يميل الإنسان بطبعه إلى كل ما هو غامض مجهول فيفحصه ويبحث فيه لعله يوفق إلى كشف سره واجتلاء غموضه ومن بين هذه الغوامض المجهولة مستقبل الإنسان فهو يسترعى منه أشد انتباهه ويحظى بأقصى اهتمامه إذ أنه يعلم ماضيه ويعرف حاضره فلا يقلقه إذا ويشغل باله شئ أكثر من مستقبله ولا يمكن أن يكون الأمر إلا على هذا الوجه لأن الشخص الذى لا يعيش إلا فى حاضره ولحاضره فقط هو أقرب إلى الحيوان منه إلى الإنسان كما أن الشخص الذى يعيش فى ماضيه ويستغرق فيه لابد أن يكون معتل العقل سقيم النفس
لذلك نجد الإنسان دائم البحث والتنقيب لعله يستطيع الكشف عن خفايا المستقبل فينبأ بما سوف تأتى له به الأيام فيستعين الناس أحيانا بالفنجان والكف والنجوم وغيرها وغيرها فى بحثهم عن هذه الخفايا وهذا النوع من التنبؤ لا يعنينا فى كثير أو قليل فى مقالنا هذا لأنه لا يعدو أن يكون رجما بالغيب أما الذى يعنينا فهو ذلك التنبؤ الذى استخدم أسلوبا علميا لاغبار عليه ذلك هو التنبؤ العلمى أو التنبؤ الإحصائى وهذا التنبؤ الإحصائى يتسم بالتواضع العلمى فهو لا يؤكد أن شيئا معينا سيحدث فى زمن محدد ولكنه يقول إذا بقيت الظروف على ما هى عليه فمن المرجح أن يحدث كذا حوالى وقت بعينه وقد يزيد على ذلك قليلا فيعين احتمال حدوث هذا الشئ أو عدم حدوثه والمتنبئ بهذا الأسلوب يعلم على كل حال أن دقة تنبئه تتوقف على
عوامل كثيرة متشابكة متعارضة دائمة التغير تكاد لا تخضع لضابط
وأغلب التنبؤ الإحصائي أساسه استخدام فكرة الدورات فقد لوحظ أن الكثير من الظواهر الطبيعية يخضع لنظام الدورة فالليل والنهار يتتابعان وأوجه القمر تعيد أنفسها وفصول السنة تتعاقب كل ذلك بنظام ثابت دقيق يتبع قوانين طبيعية رياضية معروفة لكن هناك ظواهر أخرى لها دورات أيضا لكنها غير خاضعة لمثل هذا النظام الدقيق أو لعلها خاضعة لقوانين معينة لم يوفق العلم إلى استنتاجها بعد من ذلك الانتعاش الاقتصادى والكساد والحرب والسلم والجفاف والرطوبة وغيرها كثير
وممن مارسوا عملية التنبؤ الإحصائى على نطاق واسع الأستاذ العلامة ريموند هولر هويلر الأستاذ بمعهد بايسون لإدارة الأعمال في ماساشوستس ومدير أبحاث المناخ فى مؤسسة علم الأجواء فى إلينوى ولهذا الباحث طبعا أنصار وناقدون ولكن الأساليب العلمية التى يتبعها تعزز النتائج التى وصل إليها وتنبؤاته ليست من النوع الحاسم بل من نوع تقريبى كما نتتظر من أى تنبؤ علمى فهو لا ينذر مثلا بانهيار اقتصادى في عام ١٩٦٣ بل إنه يتنبأ فقط بصعوبات اقتصادية حوالى ذلك الوقت وذلك بغرض أن الأحوال الدولية تستمر في المستقبل كما كانت فى الماضى كما أنه يتوقع أن يستمر التوتر الدولى لبضع سنوات قليلة مقبلة
وتدل أبحاث هويلر على أن الأحداث البشرية تتبع
نظاما خاصا وقد قام بجمع أكداس مترامية من البيانات لتوضيح هذا النظام وتمكن بواسطة هذه البيانات من عمل رسوم بيانية تدل على أن الحروب والكساد والثورات وحوادث أخرى كثيرة تقع فى فترات منتظمة بل إن الأذواق البشرية تتغير بنفس التتابع
