الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 949الرجوع إلى "الرسالة"

فى مضار التدخين، لأنطون تشيكوف

Share

شخصية الرواية : إيفان إيفانوفيتش .. وهو زوج ضعيف تحكمه زوجته أما هي مديرة المدرسة للموسيقى، ومدرسة داخلية للبنات..

المنظر : منصة في إحدى الجمعيات .. إيفان قائم يخطب وهو في مطف قديم .. ينحنى الحاضرين.

ايفان إيفانوفيتش: سيداتي سادتي عرض البعض على زوجتي أن ألقي محاضرة هنا في موضوع خيرى مفيد يهم الناس. وما دام من المحتم على أن أحاضر ، فإني لا أجد لنفسى حيلة إزاء

ذلك .. وأنا – بالطبع - لست بالأستاذ المتفقه ، ولا بالحاصل على درجات علمية ، غير أني قضيت الثلاثين عاما الأخيرة في دراسة موضوعات علمية بحتة دون توقف ولا انقطاع ، ودون مراعاة لقواعد الصحة .. إنني رجل مفكر وأقوم أحيانا بتجارب علمية ليست علمية تماما ولكنها - وأرجو المذرة - تحمل الطابع العلمى .. وبهذه المناسبة أذكر أني كتبت منذ أيام مقالة طويلة تحت عنوان (فى مضار الحشرات (1) وقد أعجبت بناتي بالمقالة كثيرا وخاصة الفقرات الخاصة بالبق .. غير أنى مزقتها بعد قراءتها .. إن بيتنا يعج بالبق ، وحتى البيانو تراه مليئا به . والمقالة الجيدة لا تقنى فى مكافحة البق عن مسحوق من الصيدلي

أما عن موضوع محاضرة اليوم ، فقد اخترته من المضار التي يسببها التدخين لبنى الإنسان ... وأنا نفسى أدخن ، ولكن زوجتي أمرتني أن أحاضر اليوم في مضار التدخين .. فلم يكن لى في ذلك خيار .

حسنا - لتكن المحاضرة عن التدخين .. وهو موضوع لا أهمية له عندى .. غير أني أرى أن تميروه أنتم كل الأهمية كي لا يحدث شيء لا نتوقعه .. وعلى من بكره الموضوعات العلمية الجافة ، ومن لا يعبأ بمثل هذه الأشياء ألا ينصت إلى ومن الخير أن يغادر المسكان .. ( يعتدل في وقفته )

وإلى أطلب بصفة خاصة من المشتغلين بالطب الحاضرين الآن يعطوا المحاضرة كل انتباههم حق يمكنهم أن يحصلوا منها على أفيد المعلومات .. فالطباق - إلى جانب مضاره المدخنين - يستعمل في الطب .. فإذا وضعنا ذبابة ـ مثلا - في صندوق به طباق، قد يجدها بعد حين ميتة بسبب اختلال جهازها العصبي.. وبهذه المناسبة أذكر أنني كلما ألقيت محاضرة ، أجد نفسى أغمز بعين اليمنى .. فأرجو ألا تمير وا ذلك أهميته .. إنه مجرد تعب في الأعصاب .. وأنا ـ بصفة عامة ـ عصبي جدا .. وقد بدأت

عادة الغمز منذ سنة ١٨٨٩ - في ١٣ سبتمبر إذا أردتم الدقة وهو اليوم الذي وضعت فيه زوجتى ابنتنا الرابعة بربارا ... ومع ذلك ( ينظر فى ساعته ) فالوقت ضيق ، ولا ينبغي الخروج من الموضوع ... على أنه من اللازم أن أخبركم أن زوجتى تدير مدرسة للموسيقى ومدرسة داخلية ... لست أعنى مدرسة داخلية تماما ... ولكنها تشبه المدارس الداخلية ...

وزوجتي تحب دائما أن تشكو من الحالة المالية ... مع أن لليها في البنك - مما وفرته - المال الكثير ... أما أنا فليس عندى درهم واحد ... ولكن لنترك هذا الموضوع فهو لا يهم أحدا ...

