-١-
كانت معامل علم الأحياء فى ألمانيا فى نهاية القرن الماضى فى صورة عجيبة ، فكنت تجد فى جامعة هيدلبرج وفى جامعة هامبورج الأكثر منها حداثة ، نفس الموقف الشاذ . وفى الحقيقة أن العلماء فى كل ألمانيا كانوا منهمكين فى بحث الصبغات . ففي كل مكان ، سواء فى معمل الأستاذ أرنو يوتشلى الشهير أو فى معمل أى مستشفى صغير كان الباحثون يهتمون بدراسة تأثير الأصباغ فى الأنسجة الحية والميتة ، فكانت صبغات آزوية مختلفة تجرب فى تركيبات مختلفة وصياغة الأنسجة صبغا نوعيا ، وكذلك يبحث تأثيرها العلاجى .
ولم يكن هذا التجمع مصادفة بحتة ، بل كان نتيجة منطقية للنمو العظيم والاتساع فى صناعة ا. ج فاربن ، فمن الظاهر أن هذه المؤسسة القوية كانت تشجع وتستحث هذه الأبحاث لتستفيد منها فى نشاطها التجارى . وتحتوى الموضوعات العلمية التى نشرت فى ألمانيا فى العشرين سنة
الأولى من هذا القرن على مئات من الأبحاث فى مختلف الصبغات واستعمالها فى علم الخلايا التجريبى وفى الطب .
فعندما التحق بول إرليخ بمدرسة برسلو الطبية كان علم الأنسجة يلقى عناية عظيمة فى ألمانيا . ومنذ أيام دراسته الأولى استرعت طبيعة الخلايا الحية انتباه إرليخ ، وكان ذلك الوقت الذى تلقى فيه النظريات الميكانيكية القبول . والذى كان يرى فيه الطلاب الشبان الذين يدرسون علم الأحياء أو الطب على حد سواء ، يرون الخلايا الحية والأجسام على أنها آلات كيميائية . وكانت الكيمياء الحيوية على حداثة عهدها تلهب مخيلتهم للآمال المثيرة التى بعثتها الاكتشافات الجديدة ، فأعلن إرليخ الشاب " أن الخلية ما هى إلا نبات كيميائى صغير " ، وكان فى ذلك الوقت - إما شئا فلسفة - أكثر اهتماما بعلم الخلايا والأنسجة منه بالعلوم الطبية ، وبدلا من أن يدرس ظواهر الأمراض المختلفة وطرق تشخيصها أعطى طريقة صياغة
الأنسجة جل اهتمامه . وكانت أصباغ الأنيلين تستهويه ؛ لحتي في ذلك الحين ، إذ هو مازال شابا ويجهل البكتريولوجيا . كان يشعر بطريق الإلهام ، أن هناك مجالا واسعا ومستقبلا رائعا لاستخدام الأصباغ في أغراض العلاج .
I وكان ياستير قد قام باكتشافاته الهامة حين كان إرتغ يهو بالأصباغ . وليست لديه فكرة واضحة عن الغرض الذي تستعمل فيه إلا في صباغة الأنسجة الحية والبيئة ، فلا عجب إن كان عنوان رسالته للدكتوراء " إضافات إلي نظريات صياغة الأنسجة واستعمالها . وكان قد تخطى الثلاثين وهو فلقي لأنه لم يصل بعد إلى بعبته حين حضر بطريق الصصارة عرض رويرت كوخ لمسكروب السل الذي اكتشفه حديثا ، فأثر تقرير كوخ في إارليخ تأثيرا عميقا ؛ فها هو ذا أخيرا قد رأي الطريق يفتح أمامه ويعرف ما يجب أن يفعله . وها هو ذا مقصده قد بان : أن يقال الجراثيم بأصباغ الأنينة إليه وأن يجمل لهذه الأصباغر تأثيرا في الجراثيم ؛ وكانت خططه العمل غامضة لم تتبلور بعد ، ولكنه كان خمس بأنه عما قريب سبتبع طريقا مباشرا يوصله إلى هدفه وقرر أن يعمل مع كوخ وان عصل معلومات أكثر عن الجراثيم المسببة للمرض ، وكان هو الذي علم كوخ كيف بصبغ مكروب السل صباغة جيدة ، وفي مقابل ذلك يمكن من ذلك العلم الوليد ، علم البكتريولوجيا .
