل

وطوقت جيدى بطوق من الذهب في إحدى أطرافه حلية ذهبية دقيقة الصنع جميلة المنظر جدا . وفوق هذا كله ارتديت العباءة الصوفية الشفافة ، ثم العباءة الصوفية الثقيلة التي تستعمل في الشتاء

شعرت أني مشلولة الحركة ، ثقيلة الخطى ، لا أستطيع التنفس ، عکس ما تتمتع به صديقتي ( ملك » البدوية التي تمتاز بخفة الحركة ورقتها . والانسان ابن العادة

الطعام الذي تناولة في مضارب شمر

من أهم ما كنت أرقب مشاهدته ، تناول الطعام على الطريقة البدوية في البادية، ولما كان وصولى إلى مضارب الشيخ عجيل الياور بعد الظهر ، فانهم بالضرورة لم يعزموا على بتقديم الغداء ، ولا ينبغي أن نتصور أن أهل البادية يستطيعون إعداد طعام بالسرعة التي يؤدى بها هذا العمل في الحضر

وبصعب جداً على نفس البدوى أن يظهر بغير المظهر اللائق به ، لا سيما أمام الزوار الأجانب ، أو أبناء العشائر الأخري وقد قدم لنا الشيخ الشاى الحار اللذيذ مع الابن على طريقتنا نحن ، فكان أول فنجان من الشاي استسفت طعمه من مدة طويلة ، وقدم معه أنواعاً من البسكوت الجاف الأفرنجي

العشاء

وفي المساء ، حوالى الساعة الثامنة ، دعينا إلى تناول العشاء في خيمة بيضاء كبيرة أقيمت في وسطها مائدة أنيقة الترتيب أفرنجية . وكان الندل من العرب النجديين السود البشرة ، يقدم ألوان الطعام على أحدث نظام ، قلت : يا حضرة الشيخ ، ما لهذه النظم والقيود أتينا . قال : في الصباح تأكلون على الطريقة البدوية . قلت: ولكنا نسافر في الصباح الباكر ، قال : لا ، بل تبقون ثلاثة أيام على الأقل ، قلت : شكراً ، ولكن وقتنا محدود ، فقال : إذا يكون الرحيل بعد الظهر وجاء الصباح ، و تا حول مائدة الإفطار ، وكانت أيضاً

على أحدث نظام أوربى أنيق ؛ فقلت : حقاً لقد خسرنا القضية في هذه الرحلة ياحضرة الشيخ ، قال : لا ، الغداء سيكون يدوياً فلا تخافي ، وحقاً لقد كان

الغداء البدوى

انتشرنا بعد تناول طعام العطور في البادية تستجلى مباهجها ، وتستكشف أزهارها، ونجمع أنواعها الغربية ، ونبحث عن الكماة الكمه» - وهى نوع من الفطر يوجد تحت الأرض ، يشبه البطاطس ، ولا ورق له ولا فروع - يستعملها البدو كنوع من الخضار يطعى مثل البطاطس . وتجفف منه كميات كبيرة لنسل السيف المجدب

عند الساعة الثانية عشرة ظهراً دعينا لركوب السيارات ، وإذا بها تسير بنا من حيث خيام الشيخ إلى قلب البادية ، فقط منا نحو عشرة أميال على بساط سندسى جميل على أرض مستوية ثابتة، حتى وصلنا مجرى ماء بجرى في مساحة طويلة وسط البادية . ) كونته سيول الأمطار الغزيرة ) وهناك وجدنا عبيد الشيخ ، قد فرشوا سجادة عجمية نفيسة حمراء اللون ، قرب مجرى الماء . ووضعت صينية كبيرة فضية وعليها تحمل محمر ، ومعه أرز الزعفران المزخرف بالكشمش ( أى الزبيب )

قال الشيخ : هكذا يكون أكل البدو ، وضرب بيمناه في الأرز المحشى به الحمل ، وأخذ منه كمية طيبة إلى فمه ، ثم بدأ يوزع علينا من اللحم الشهي . فكانت أكلة بدوية بحتة ، بين مظاهر الطبيعة الخلابة ، والنفوس العربية الكريمة والأيدى السخية

تفضل الشيخ فسمح لي باستخدام صحن خاص أضع فيه الكمية التي أستطيع أكلها ، وما كدت أنتهى منها حتى أمر الندل أن يضع لى كمية أخرى ، وما أرى إلا وقد حمل المغرفة وملأها بالأرز وفتات اللحم، وينوى وضعها في صحنى ، فقلت له: لا أريد مزبدا، أشكرك ، فظل ممسكا المغرفة بيده الممدودة نحوى وقال : ولكنه أمرنى ( يعنى أن سيده قال له ضع طعاماً السيدة ) ومن سلوكه وتوخيه تنفيذ أمر شيخه المطاع ، شعرت ضمناً أنه يقول ( من لم يمت بالسيف مات بغيره»، وكيشة الندل كانت «غيره) على التحقيق . ما أشد إصرار البدوي ، وما أقوى عزيمته . قلت :

حسن أطع أمر الشيخ بارك الله فيك . فوضع ما بالمغرفة في صحنى وصار جدلاً

بعد أن تناولنا الفاكهة ، وغسلنا أيدينا بالماء الدافئ والصابرين ، انطلقنا للصيد . وكانت محاولات الرماة كلها غير صائية ، ما عدا للشيخ صفوك الياور ، فقد رأى ثلاثة من طير الحبارى الكبيرة ، فقال : لأرمينها وتحن في السيارة ، أسرع یا سائق ولا تتوقف أبداً أو تبطى . وها هوذا يصيب طائرين من الثلاثة ، حملنا واحداً منها معنا هدية لأصدقائنا في أربل ، فإن هذا الطير لذيذ الطعم بعد الظهي وبذلك انهت زيارتنا للبادية مع شديد الأسف للحديث بقية »

اشترك في نشرتنا البريدية