وأنا أعمل فى مدرسة زوجتى الداخلية ... فأشرف على التموين والخدم والمصروفات وأجمع الكراسات ، وأكافح البق والفئران وأخرج بكلب زوجتى الصغير للنزهة ...

وبالأمس كان على أن أعطى للطاهي خيزا وزيدا كي يعد لنا اليوم بعض الفطائر .. وبالاختصار دخلت زوجتي اليوم في المطبخ بعد أن انتهى الطاهي من إعداد الفطائر وقالت إن ثلاثة من تلاميذها لن يأخذوا نصيبهم منها لأنهم ابتلعوا نباتات سامة .. وعلى ذلك أصبحت لدينا ثلاث قطائر زائدة عن الحاجة .. فماذا كنتم تصنعون بها ؟ أمرت زوجتي الطاهي بأن يضعها في المخزن ثم عادت ففكرت برهة وقالت :

لك أن تأخذها لنفسك أيها العنم .. إنها دائما تناديني بمثل هذه الأسماء عندما تكون غاضبة أيها الصنم ، أيها الشرير » « أيها الشيطان » . وهكذا .. ولعلكم ترون منها أنى أبدو كالشيطان .. إنها دائما غاضبة ثائرة متأفقة .. ولكني لا أمضغ شتائمها بل أيلمها بلما .. فأنا دائما جوعان .. فبالأمس مثلا لم ترد أن منحى عشاء وقالت : «  إن من العبث أن أمنحك طعاماً ما دمت تجوع بسرعة ومع ذلك ) ينظر إلى ساعته ( فأراني قد خرجت من الموضوع .. ولكن الاستمر : . ولو أني أشعر بأنكم تفضلون سماع قصة أو سيمفونية أو أغنية .. وعلى ذكر الموسيقى ، نسبت أن أخبركم أني أدرس في مدرسة زوجتى الموسيقية ، الرياضة والطبيعة والكيمياء

والجغرافيا والتاريخ والأدب وأنى أعلم التلاميذ الرقص والغناء والرسم بينما تتقاضى زوجتى رسوما إضافية لنفسها من هذه الدروس ... وعنوان المدرسة هو شارع الكلاب الخمسة رقم ١٣

وربما كان هذا الرقم المشئوم هو سبب تعاستي . . فيناتي کامن ولدن فى الأيام الثالثة عشرة من أشهر السنة .. ونوافذ منزلنا عددها ۱۳ ولكن ما الفائدة في ذكر ذلك ؟ إن زوجتى بالمنزل تستقبل الضيوف وتدير الأعمال .. وقد سألتني أن أبيع لمن يريد ، فكم برنامج مدرستها بثلاثة قروش فقط . هل يرغب بعضكم فى نسخة ؟ ( فترة صمت ) لا أحد ؟ حسنا . . لنجعل ثمنها قرشين .. ( فترة صمت ) يا للضيق ! نعم .. إن رقم منزلنا ۱۳ .. وقد فشلت في كل شيء .. لقد تقدم في العمر وصرت غبيا . إنني أحاضر الآن وقد أبدو وجيه المنظر ولكن بي رغبة جامحة في الصراخ بأعلى صوتى والحرب إلى أقصى المعمورة.. ليس هناك من يسمع اشكواى وأنا أريد أن أبكى قد تقولون عندك بناتك .. بناتي ؟ إنتي أكلهن فيضحكن إن زوجتى لديها سبع بنات .. لا .. إني آسف .. ست فقط .. ( بقوة ) بل سبعة - الكبرى في السابعة والعشرين والصغرى في السابعة عشرة .. أيها السادة ) ينظر حوله ( إنتى بادى . لقد أصبحت أحمق .. أصبحت عبثاً لا قيمة لي .. ولكني أسعد الآباء . : أو على الأصح يجب ان أكون كذلك ولا أجرؤ على القول بأنى لست كذلك .. ولكن . آه لو تعلمون .. لقد عشت مع زوجتى ثلاثة وثلاثين عاما وباستطاعتي القول أنها كانت أجمل سنوات حياتي .. لست أقصد أجملها تماما ولكن أتكلم على وجه العموم .. لقد مرت كلحظة سميدة واحدة .. لعنها الله ولعن من يعيشها .. ( يتلفت حوله ( أعتقد أنها لم تحضر بعد.. وأنى لذلك أستطيع أن أقول ما أريد .. إنتي خائف .. أخاف نظرتها إلى .. ولكن لنعد إلى الموضوع .. كنت أقول إن بناتى لم يتزوجن بعد .. ربما كان السبب هو خجلهن ولكن السبب الرئيسي هو أن الرجال لم تتح لهم الفرصة لرؤيتهن .. فزوجتى لا تحب إقامة

