قلت إن المؤلف وقف من الأشخاص والحوادث والنجاح والفشل موقف المؤرخ الصريح النزيه - في اغلب الحالات - وليس أدل علي صراحته ونزاهته معا من ذلك النموذج الجرئ من التحليل والتعليق اللدين تناول بهما كل فقرة من حديث " مونتجومري " المراسلين الحربيين ، يوم أن بدأ هذا القائد المظفر معركة العلمين.
يقول " مونتجومري " : " أيها السادة ! إن المعركة ستبدأ الليلة . وعلى ضوء القمر سيحدث قتال رهيب .
إن هدفى أن أزيل الألمان من شمال إفريقيا ؛ وقد يأخذ هذا زمناً ، ولكنا سنفعله . إني لأظن أن هذه المعركة ستكون نقطة التحول في الحرب . ولقد كانت سياستى دائما ألا نقبل فشلا بعد اليوم " .
فيعلق المؤلف على هذه الفقرة قائلا : (إن هذا الكلام من " مونتجومرى " شديد بعض الشئ على من سبقه من القواد ، فلم يكن لديهم من الظروف المواتية ما توفر لديه الآن . لقد جمعوا اللاعبين ودربوهم في سير طويلى ،
وجاهدوا ليوفروا لهم آلات اللعب ، والآن يواتي الحظ " مونتجومرى " فيعطيه قيادة هذه الأور كستر الكاملة ).
يقول " مونتجومرى " : " إن أهم شيء هو الروح المعنوي ، فإذا تساوت الأشياء الآخر وكان الجانب ذو الروح الأعلى هو الغالب " ويعلق المؤلف : (هذا صحيح ، ولكنه واضح بالبداهة ، فإذا تساوت الأشياء الأخرى ، فالجانب ذو المدافع الأرجح أو الأحذية الأمتن سيغلب .
ولكن الأشياء الآخر يندر أن تتساوي . ولقد برهنت الحرب الأسبانية وحرب فنلندا أن الروح المعنوي وحده ليس كافيا ).
يقول " مونتجومرى " : " إذا نظرتم إلي التاريخ ، وبحثتم في أسباب الفشل ، فأنا أقول إنها يمكن أن ترد في
أساسها إلي القيادة الخاطئة وعدم كفاية أعوانها أما الجند . Soldiery - تلك الكلمة القديمة الجيدة - فإنهم لن يخذلوكم " . ويعقب المؤلف : (إنها لكلمة جريئة تصدر من القائد العام في مساء المعركة ، ولكنها غير منصفة لأسلاف " مونتجومرى " من الفواد . لقد جعل الروح المعنوي أساس النجاح ، والقيادة الخاطئة سبب الفشل ، ثم اعتبر الجند هم العامل الثابت الذي يمكن الاعتماد عليه ؛ ولكن هذه التعميمات أوسع مما ينبغي . ثم ماذا تكون الحال مع جنود روحهم المعنوي رديء ؟ إن الجنود الإيطاليين من غير شك قد خذلوا فوادهم ! لقد أهمل " موتجومري " عاملين أساسيين : تدريب الجند ، والمعدات التي يزودون بها ؛ ومن هذين تجيء ميزاته على سابقيه ).
يقول " مونتجومرى " : " كل ضابط وكل جندي يعرف اليوم ما يراد . لقد خاطبت جميع الضباط حتى رتبة " لفتنانت كورنل " ، وقد عرفوا كل شئ عن هذه المعركة ، ثم بلغوا ما عندهم من المعرفة إلى الجنود " .