فنلاحظ أننا فى عصر من العصور تميل إلى الزخرفة فى المبانى وفى العصر التالى نميل إلى التبسيط الشديد كما نجد أننا فى فترة معينة نعشق الصور المعقدة من الموسيقى والفن والأدب ثم تتجه فى فترة تالية إلى البسيط منها الذى لا تكلف فيه وأحيانا تصبح الحكومات هي صاحبة السلطة المطلقة فتنشأ الدكتاتوريات ثم تنتقل إلى النقيض فتتغلب الفردية وتعود الديمقراطية إلى الحياة
وقد تغلغلت دراسات هويلر الضخمة في تفاصيل التاريخ المدون لدى ثلاثة آلاف من السنين وقد استنتج من ذلك نظام الحوادث في القاضى وبتطبيق هذا النظام على المستقبل يمكنه التنبؤ بما سوف يحدث فى القرون المقبلة وقد بدأ هذا المجهود الجبار منذ حوالى ربع قرن عندما كان رئيس قسم علم النفس فى جامعة كانساس وما زالت تنبؤاته طبعا موضع اختبار وذلك لضخامتها وطموحها
وقام هويلر أيضا بدراسة الثفاقات المختلفة وتراءى له أن السلوك البشرى يتبع هو الآخر نظاما دوريا ووضع رسما بيانيا تقريبا لهذه الدورة وكان هناك فى نفس الوقت عالم آخر هو الدكتور دوجلاس بمرصد لاول في أريزونا يفحص دورة من نوع آخر بدراسة حلقات أشجار الصنوبر الأصفر بأريزونا البالغة من العمر ألفا وخمسمائة عام فوجد أن هذه الحلقات تكون سميكة فى بعض السنين رقيقة فى بعضها الآخر فيخمن أن السمك ناتج عن الرطوبة والرقة عن الجفاف وعليه يكون تاريخ الجو فى مدى ألف وخمسمائة عام مكتوبا على حلقات هذه الأشجار وبمراجعة ذلك على ما هو مسجل عن الجو فى هذه المدة وجد أن الفكرة سليمة وجد دراسة مليون حلقة تمكن دوجلاس من رسم النتائج فوجد أن منحنى الجو يدل على تعاقب فترات الحرارة والبرودة وكذلك الرطوبة والجفاف بانتظام بل وأكثر من ذلك فقد اتضح أن هذا المنحنى ينسجم تماما مع منحنى
هويلر الثقافى إذ يتخذ سلوك الناس اتجاها معينا فى فترات الدفء الطويلة كما يتخذ اتجاها آخر فى فترات البرودة
لكن هذه الأبحاث عرضة لنقد واضح إذ أنها قاصرة على أريزونا فقط فما بال بقية العالم هل هناك نظام عالمى مماثل لكى يصل هويلر إلى الإجابة عن هذا السؤال وسع نطاق أبحاثه كثيرا منذ حوالى عشرين سنة بمعاونة أربعين مساعدا ولما كانت السجلات الجوية المعتمدة لا ترجع إلى أكثر من مائة عام اضطرت جماعة الأبحاث إلى الاعتماد على أدلة غير مباشرة لمعرفة تاريخ التغيرات الجوية العالمية فاستعانوا بدراسة حلقات بعض الأشجار الضخمة فى كاليفورنيا التى يرجع تاريخها إلى ثلاثة آلاف سنة كما استرشدوا بالمجاعات والأوبئة المذكورة فى الإنجيل والتى كانت تحدث فى أوقات الحرارة والجفاف كذلك استفادوا مما هو معروف عن أوقات تكوين الجليد وأوقات تشققه على الأنهار الروسية وهذه الأوقات مسجلة بعناية لأن تجارة الدولة كانت تعتمد كثيرا على الملاحة النهرية كما استعانوا أيضا بعشرات الآلاف من أمثال هذه الحوادث التى تساعد فى التأريخ للجو
وقد اتضح من مقارنة الحوادث توافق عالمى غريب له مئات الشواهد مثال ذلك أن رقة حلقات الأشجار فى كاليفورنيا دلت على فترة جفاف شديد فى العشر سنوات الأخيرة من القرن الثالث عشر قبل الميلاد وقد حدث فى نفس الوقت وباء وقحط فى مصر كما عانت الهند والصين من جفاف شديد وقلة فى الحصول