الحفلات ولا تحب دعوة أحد إلى العشاء . . إنها لاذمة مصبية تحب الشجار ولذلك لا يقرب منزلنا أحد . ولكن سأمر لكم أمرا ) يميل مجسمه نحو السامعين ) باستطاعتكم رؤية بناتى في أيام الأعياد الكبرى في منزل ممتهن ناتالي سيميونوفا التي تشكو داعا من الرومانيزم . هناك باستطاعتكم تناول أطيب الأطعمة.. فإذا لم تحضر زوجتي هناك كان باستطاعتكم أيضا أن .. ( يرفع ذراعه ) يجب أن أخبركم أني أسكر من كأس واحدة. وأنى عندما أسكر أكون سعيدا جدا وتعما جدا بصورة لا أستطيع وصفها لكم .. عندئذ أستعيد شبابي ولسبب ما أجد نفسى تريد القرار . . الفرار إلى أية جهة . . آه لو علمتم كم أريد القرار ) بحماس ) أريد أن أهرب مخلفا كل شي وراني ودون أن أنظر خلفى .. إلى أين ؟ أى مكان ، ما دمت سأطرح عن كاهلى تلك الحياة التافهة، الحقيرة ، التي جعلت مني فبيا نعما أحق و ما دمت سأطرح عن كاهلى تلك الزوجة الغبية الحقيرة الثائرة العصبية البخيلة التي لم تكف لحظة من تعذبي طوال الثلاثة والثلاثين عاما التي عشتها معها . أريد أن أهرب من الموسيقى .. من المطبخ . . من كشف حساب زوجتي .. من كل تفاهاتها وحماقاتها . أريد أن أهرب ثم أقف في مكان بعيد .. في حقل .. ساكنا لا أتحرك كالشجرة أو العمود أو الصنم . . تحت السماء الواسعة .. وأنظار طوال الليل إلى القمر الساطع فوق رأسى .. وأنسى .. وأنسى . . .. .. كم أريد ألا أتذكر .. كم أريد أن أمزق هذا المصطاف القديم الذى أليسه منذ حفلة الزواج ( يمزق المعطف ) والذى ألبسه دائما عند ما ألقى محاضراتي في الموضوعات الخيرية .. خذوه ( يدوس بقدمه على المعطف ( خذوه . . إنني كمل مسكين محطم كهذا المطلف الذي رفع ظهره .. ( يدير ظهره للحاضرين ( لا أريد شيئا .. إننى أحسن وأنظف من ذلك .. لقد كنت شابا في وقت من الأوقات وكنت أدرس في الجامعة .. كانت لى آمال وأحلام وكنت أعتبر نفسى رجلا . أما الآن فلا أريد شيئا .. لا أريد إلا الراحة . . الراحة . . ( ينظر

خلفه ثم يلبس ممطلقه بسرعة ( إن زوجتى خلف المنصة تنتظرني ) ينظر إلى ساعته ( لقد انتهى الوقت . . إذا سألتكم فأخبروها أن المحاضر .. الصنم .. أقصد نفسى .. تصرف بوتار .. أتوسل إليكم أن تخبروها ذلك .. ( يلتفت حوله ويتنحنح ) إنها تنظر إلى .. ( يرفع صوته ) وبناء على ذلك ، وبعد أن شرحت لكم ذلك السم الفظيع الذى يحتويه الدخان أرجو أن يمنع التدخين قطعيا وأتمنى أن تكون لهذه المحاضرة في مضمار التدخين بعض النفع لكم

انتهت المحاضرة .. ( ينحني ويسير في وقار )

(ستار)

اشترك في نشرتنا البريدية