فيعلق المؤلف : (هذه من غير شك فكرة رائعة . إن جندي اليوم ليس مجرد حشو لفم المدفع . إنه يحتاج إلى أن يكون رجلا ذكيا . وكلما عرف أكثر كان قتاله أحسن) . ويصف المؤلف لك كل معركة في أدق تفاصيلها وأغمض حركاتها ، وما لعبت فيها كل فرقة من دور ،
وما ذهب من الخطط مع الرمح . ولكنه ينبهك إلى أن أحداً لا يستطيع قط أن يصف معركة ما وصفا مرضيا ، فإنها شئ الموسيقى - وما أشبهها - فوق طاقة اللغة الإنسانية . إنك تستطيع أن نمطي بيانا عن الحركات والعمليات ، وتحصل منه من اللذة ما يحصله المستمع لوصف لعب الشطرنج حركة حركة . يمكنك أن نصف كل شئ في طاقة الإنسان أن يحسه أو يراه ، ويمكنك أن تضع معا كل العبارات المألوفة في قاموس الحركات الحربية ، ثم لا ينتج لك كل هذا إلا نسجا مهلهلا ، أو ظلا غامضا مما
حدث . إن الصعوبة كلها لغوية ، فإن حقائق الحرب الحديثة قد أصبحت وراء التجارب الإنسانية العادية ، وليس ميدان اللغة إلا هذه التجارب . إن البلاغات الحربية تستعمل مثلا عبارة (قذائف المدفعية الثقيلة )،
ولكن هذه لا تخيرك إلا قليلا عن ذلك الإحساس المأزوم الذي تحسه وأنت تنتظر وصول القذيفة ؛ وعن ذلك الصوت الصارخ المحزون ، صوت القذيفة وهي مقبلة ، وعن دويها المحطم للأعصاب وقد انفجرت ، وعن زمزمة أجزائها المتناثرة من حولك ، ثم عن إحساسك بالفرج وقد أخطأتك هذه الأجزاء ، والتفاتتك إلى جندي بجانبك وقد أصيب .. "
والآن ما مكان مصر في هذا الكتاب ؟ إن الكاتب - كما أشرنا - إنجليزي ، وهو يتحدث عن ميدان اكتوت إنجلترا بنيرانه ثلاث سنوات ، وتقلب عليها فيه الفظ بين هزيمة وانتصار ، ثم خرجت منه في النهاية فائرة فوزاً بصدق نبوءة " مونتجومرى " في كونه نقطة التحول في هذه الحرب . وقد قضى المؤلف جل وقته في الصحراء ،
فلم يزر القاهرة والإسكندرية إلا لماما ، ولم تترك له جاذبية المعارك الطاحنة وقتاً يدرس فيه مصر ، ويتعرف فيه مشاعر المصريين على حقيقتها ؛ فكان طبيعيا - إذاً - أن تجيء إشاراته عن مصر عابرة ، وأن تجيء أحكامه على أهلها وطوايا قلوبهم خلوا من ذلك العمق الذي امتاز به وصفه للصحراء .
يتحدث عن "ويقل " في أول الكتاب فيثنى على حسن تدبيره وكتمان استعداده للهجوم الأول ، رغم أن مركز قيادته في فندق من فنادق القاهرة . والقاهرة - في رأي المؤلف - لا يبقي فيه السر سراً أكثر من بضع ساعات ! ويتحدث عن حالة القاهرة عند اقتراب الألمان من " المعلمين" فيذكر كيف ظل القاهريون ياخذون زينتهم - كعادتهم
ويذهبون في حر الظهيرة إلي حديقة " جروبي " لتناول المرطبات والأخذ بأطراف الأحاديث ؛ وكيف كانت المعركة تدور على أبواب مصر ، والمصريون في المقاهي يتجادلون في شأنها جدالا عنيفاً يتصبب له العرق من وجوههم ، ولكنه جدل أكاديمى لا نتيجة له . ولقد كان قريباً من المستحيل أن يتبين المرء أ كان القاهريون يعنون حقا بنتيجة المعركة !
