الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 295الرجوع إلى "الثقافة"

فى معترك الخطوب

Share

الحوادث في عراك دائم ، والتاريخ في سيل مستمر . وإنما تبقى الأمم في معترك الحوادث ، وتثبت في سيل التاريخ ، بعقل يرشدها ، وخلق يثبتها ، وعمل تدفع به عن حياتها ، وتؤثر به على الأرض اثارها ، وتسطر به في التاريخ ذكرها ، كم امة حرفتها الحادثات ، وذهب بها الزمان كما يذهب السيل بالغثاء وكم امة ثبتت في مجري الأحداث كالصخور ينشق الماء عنها ، ويذهب وهي باقية راسخة

والأرض ترجف اليوم بخطوب جسام ، وتتزلزل بأهوال يشهد التاريخ مثلها ؛ تتصادم فيها الامم بعددها من العلم والصناعة والخلق المتين ، والنظام المحكم ، والجد الدائب ) تحترب الأمم في معارك على الأرض ، وفي الماء والهواء ، وتحترب في المدن والقري ، وفي المصانع والدور ؟ ووراء هذا كله تتحارب بعلمها وخلقها . وقد خرت بعض الامم ، على قوتها وكثرتها ، في هذا الجلاد ، وثبتت أمم لا تزال تتناحر وتتفاني بكل ما عرف العقل والعلم والصناعة ، وبكل ما ادرك الشيطان من وسائل التدمير والتخريب والقتل والفتك . ترسل بنيها إلي الوقائع حطبا لهذا الجحيم ، ويصب عليها العذاب من السماء صبا . وكم تحطمت طائرات وسفن ، ومدافع ودبابات ، وخرت حصون ، وتهدمت بيوت ولكن إرادة الإنسان ، وعزيمة الإنسان ، وعناد الإنسان ، لم تتحطم ولم تكل .

وقد دلت بعض الأمم في هذه الحرب على أن صبر الإنسان لا يهزم ، وخلق الإنسان لا يدمر ، فهزئت بالحوادث وهي هائلة ، واستخفت بالهزائم وهي ماحقة ، واستنارت بالأمل والظلم مطبقة ، واستمسكت بالصبر والخطوب مزلزلة ، واعتصمت بالعزة والإباء في العواصف

الهوجاء ؟ وما زالت حتي اخرجت من الهزيمة نصرا ، ومن القلة كثرة ، ومن الضعف قوة ، وأثبتت للجاحدين ان الله مع الصابرين .

وما تزال الخطوب متصادمة ، والأخلاق متلاحمة ، والحوادث متلاحقة ، عبرة لمن يعتبر ، ومثلا لمن يمتثل ، وذكري لمن كان له قلب . ما يزال الزمان يشهد اعظم وقائعه ، ويري اكبر عبره ، وينطق بأكبر عظاته . وفي الأمم من اتعظت بنفسها ، وفيها من اتعظت بغيرها ، وفيها من مرت بها العظات وهي غافلة ، وزلزلت الأرض تحتها وهي راقدة كأن الذي حولها أحلام هائلة .

وهذه الأمم المتناحرة المتفانية تلقي عينا على الحاضر وأخري علي المستقبل ؛ تدبر هذه الواقعات المدمرة ، وتعد لما بعد الحرب الخطط المعمرة ، وتقبس من هذه النار الحاطمة لتنير المستقبل المرجو ، ولا يذهلها يومها - وهو مذهل عن غدها ، ولا يشغلها حاضرها - وهو شاغل - عن مستقبلها ، ولا ينسيها العالم الشقي صورة العالم السعيد الذي تنشده .

