كان ميدان الصحراء الغربية الصق ميادين الحرب الحاضرة بمصر ، واهمها لها من حيث دراسة الخطط ، وأساليب المعارك ، وما ترتب عليها من الآثار والنتائج
فمنذ أن اعلن " موسوليني " الحرب على الحلفاء في ١٠ يونيه سنة ١٩٤٠ إلى ان استسلمت اخر قوات المحور في تونس في مايو سنة ١٩٤٣ - ظلت عين مصر تتطلع إلى الغرب تستنبئ رمال الصحراء ونجومها كل ليلة ماذا سيسفر عنه الغد القريب من شئون وأحداث
وإذا كانت الضرورات الاستراتيجية والعملية قد اقتضت ألا تخوض مصر مع الخائضين غمار هذه المعارك ، وان تحرم جيشها فرصة ثمينة يبلو فيها أساليب القتال الحديثة ، ويستعيد بعض تاريخه الحربي المجيد ، فقد ساهمت مصر في ذلك الميدان بجهود كان لها كبير الأثر في النصر الأخير ؛ وكأن الله كافأ هذه الجهود فصرف صواعق التدمير عن مدن مصر وطرقها ومنشآتها التاريخية والدينية .
وإذا كان بعض المصريين ، وفي طليعتهم رجال الجيش ، قد قاموا بزيارة الآماكن التي شهدت أروع المعارك ، ودرسوا شيئا من الخطط التي اتبعتها الجيوش المتحاربة في كرها وفرها ، فان مراسلا حربيا إنجليزيا قد أتاح للجميع فرصة تتبع هذه المعارك ، ودراسة اشخاصها واحداثها ، وتقلب الحظ فيها ، في كتاب تاريخي ادبي ممتع في أ كثر من اربعمائة صفحة ، عنوانه : ) ثلاثة ضد رومل ( ) ٦ ( . والثلاثة - كما هو معروف - " ويفل " و " أوخنك " و الكسندر " ؛ فقد كان من عمل ،
أولهم ان وضع النواة الأولى في حياة الجيش الثامن وتعهده في مراحل طفولته الاولى ؛ وكان من نصيب الثاني
ان شهد نمو هذا اليفع إلي مرحلة الفتوة والشباب ؛ ثم كان من حظ الثالث ان صحبه ناضجا تام الرشد ، فسار به ) يشد أزره " مونتجومري " ( إلى ذروة المجد والانتصار ،
يرسم الكتاب الخطوط الأساسية في شخصيات ابطاله الثلاثة : فيبدو لك " ويفل " في صورته العبقرية الصامتة ، التى استطاعت من طريق الخداع والمغامرة والحدس الصادق ان تقضي على ربع مليون من الإيطاليين ، بجيش لم يتجاوز ستة وثلاثين الفا ، وبخسارة لم تزد على ثلاثة آلاف . ثم يختفي " ويفل " ليظهر على المسرح " أوختلك " ذلك القائد ذو الحياة الحربية الناجحة ، الخالية من شذوذ العبقرية ، والقائمة على الصراحة والجلد ،
والذي كان من نصيبه أن خلع قائدين من قواده ، واحدا بعد الآخر ، والمعركة دائرة الرحي ، وان يتولى بنفسه قيادة الجيش الثامن ، وظهره إلى الحائط ، كما يقولون .
والعدو على الأبواب . أما ثالث الثلاثة ) الجنرال الكسندر فيظهر على المسرح ليقدم " مونتجومري " ذلك الرجل القصير النحيف ، الذي نشأ نشأة دينية لم يعرف فيها حتى التدخين ، والذي أحبه جنوده حبا جما .