لقد ظلت مصر محتفظة بحيادها ، فقد كان من المهازل العجيبة أن تقع مصر بين مخالب الهجوم ، ثم لا تكون في حالة حرب ! وقد اضطرتها الصدفة الجغرافية أن تؤجر إحدي صحراوانها لتكون ميدان معركة ، والآن توشك المعركة أن تتدفق من الصحراء إلي الوادي الخصيب !
يقص المؤلف أنه التقى ذات يوم من تلك الأيام بمصري (شعري) هرم . فقال له المصري : "نحن على هذا المسرح بمثابة المنظر ، وانتم الممثلون، تجيئون وتذهبون "..
ثم يقول المؤلف : " لقد كان هذا حقا ، وقد بقي النظر ثابتا في مكانه في هذه اللحظة الدرامية الرائعة . غير أنك إذا تعمقت الأمور وجدت شيئا كثيرا من الحركة ، فقد كشفت أخبار البلاط والبلاغات الرسمية عن عدد من الاجتماعات والمؤتمرات ، وأخذت الوزارة المصرية تبحث فيما يجب أن تعمله . وحاول السفير البريطاني أن يعلم ماذا قرر الملك والحكومة المصرية إزاء هذه الازمة ، واحتدمت المناقشات حول مسألة النسف والتخريب (على يد الجيش المنهزم) ، وعقد البرلمان جلسات سرية أطلقت كل منها أفواجا من الإشاعات ، وبدأت السفارة البريطانية ومركز القيادة العليا يحرقان أوراقهما ، وارتفعت أعمدة الدخان - متباطئة متثاقلة - ومن وثائق ربما رجع تاريخها إلي أيام غوردون وكنشغر... ثم أخذت القاهرة بالتدريج تلبس لباس مدينة تواجه حالا طارئة ، فأصدرت فيها
تعليمات بشأن الغارات الجوية ، واتخذت الاستعدادات لحفظ مستوي الائمان ، والاحتياطات ضد الطابور الخامس .
وفعل الألمان كل ما استطاعوا لإثارة الاضطراب ؛ فكان مما صنعوه ان ارسلوا في جو مصر عدداً من المنشورات يدعون فيها المصريين إلى الثورة واستعمال أساليب التبطيل والتعويق ، وألقوا القنابل على عدد من الأماكن في منطقة القنال . ولكنهم لم يجنوا من كل ذلك ثمرة ما ! فقد جاء رد فعل الجمهور المصري لهذه الأحداث الجسام غير متوقع حقا ! إن البريطانيين لم يخدعوا أنفسهم يوما من الأيام بأن يظنوا أنهم محبوبون في مصر كل الحب .
إنهم كانوا يعرفون تمام المعرفة أنه لاشئ ينجح في الشرق مثل النجاح ! وأن القوة تفعل في نفوس أهله مالا يفعل البرهان ! وقد كان من مزية الألمان في هذه الناحية أمران : الأول أنهم لم يفتحوا - أو يحتلوا - كما فعلت
بريطانيا وفرنسا وإيطاليا - أي واحد من الاقطار العربية .
وكل ما يعرفه الناس هنا عن " هتلر" أنه اضطهد اليهود ، وتلك فعلة لا يعترض عليها العرب كثيرا إذا ذكروا فلسطين ! والاعتبار الثاني أن الألمان كانوا إلي ذلك الوقت موفقين في كل ميدان .
ومع ذلك ففي هذه اللحظة - والبريطانيون جاثون على ركبهم - لم ينهض المصريون ليرفسوهم بأرجلهم ! لا بل سلكوا مسلكا رائعاً كله مجاملة وهدوء ! وقد يكون هذا نوعا من عدم الاكتراث ، أو قد يكون يقينا جاء في آخر لحظة بأن مصر لن تفيد من الألمان ما أفادت من الإنجليز ، بل ربما كان هذا ولاء عاطفيا شعر به المصريون فجاءة نحو الإنجليز ؛ وأياً ما كانت البواعث فقد كان موقف المصريين معينا حقا في تلك الأيام
الحرجة " .
