الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 662 الرجوع إلى "الثقافة"

فى موكب العلم, التنبؤ العلمى أو نظام الدورة

Share

يميل الإنسان بطبعه إلى كل ما هو غامض مجهول فيفحصه ويبحث فيه لعله يوفق إلى كشف سره واجتلاء غموضه ومن بين هذه الغوامض المجهولة مستقبل الإنسان فهو يسترعى منه أشد انتباهه ويحظى بأقصى اهتمامه إذ أنه يعلم ماضيه ويعرف حاضره فلا يقلقه إذا ويشغل باله شئ أكثر من مستقبله ولا يمكن أن يكون الأمر إلا على هذا الوجه لأن الشخص الذى لا يعيش إلا فى حاضره ولحاضره فقط هو أقرب إلى الحيوان منه إلى الإنسان كما أن الشخص الذى يعيش فى ماضيه ويستغرق فيه لابد أن يكون معتل العقل سقيم النفس

لذلك نجد الإنسان دائم البحث والتنقيب لعله يستطيع الكشف عن خفايا المستقبل فينبأ بما سوف تأتى له به الأيام فيستعين الناس أحيانا بالفنجان والكف والنجوم وغيرها وغيرها فى بحثهم عن هذه الخفايا وهذا النوع من التنبؤ لا يعنينا فى كثير أو قليل فى مقالنا هذا لأنه لا يعدو أن يكون رجما بالغيب أما الذى يعنينا فهو ذلك التنبؤ الذى استخدم أسلوبا علميا لاغبار عليه ذلك هو التنبؤ العلمى أو التنبؤ الإحصائى وهذا التنبؤ الإحصائى يتسم بالتواضع العلمى فهو لا يؤكد أن شيئا معينا سيحدث فى زمن محدد ولكنه يقول إذا بقيت الظروف على ما هى عليه فمن المرجح أن يحدث كذا حوالى وقت بعينه وقد يزيد على ذلك قليلا فيعين احتمال حدوث هذا الشئ أو عدم حدوثه والمتنبئ بهذا الأسلوب يعلم على كل حال أن دقة تنبئه تتوقف على

عوامل كثيرة متشابكة متعارضة دائمة التغير تكاد لا تخضع لضابط

وأغلب التنبؤ الإحصائي أساسه استخدام فكرة الدورات فقد لوحظ أن الكثير من الظواهر الطبيعية يخضع لنظام الدورة فالليل والنهار يتتابعان وأوجه القمر تعيد أنفسها وفصول السنة تتعاقب كل ذلك بنظام ثابت دقيق يتبع قوانين طبيعية رياضية معروفة لكن هناك ظواهر أخرى لها دورات أيضا لكنها غير خاضعة لمثل هذا النظام الدقيق أو لعلها خاضعة لقوانين معينة لم يوفق العلم إلى استنتاجها بعد من ذلك الانتعاش الاقتصادى والكساد والحرب والسلم والجفاف والرطوبة وغيرها كثير

وممن مارسوا عملية التنبؤ الإحصائى على نطاق واسع الأستاذ العلامة ريموند هولر هويلر الأستاذ بمعهد بايسون لإدارة الأعمال في ماساشوستس ومدير أبحاث المناخ فى مؤسسة علم الأجواء فى إلينوى ولهذا الباحث طبعا أنصار وناقدون ولكن الأساليب العلمية التى يتبعها تعزز النتائج التى وصل إليها وتنبؤاته ليست من النوع الحاسم بل من نوع تقريبى كما نتتظر من أى تنبؤ علمى فهو لا ينذر مثلا بانهيار اقتصادى في عام ١٩٦٣ بل إنه يتنبأ فقط بصعوبات اقتصادية حوالى ذلك الوقت وذلك بغرض أن الأحوال الدولية تستمر في المستقبل كما كانت فى الماضى كما أنه يتوقع أن يستمر التوتر الدولى لبضع سنوات قليلة مقبلة

وتدل أبحاث هويلر على أن الأحداث البشرية تتبع

نظاما خاصا وقد قام بجمع أكداس مترامية من البيانات لتوضيح هذا النظام وتمكن بواسطة هذه البيانات من عمل رسوم بيانية تدل على أن الحروب والكساد والثورات وحوادث أخرى كثيرة تقع فى فترات منتظمة بل إن الأذواق البشرية تتغير بنفس التتابع