والكتاب في نواحيه التاريخية والحربية والأدبية يكاد يكون فريدا بين الكتب التي صدرت عن الحرب الحاضرة إلى الآن ؛ وقد لا يدانيه في معظم هذه الصفات إلا كتاب لكاتب هنغاري حارب في صفوف الجيش الفرنسي ، في الكتيبة الأجنبية ، وأسره الألمان ،
ثم نجح في الفرار ، وصور مأساة انهيار فرنسا سنة ١٩٤٠ في اسلوب يأخذ بالقلوب ، تحت عنوان ) ألوف سوف يصرعون (
وأطرف ما يعحبك ويدهشك معا في كتاب الصحراء ، تلك الصراحة السافرة التى يصطنعها الكاتب الإنجليزي
حين يتكلم عن شخصيات القواد الإنجليز ، وعن اخطاء ، كل منهم ، والازمات التى مرت به ، ثم ذلك الإنصاف الرياضى السمح الذي يملى عليه الاعتراف ببطولة الأعداء ،
والشهادة لهم مما يبرعون فيه من وضع الخطط واغتنام الفرص . ثم يروقك فيه تلك الموازنات التي يعقدها المؤلف بين الالمان والإنجليز في صفاتهم الحربية ونظمهم في القتال ،
ثم بين الجيوش الثلاثة الإنجليزي والآلماني والإيطالي وموقف كل منها نحو الصحراء ؛ يقول في التعقيبب علي نهاية الجولة الثالثة حين استرد البريطانيون " ليبيا " ثاني مرة : " لقد اظهر الالمان مهارة رائعة ، وشجاعة كبيرة في تنظيم اصلاح الدبابات العاطبة في المعركة ، فقد كانت هذه تسحب ، والمعطبة لا تزال على اشدها ، فتصلح في دار إصلاح متحركة ، ثم يرسل بها في الغد مرة اخري إلي الفتال اما الوحدات البريطانية ، فقد كانت تبذل اقصي جهدها ، ولكنها لم تكن منظمة تنظيم الفرق الألمانية ،
بل لقد كان أفرادها أشبه بفئة من الأطباء في بلد دهمه الطاعون فتجمع لديهم من المرضى عدد اكبر مما يستطيعون علاجه . ولقد كان تفوق " رومل " في هذه الناحية هو الذي مكنه من أن يظهر كل يوم بعدد من الدبابات فوق ما كنا نتوقع " . ويقول : " وإذا كان البريطانيون قد اظهروا ضروبا من البطولة والتدبير الفردي ، فإن روح الفريق عند الألمان كانت أكمل نظاما وتدريبا . . والواقع أن الصحراء قد اظهرت الفروق النوعية بين الشعبين واضحة جذابة ؟ فان الصحراء تنزع عن الناس طلاء المدنية ،
وتترك الخصائص الفطرية مكشوفة عارية ، حتى لتري الناس يتجردون من كل ما يعطي الحياة قيمها ، فلا يبقى معهم إلا ما يجعلها ممكنه مجرد إمكان ؛ هنالك يذهب كل شئ : فلا يبق من العناصر إلا الطعام والشراب والدفء والبرد والنوم والصحة والأمن والموت . . وتكون النتيجة ان
تبرز إلي العيان تلك الميول النوعية الأساسية التي كثيرا ما تخفي معالمها تحت غشاء التقاليد والثقافة وما إليها . .
وهكذا ظهر الألمان في مظهرهم الآصيل من فناء الفرد في المجموع ، بل صيرورته ترسا صغيرا في آلة كبيرة ؛ ولبسوا خواصهم التي نادى بها " نيتشه " والتي ترجع إلى العهد التيوتوني القبلي . لقد اهتدي " رومل " بغريزته إلي ان يحشد دباباته معا ، ولم تكن هذه خطة حربية جيدة فحسب ، بل كانت تمشيا صالحا مع مقتضيات السيكولوجيا الألمانية . . إن الألمان يقاتلون في مهارة إذا كانوا جماعة ،
بل إنهم ليقاتلون إذ ذاك في تهور وتضحية غير عابئين بخسائرهم . . أما جيشنا ) البريطاني ( فقد كان خليطا من الرجال - من بريطانيا ونيوزيلندا وأستراليا وبولندة وغيرها - غير أنه إذا كان هؤلاء مختلفين في السلالة واللون واللغة ، فإن صفة واحدة تجمعهم ، تلك انهم ليسوا " ) إنتاجا بالجملة " ولكنهم أفراد ، يقاتل الواحد منهم ولو كان وحيدا ، ويتحمل ما يلقي من حر وقر وجوع وعطش .