وكان ارليخ فحورا بأنه نجح حيث فشل كووع ، ولقد كان شيئا صغيرا : صبغ مكروب السل ، ولكنه مع ذلك استطاع أن يثبت للعالم البكتريولوجي العظيم أنه من الخطأ أن تفترض أنه لا يمكن صباغة مكروب السل ، وأعد في الحال شراخ عدة من نفس الكروب مستعملا صبغة الأنيلين المائية ، فبدت تحت الكر سكوب ذات ظلال بنفسة ناصمة وهنا على الأقل وجد إثباتا حاسما لما آمن به من أن لخلية البكتريا قابلية للاصطباغ ، بصفات خاصة . وقد ظل سنين عدة يعمل في معهد روبرت كوخ في يرلين ، وكان العمل هناك ممتعا ولكنه لا يحت بصلة مباشرة إلى فكرته الطاغية عن استعمال الأصباغ الآزوية في أغراض العلاج
بين الحين والحين كان مختلس القليل من الوقت ليجري محااثا قليلة بصبغته المفضلة الميثلين الزرقاء وإذ كان متأثرا أن هذه الصبغة إذا حقنت في عجري الدم كان لها قابلية خاصة
لخلايا الأعصاب الحية ونصبغها باللون الأزرق فقد بدأ إرليخ تجربة جريئة . فسأل نفسه : " لم لا تعالج الألم بهذه الصبغة ؟ " وسم فى الحال بل يحقن الصبغة الزرة ، فى مجرى دم المرضى الذين يعانون الآلام من نمو الأورام ، وقد تحمل المرضى هذه الحقن جيدا ولكنهم لم يتخلصوا من آلامهم .
ولكن من هذا الفشل تبلورت فى ذهنه فكرة جديدة ، فتساءل : " أي نوع من الصبغات الأزوية يجب استعمالها لقتل الجراثيم ؟ " .
لن تكون طبعا الصبغة التى تصبغ كل خلايا الكائن الحية ؛ لقد أصبح هنا واضحا الآن . ويجب البحث عن صبغة تصبغ الجراثيم الحية ولكنها لا تمس أنسجة الجسم الإنسانى صبغة مختارة لها ميل خاص للجراثيم ، وهكذا اعد خطته لحل المشكلة ؟ ولكن سنين عدة قد انقضت قبل أن يكون باستطاعته العمل فى هذا الاتجاه ، وفى الآن ذاته اتهمك فى بحث الحصانة .
وكان له عقل تحليلى فهو يخرج نظرية وحكم إخراجها ، وكانت هذه النظريات عنده كالمتنازل التى يفكر فى بنائها ، فأراد أن يبحث كل التفاصيل مقدما ، وكانت دقته فى الحساب دقة مطلقة وتبدو لبعض زملائه مروعة ، وكانت مواجهته المسائل العلمية عكس باستبر ، فلم يكن العالم الفرنسى يعتمد مطلقا على نظرياته التنبؤية ، ولكنه يجرى أبحاثه على هدى نظرية افتراضية لا يؤمن بها الإيمان الكامل ولا تكفر بها حتى ثبتتها التجارب الإثبات الكافى . أما ارليخ فقد كان دائما يدافع فى إصرار وعناد عن نظريته التى تنبأ بها قبل أن تتراكم الأدلة التجريبية عليها ، وكانت نظريته عن الحصانة نتاج ذكاء عبقرى ، فلا عجب أن سيطرت على التفكير البكتربولوجى فى العشرين سنة التالية .
ونظريته عن الحلقة الجانبية صعبة الشرح ؛ فبينما هى مقدمة فى تركيبها المنطقى فإنها مليئة بالافتراضات النظرية : لم يقاوم الكائن أنواعا معينة من البكتريا ؛ وكيف تفتح المقاومة لبعض أنواع سموم البكتريا فى أنسجة الجسم ؟ لقد حاول إرليخ أن يحبيب عن نفس الأسئلة التى تركها موت باستر ولم تحل ، فعندما كان إرليخ طالبا شابا كان يعتبر الحلية الحية كأنها نبات كيميائى دقيق ، وقد ظل وفيا لهذا الاعتقاد ، وعليه بنى نظريته عن الحصانة ، تلك النظرية التى
تبدو اليوم ، مبسطة أكثر من اللازم ، وبعيدة عن الاقناع
وفى سنة ١٩٠١ كان إرليخ وهو فى السابعة والأربعين على رأس معمله الخاص ، فى فرانكفورت ، حيث تقوم صناعات ا . ج . فارين ، وكان الآن شديد القرب حقا من مركز انتاج صبغاته الحبيبة ، ولكن فكرته عن " الرصاصة السحرية" كانت بعيدة عن التحقيق كما كانت منذ عشرة أعوام ، وكان معمله صغيرا وفقيرا فى المعدات وإن حمل ذلك الاسم الرثان "المعهد الملكى الألمانى لاختبار الأمصال " .
ولكن إرليخ لم يكن من الرجال الذين يفقدون شجاعتهم ، فكان مقتنعا اكثر من أى وقت مضى بأنه فى يوم ما سيكتشف دواء مثاليا لقتل الجرائم ، وكان فى نفس الوقت منهمكا فى عمله فى اختبار الأمصال ، وسرعان ما نجح فى وضع طريقة دقيقة لاختبار المصل المضاد للدفتريا ، وكان لهذا الكشف أهميته العملية القصوى .