فنلاحظ أننا فى عصر من العصور تميل إلى الزخرفة فى المبانى وفى العصر التالى نميل إلى التبسيط الشديد كما نجد أننا فى فترة معينة نعشق الصور المعقدة من الموسيقى والفن والأدب ثم تتجه فى فترة تالية إلى البسيط منها الذى لا تكلف فيه وأحيانا تصبح الحكومات هي صاحبة السلطة المطلقة فتنشأ الدكتاتوريات ثم تنتقل إلى النقيض فتتغلب الفردية وتعود الديمقراطية إلى الحياة

وقد تغلغلت دراسات هويلر الضخمة في تفاصيل التاريخ المدون لدى ثلاثة آلاف من السنين وقد استنتج من ذلك نظام الحوادث في القاضى وبتطبيق هذا النظام على المستقبل يمكنه التنبؤ بما سوف يحدث فى القرون المقبلة وقد بدأ هذا المجهود الجبار منذ حوالى ربع قرن عندما كان رئيس قسم علم النفس فى جامعة كانساس وما زالت تنبؤاته طبعا موضع اختبار وذلك لضخامتها وطموحها

وقام هويلر أيضا بدراسة الثفاقات المختلفة وتراءى له أن السلوك البشرى يتبع هو الآخر نظاما دوريا ووضع رسما بيانيا تقريبا لهذه الدورة وكان هناك فى نفس الوقت عالم آخر هو الدكتور دوجلاس بمرصد لاول في أريزونا يفحص دورة من نوع آخر بدراسة حلقات أشجار الصنوبر الأصفر بأريزونا البالغة من العمر ألفا وخمسمائة عام فوجد أن هذه الحلقات تكون سميكة فى بعض السنين رقيقة فى بعضها الآخر فيخمن أن السمك ناتج عن الرطوبة والرقة عن الجفاف وعليه يكون تاريخ الجو فى مدى ألف وخمسمائة عام مكتوبا على حلقات هذه الأشجار وبمراجعة ذلك على ما هو مسجل عن الجو فى هذه المدة وجد أن الفكرة سليمة وجد دراسة مليون حلقة تمكن دوجلاس من رسم النتائج فوجد أن منحنى الجو يدل على تعاقب فترات الحرارة والبرودة وكذلك الرطوبة والجفاف بانتظام بل وأكثر من ذلك فقد اتضح أن هذا المنحنى ينسجم تماما مع منحنى

هويلر الثقافى إذ يتخذ سلوك الناس اتجاها معينا فى فترات الدفء الطويلة كما يتخذ اتجاها آخر فى فترات البرودة

لكن هذه الأبحاث عرضة لنقد واضح إذ أنها قاصرة على أريزونا فقط فما بال بقية العالم هل هناك نظام عالمى مماثل لكى يصل هويلر إلى الإجابة عن هذا السؤال وسع نطاق أبحاثه كثيرا منذ حوالى عشرين سنة بمعاونة أربعين مساعدا ولما كانت السجلات الجوية المعتمدة لا ترجع إلى أكثر من مائة عام اضطرت جماعة الأبحاث إلى الاعتماد على أدلة غير مباشرة لمعرفة تاريخ التغيرات الجوية العالمية فاستعانوا بدراسة حلقات بعض الأشجار الضخمة فى كاليفورنيا التى يرجع تاريخها إلى ثلاثة آلاف سنة كما استرشدوا بالمجاعات والأوبئة المذكورة فى الإنجيل والتى كانت تحدث فى أوقات الحرارة والجفاف كذلك استفادوا مما هو معروف عن أوقات تكوين الجليد وأوقات تشققه على الأنهار الروسية وهذه الأوقات مسجلة بعناية لأن تجارة الدولة كانت تعتمد كثيرا على الملاحة النهرية كما استعانوا أيضا بعشرات الآلاف من أمثال هذه الحوادث التى تساعد فى التأريخ للجو

وقد اتضح من مقارنة الحوادث توافق عالمى غريب له مئات الشواهد مثال ذلك أن رقة حلقات الأشجار فى كاليفورنيا دلت على فترة جفاف شديد فى العشر سنوات الأخيرة من القرن الثالث عشر قبل الميلاد وقد حدث فى نفس الوقت وباء وقحط فى مصر كما عانت الهند والصين من جفاف شديد وقلة فى الحصول