فجنود " الماوري " يؤثرون القتال في الظلام ، والهنود ميالون بطبيعتهم إلى ما يشبه حروب العصابات السريعة في الصحراء والبولنديون بما ابغضوا الألمان يندفعون ضد أي شئ . . وقد ترتب على هذا أننا حين كنا نطلب أشخاصا قليلين لاستطلاع أو لغارة فدائية كنا نجدهم ، في حين لم يكن الألمان يستطيعون ذلك . على أننا إذا كنا قد ارتكبنا أخطاء في هذه المعركة ، فقد كانت فرصة ثمينة تعلمنا فيها من هذه الأخطاء ، إذ تجمعت لدينا مادة أولية وفيرة للدرس والتحليل ؛ وقد أفدنا كثيرا من ان المعركة لم تسر في يسر وسهولة ، فإن قتالا شديد المراس اجدي في النهاية من انتصار رخيص . . لقد واجهت دباباتنا دبابات الالمان مباشرة ، وقاتل مشاتنا مشاتهم ، وامكننا لأول مرة في هذه الحرب أن نستولي على معسكراتهم ومعداتهم
ومعامل إصلاحهم ، ووثائقهم وقوادهم ؛ وقد قابلناهم في الأرض وفي الهواء هاجمين ومدافعين ، واضطررنا ان ندرس خططهم وطرقهم ومعداتهم لا نظريا ولكن عمليا ،
واتخذنا من الصحراء منضدة عمليات . وكانت بعض الدروس التى تعلمناها فنية عميقة ، وبعضها سرية خفية ،
ولكنها كلها كانت جديرة بأن تتعلم . إنه لم يكن بد لمعركة الصحراء هذه من ان يصطلي بنارها ، فكان علينا - إذن - ان نعرف كل ما هنالك عنها . ولقد افدنا كثيرا مما كشفنا عن الجنود الألمان في طعامهم ولباسهم وكتبهم وكل نواحي حياتهم . . "
وبعد ، فماذا كان موقف كل من الجيوش الثلاثة نحو الصحراء ؟ " أما البريطانيون فقد كانوا يتصرفون كأن لم تكن هناك صحراء ، فلا هم يقاتلونها ولا هم يخطبون ودها ؟ وإذا كان الشئ مما يحدث بطبيعته تركوه يحدث ، وإلا اهملوه ؛ والجندي البريطاني لايهتم كثيرا بشئون حياته في الصحراء ، فهو لا يقلق على طعامه او شرابه ،
ولن تنتظر منه اي شكوي ما دام واثقا من وجود الشاي القوي وشيء من الكر فيه ، ثم شئ من لحم العلب ومن البسكويت ؛ وإذا جن عليه الليل نام على الأرض ملقفا في غطائه ! فهو في الحقيقة يعيش عيشة الصحراء ، ولا يحاول ان يجملها إلا في القليل النادر
" وأما الإيطالي فإنه يحاول ان يجعل الصحراء دارا صالحة للسكني : يبني فيها بيوتا صغيرة بالحجارة واللبن ،
ويزرع فيها حدائق الزهر حيث لا شئ ينمو ، ويجلب معه حلله الانيقة وأوسمته وعطوره وافخر ادوات مطبخه ؟ ويشرب الخمر بأنواعها ، والمياه المعدنية من زجاجاتها ويأكل من اطايب الطعام ما كان يأكل في منزله
إنه يكره الصحراء ، وهو لا يحتملها إلا إذا استطاع أن
يجعلها إيطاليا ثانية . .
" وأما الألمان فهم بغريزتهم يقاتلون الصحراء ، فالناظر في معسكراتهم - وقد فارقوها معجلين يعجب كيف أجهد العلماء والفنيون والخبراء النازيون أنفسهم في اختراع وسائل المناعة والراحة في هذا المكان الذي تصوروه فظيعا غير طبيعي ! وكيف اعد معهد المناطق الحارة في " همبرج " لباسا وعددا خاصة بالصحراء ،
وأعطي الجنود في بعض الأحوال تدريبا خاصا على سكني البيوت الحارة قبل إرسالهم إلى إفريقيا ، مما يدل على ان كل شئ كان موضع بحث وتفكير ! وفي اللحظة التي ينزل فيها الجندى الآلماني ساحل إفريقيا كان يعطي كتابا صغيرا يحذره أخطار النساء والرذيلة ، والقذارة والمرض ، والهوام والحرارة والماء ، وخيانة الاعراب ، وخواص الجو
ثم إنك تجد في مخازن العسكر ما شئت من أصناف الطعام المسحوق وأقراص الفيتامين ، والأقراص المجددة للنشاط ،
وماء غسل الفم والعين ، ومطهرات الماء ومساحيق الحشرات . وتجد في رسائلهم الواردة من اهلهم في المانيا كل عبارات العطف على الجنود المساكين الذين يعيشون في هذا المكان الفظيع ، وفي الخطابات المرسلة من الجنود كل عبارات الشكوي والحنين إلي خضرة شمال أوروبا . .
على أنه إذا كانت البروباجندا البريطانية قد صدقت فيما زعمت من ان الالمان بكرهون الصحراء ، فإن البريطانيين أخطأوا في ظنهم أن الألمان - من أجل هذا - سوف لا يبلون بلاء حسنا في القتال . لقد مزج الألمان البروباجندا والنظام والتدريب والتهذيب ، ثم اخرجوا من كل ذلك جيشا صحراويا حسن القتال . ومن الخطأ وقصر النظر ان يدعي غير هذا . . "
) يتبع