إن عقول بنى الإنسان تعمل أحيانا بطرق غير متوقعة فكثيرا ما عمل هذا الرجل العبقرى يوحى الغريزة كأنما يطبع دافعا حفيا ، فمنذ عام ١٨٨٠ قبل ذلك بأكثر من عشرين عاما اكتشف الفونس لاقيدان العامل المسبب الملاريا ثم وصفه فيما بعد ، وبعدها بقليل وصف العاملون فى معهد باستير كائنات مماثلة هى أيضا طفيليات وحيدة الخلية تسبب مرض النوم فى الإنسان ، وأمراضا خطيرة فى الخيل ؛ وكان إرليخ يعلم بهذه الاكتشافات ولكنه لم يعرها اهتماما خاصا فى وقتها ؛ فلما علم أن لاقيدان قد استطاع أن ينقل " التريبانوسوما أكويتم " - الطفيلى الذى يصيب الخيل - إلى الفئران تحمس وصاح : " ها هو ذا الكائن الذى يجب أن نستخدمه فلتقل " التربيانوسوم " إلى الفئران ونعالجها بالصبغات " وهكذا فى عام ١٩٠٢ بدأ فترة جديدة من نشاطه فى البحث . لقد كان يعمل فى الصبغات بحثا عن الرصاصة السحرية .
وكانت الكائنات التى يعمل فيها إرليخ قد اكتشفت فى الأصل بجنوب أمريكا من الخيل المحتضرة ، فقد كانت هذه الكائنات وحيدة الخلية ذات الديل الصغير الجميل تقتل الخيل بالآلاف ، إذ تسبب مرضا يسمى " مرض الخيل " فإذا نقلت الإصابة إلى الفئران كانت من الخطورة بقدر ما هى فى الخيل ، فقد كانت تقتل الحيوان فى خمسة عشر إلى عشرين
يوما إن لم يكن قيل ذلك وبدأ سيل البحث أمام إرليخ واضحا الآن ، فبدأ بالاشتراك مع الطبيب الياباني ك . شيجا مهمة البحث عن عقار ناجح من بين مئات الصبغات المختلفة في معمله ، وهكذا جرب الصبغات الآزوية الواحدة بعد الأخرى وراقب الفئران التى أصيبب بالتربيانوسومات وماتت الفئران التى عولجت والتى لم تعالج على حد سواء من الإصابة المرعبة ، ولم تتأثر الأغراض بالصبغة التى حقنت ، كما أن هذه لم تؤخر عمل الجرائم المميت ؟ وخلال عامين طويلين جربوا ما يقرب من أربعمائة صبغة ليجدوا فى النهاية أن ليس لواحدة منها أثر فى الفئران المصابة ، فقد كان الموت يأتيها سريعا كانما لم يقدم لها شئ ينجيها ، ولم ييأس إرليخ فقد كان رجلا لا يفقد الثقة ، فلا بد أن تنتصر نظريته وأخذ يكرر : " فى يوم من الأيام ستوجد الصبغة السحرية " .
وفجأة تملكنه فكرة جديدة فقال للدكتور شيجا : " الآن أعلم ماذا ألم بصبغاتنا ، إنها ليس لها انجذاب خاص للتربيانوسومات ، يجب أن نصنع صبغة لها تأثير خاص فيها . لم لا تحسن الصبغة بإضافة مركب كبريتي إليها ؟ " ولم تكن هذه مهمة سهلة ، واضطر إرليخ إلى الاستعانة بالكيميائيين فى مصانع قارين ، وفى الحال أمدوء بصبغة أزوية حمراء تحتوى على مجموعة الكبريت تدعى " التريان الأحمر " وكانت هذه ذات تأثير ضئيل لا يقوى على شفاء المرض . فإن بعض الفئران التى أصيبت بالتربياتوسومات وعولجت بالتربيان الأحمر عاشت مدة أطول ، إلا أن بعضها الآخر مات فى وقت واحد مع الفئران التى لم تعالج ، ولم تكن التجارب ناجحة ، وخاصة عندما حاول إرليخ معالجة الكلاب ، فإن الكلاب التى عولحت بالتربيان الأحمر ماتت قبل تلك التى لم تتلق الدواء .
لقد خسر إرليخ الجولة الأولى ولكنها لم تكن خسارة كاملة فقد أثبت أن الصبغات الآزوية التى تحتوي على مجموعة الكبريت لها بعض التأثير العلاجى فى العوامل التى تسبب مرض النوم ومرض الخيل ، وأهم من ذلك أن عمله قد أثار اهتماما كبيرا فى الدوائر الطبية فى فرانكفورت فثارت مناقشات كثيرة عن ذلك الطبيب الذى يبحث عن دواء سحرى لبعض الأمراض الخطيرة