ومما استنتجته جماعة الأبحاث أن التغيرات الجوية تعيد نفسها بنظام ثابت يتبع دورة ضخمة مدتها ١٠٢٠ سنة تحتوى في ثناياها على دورات أصغر مددها ٥١٠ سنة ١٧٠ سنة ١٠٠ سنة

اتجه بعد ذلك هويلر ومساعدوه إلى بحث أنواع السلوك البشرى فى أجزاء المنحنى المختلفة فاستعانوا بكتب التاريخ ووجدوا أدلة واضحة على انتشار طراز معين من السلوك فى فترات الحرارة وطراز آخر فى فترات البرودة إذ تميزت فترات الحرارة بالأستبداد والدكتاتورية والحروب العالمية وتطرقات أخرى كثيرة فيكاد يقع ظهور جميع القواد

الحربيين العظام في فترات الحرارة مثل وليام الفاتح وشارلمان ونابوليون وأخيرا أيزتهاور وروميل وقد حدثت تسعون فى المائة من اضطهادات اليهود في فترات حرارة

أما في فترات البرودة فتجد الحوادث تختلف عن هذه كل الاختلاف فعندما يهبط الترموتر العالمى ولو بضع درجات نجد الفردية تظهر وتتغلب فيحرر الأفراد أنفسهم من نير الاستبعاد فقد وقعت الثورة الفرنسية وتحرير أمريكا في فترة برودة وفى نفس الوقت ظهرت المبادئ الديمقراطية في جهات أخرى من العالم فاشتعلت نيران الثورة أو الحروب الأهلية في الأماكن المتباعدة سيام والمكسيك والهند وتركيا وبلجيكا كما قامت أغلب حركات الإصلاح الاجتماعى فى فترات مماثلة ففى فترات برودة ظهر المسيح والامبراطور قسطنطين ودانتى وشوسر ولوتروكلفن وواشنطون ولنكولن وأكثر من تسعين في المائة من الملوك اللذين يصفهم التاريخ بالعظمة

وفى عام ١٩٣٥ وضع هويلر قائمة يتنبؤاته عما يتوقع حدوثه فى العالم لغاية عام ١٩٥٠ فقد تنبأ بموسم حرب قبيل ١٩٤٠ وهى نبوءة حققها هتلر كما نتوقع مجموعة أخرى من الحوادث عقب عام ١٩٤٤ يتميز بها ختام طور حار طويل جلب معه حربين عالميتين وعندما يبدأ العالم في البرودة تنتعش الدينقراطية من جديد وقد حدث ذاك بالفعل فقد اكتسبت الاستقلال كل من الهند والباكستان وبورما والفلبين واثنتا عشرة دولة أخرى يبلغ مجموع سكانها ستمائة مليون نسمة

وستميل المدة الباقية من هذا القرن على العموم نحو البرودة يرتفع فيها الترمومتر لفترتين قصيرتين فقط فى عامى ١٩٧٠١٩٥٢ ولما كانت الحرب تكاد لا تقع إلا فى فترات الحرارة فإن هاتين السنتين ستكونان من مواطن الخطر فإذا اجتزناهما بسلام ضمنا السلم حتى عام ٢٠٠٠ حيث نبدأ الدخول في دور حرارة من جديد وفى ذلك العام يتوقع هويلر أزمة عالمية شديدة لأنه عندئذ تجتمع الدورة التى مدتها ٥١٠ سنة مع تلك التى مدتها ١٧٠ سنة فكلما اجتمعت هاتان الدورتان فى الماضى انقرض عالم قديم ونشأ آخر حديث فقد حدث مرة أن انهارت روما

ومعها امبراطورية شارلمان وفى مرة أخرى انقشعت ظلمات العصور الوسطى بحلول عصر النهضة فإذا صدقت هذه التنبؤات قطينا أن تتوقع عالما جديدا في سنة ٢٠٠٠ فعلى أى صورة سوف يكون هذا العالم يعتقد هويلر أنه ستحدث نهضة أكثر شمولا من سابقتها التى حدثت فى القرن الخامس عشر وأن العالم الجديد سوف لا تتحكم فيه الشيوعية بل ديمقراطية جديدة أوسع مدى وأبعد أثرا من أى ديمقراطية عرفها العالم حتى الآن

اشترك في نشرتنا البريدية