ونحن ، والحمد لله، في عافية مما ابتلي به غيرنا ، نسمع ضوضاء المعارك وانباءها ، وتحيط بنا خططها وآثارها ، ولا تدفع في مضايقها ، ولا تصلي بنارها ، ولا تحمل مصائبها . تحمد الله على هذا ، فهل تحمده كذلك على أننا في عافية من عناء التفكير والتدبير والتشاور والقطع برأي في حاضرنا ومستقبلنا ؟ ! وفي عافية من أن تشارك العاملين للمستقبل برأي نشير به ، أو خطة نضعها ، أو مطلب نصر عليه ؟ ! لعلنا أوفر أمم العالم نصيبا من الفراغ في هذا الوقت ، فلماذا لا نكون مثلهم تفكيرا في المستقبل ، وشغلا بالحاضر ؟ لماذا لا نأتمر بيننا ، وندير الرأي فيما عسى ان نلقي بعد الحرب من

مشاكل ومصاعب . إنا ننتظر القضاء ، قضاء الناس لا قضاء الله !

" وفي الناس من يقضي عليه ولا يقضي

وقد رضينا ان نصدق قول الشاعر :

ويقضي الأمر حين تغيب كعب            ولا يستأمرون وهم شهود

أقول نحن ، وأريد الأمة العربية كلها . نحن لا نلقى الحوادث بعدتها وكفايتها من التفكير والحزم ، وجمع الكلمة لا يجتمع اهل الملكة الواحدة على رأي جامع ، وخطة عامة تلتقي عندها مطالبهم او امانيهم . ولا يسارع أهل الأقطار كلها إلي البت برأي فاصل فيما يحزبهم من أمور الحاضر ، ومايهم من قضايا المستقبل . وحسبى مثل واحد من أمثال :

تشعر البلاد العربية بحاجتها إلي التعاون والتقارب ، والسير على خطة واحدة في الامور التي تعمها ؛ وقد أوحي إليها هذا الشعور معرفتها أنها على اختلاف الأقطار أمة واحدة يؤلف بينها ما يؤلف بين الأمم الواحدة على هذه الأرض ، والحقائق الماثلة تصدق هذا ، والتاريخ يؤيده ، والضرورات والحاجات تدعو إليه . وقد فكر قادة الرأي في الأقطار العربية في أن يحققوا هذه الأماني فيوحدوا بين العرب ويجمعوهم على نظام واحد ، أو نظم متقاربة في أمورهم المشتركة . ولا ننكر أن الإنكليز نبهونا إلي هذا مرة بعد مرة . وقد مضت سنوات ، وأوشكت الحرب أن تنتهي ، فماذا فعلنا ؟ لا أدري ؛ إن الأمر فيما أري أوضح من أن تضطرب فيه الآراء ، وأيسر من أن تقعد دونه الهمم ، والزمان ضنين بفرصه ، والحوادث لا تعرف الهوادة . إننا لا نصطنع أشياء ، ولا نلفق أمورا تصادم الحقائق أو تخالف الرغبات ، ولكنا نعالج حقائق ماثلة معترفا بها ، نريد ان ننظمها وننتفع بها . ومن تنصره الحقائق ، وتواتيه الرغبات ، لا يجد عسرا فيما يحاول . لو اجتمع ممثلو البلاد العربية الرسميون ، أو اتيح للقادة

غير الحكوميين ان يجتمعوا ، ثم وضع هؤلاء او هؤلاء ، خطة وجعلوها للعرب ميثاقا لا يقبل جدلا ولا ردا ، لو فعل هذا للقينا الحادثات بما تطلبه ، واعطينا الفرص ما تستحقه ، ولأخذنا السبيل على القال والقيل ، ولاسترحنا من الرجم بالظنون والأقوال .

إن لنا الثقة كل الثقة بمن تصدوا لهذا الأمر ، واضطلعوا بهذا العبء واحتملوا مختارين هذه التبعة العظيمة في الوقت الحرج ، ورأوا في أنفسهم الكفاية لحمل هذه الأمانة التي تسألهم عنها الأجيال الحاضرة والآنية . ولكنا نسألهم سؤال الحريص على طلبته ، ونستعجلهم استعجال القلق  على أمنيته

إنه لا يجدر بنا أن ننام والحوادث يقظي ، ونبطيء والخطوب تسرع ، ولا نلقي الحادثات بعدتها من التدبر والعزم ، وجمع الكلمة ، وإجماع الرأي ، وسرعة الفصل .

اشترك في نشرتنا البريدية