ومما استنتجته جماعة الأبحاث أن التغيرات الجوية تعيد نفسها بنظام ثابت يتبع دورة ضخمة مدتها ١٠٢٠ سنة تحتوى في ثناياها على دورات أصغر مددها ٥١٠ سنة ١٧٠ سنة ١٠٠ سنة
اتجه بعد ذلك هويلر ومساعدوه إلى بحث أنواع السلوك البشرى فى أجزاء المنحنى المختلفة فاستعانوا بكتب التاريخ ووجدوا أدلة واضحة على انتشار طراز معين من السلوك فى فترات الحرارة وطراز آخر فى فترات البرودة إذ تميزت فترات الحرارة بالأستبداد والدكتاتورية والحروب العالمية وتطرقات أخرى كثيرة فيكاد يقع ظهور جميع القواد
الحربيين العظام في فترات الحرارة مثل وليام الفاتح وشارلمان ونابوليون وأخيرا أيزتهاور وروميل وقد حدثت تسعون فى المائة من اضطهادات اليهود في فترات حرارة
أما في فترات البرودة فتجد الحوادث تختلف عن هذه كل الاختلاف فعندما يهبط الترموتر العالمى ولو بضع درجات نجد الفردية تظهر وتتغلب فيحرر الأفراد أنفسهم من نير الاستبعاد فقد وقعت الثورة الفرنسية وتحرير أمريكا في فترة برودة وفى نفس الوقت ظهرت المبادئ الديمقراطية في جهات أخرى من العالم فاشتعلت نيران الثورة أو الحروب الأهلية في الأماكن المتباعدة سيام والمكسيك والهند وتركيا وبلجيكا كما قامت أغلب حركات الإصلاح الاجتماعى فى فترات مماثلة ففى فترات برودة ظهر المسيح والامبراطور قسطنطين ودانتى وشوسر ولوتروكلفن وواشنطون ولنكولن وأكثر من تسعين في المائة من الملوك اللذين يصفهم التاريخ بالعظمة
وفى عام ١٩٣٥ وضع هويلر قائمة يتنبؤاته عما يتوقع حدوثه فى العالم لغاية عام ١٩٥٠ فقد تنبأ بموسم حرب قبيل ١٩٤٠ وهى نبوءة حققها هتلر كما نتوقع مجموعة أخرى من الحوادث عقب عام ١٩٤٤ يتميز بها ختام طور حار طويل جلب معه حربين عالميتين وعندما يبدأ العالم في البرودة تنتعش الدينقراطية من جديد وقد حدث ذاك بالفعل فقد اكتسبت الاستقلال كل من الهند والباكستان وبورما والفلبين واثنتا عشرة دولة أخرى يبلغ مجموع سكانها ستمائة مليون نسمة
وستميل المدة الباقية من هذا القرن على العموم نحو البرودة يرتفع فيها الترمومتر لفترتين قصيرتين فقط فى عامى ١٩٧٠١٩٥٢ ولما كانت الحرب تكاد لا تقع إلا فى فترات الحرارة فإن هاتين السنتين ستكونان من مواطن الخطر فإذا اجتزناهما بسلام ضمنا السلم حتى عام ٢٠٠٠ حيث نبدأ الدخول في دور حرارة من جديد وفى ذلك العام يتوقع هويلر أزمة عالمية شديدة لأنه عندئذ تجتمع الدورة التى مدتها ٥١٠ سنة مع تلك التى مدتها ١٧٠ سنة فكلما اجتمعت هاتان الدورتان فى الماضى انقرض عالم قديم ونشأ آخر حديث فقد حدث مرة أن انهارت روما
ومعها امبراطورية شارلمان وفى مرة أخرى انقشعت ظلمات العصور الوسطى بحلول عصر النهضة فإذا صدقت هذه التنبؤات قطينا أن تتوقع عالما جديدا في سنة ٢٠٠٠ فعلى أى صورة سوف يكون هذا العالم يعتقد هويلر أنه ستحدث نهضة أكثر شمولا من سابقتها التى حدثت فى القرن الخامس عشر وأن العالم الجديد سوف لا تتحكم فيه الشيوعية بل ديمقراطية جديدة أوسع مدى وأبعد أثرا من أى ديمقراطية عرفها العالم حتى الآن
