جوز الهند هو ثمرة شجرة النخيل التى تحمل هذا الأسم ، وهى جميلة للنظر فارعة الطول تنمو إلي ارتفاع يتراوح بين ٦٠ ومائة قدم ، وهي ذات جذع مستدير تبلغ تخانته نحو قدمين ويعلو قمة هذه الشجرة تاج من الأوراق الجميلة ذات التموجات البديعة الفنانة ، وبلغ طول الورقة أحيانا عشرين قدما ، وهي تنتهى إلى أسفل فيجعل منها ذلك شبه مروحة ضخمة من الريش وتتجمع ثمارها فى عناقيد يتراوح عددها بين عشرة وعشرين .
ولو استطعت قطف إحدى الثمار الناضجة من نخلتها الرفيعة الباسقة بنفسك ، فإن الدهشة تستولي عليك في باديء الأمر ، إذ تراها بعيدة الشبه عن الجوزة المعروفة كبيرة ككرة القدم ، وأشبه ما تكون بها لولا أنها مستطيلة الشكل . ويبلغ طولها من ١٢ إلى ١٨ بوصة ، وعرضها من ٦ إلى ٨ بوصات وتتكون من غلاف خارحي ذي قوام لتبقى بداخلة جوزة الهند المعروفة في التجارة ، وهذا الغلاف الخارجي صلب ناعم الملمس يحوي بداخلة كتلة سميكة من الألياف التي يصل طولها أحيانا إلى بوصتين ، وهي تحيط بالغلاف الخشي الصلب الذي يضم قلب الجوزة ، أى لها ، وهذا محوي عصيرا لبنيا يعرف باسم لبن جوز الهند .
والجوزة وهي مازالت عالقة ينحلها ذات غلافين . ولكنك عندما تبتاعها تجدها بغلاف واحد ، إذ تكون قد نزع عنها احد غلافها . وتنمو أشجار نخيل جوز الهند بالمناطق الحارة ، وتنجح على الخصوص بسواحل جزر الهند الشرقية وجزائر الهند الغربية وأمريكا الاستوائية ؛ وأحسن ما تكون هذه الأشجار بجزائر المحيط الهادي . ولما كانت مصدرا لكثير من المنتجات التجارية الهامة توجه إلى زراعتها بمختلف الجهاث عناية قائمة ، وهي تنمو
بسواحل الهند وسيلان وأرخبيل الملايو بأعداد هائلة تقدر بما لا يقل عن عشرين مليون شجرة .
ونخالة جوز الهند من أنفع النباتات ، ولا نعدو الحقيقة إذا قلنا إن كل جزء منها نافع للغاية ؛ فجوزة الهند وهي ثمرة هذه الشجرة تمدنا باللحم والشراب ، ويحوي اللحم أي الباب من ٣٠ إلي ٤٠ % زتينا و ٥٠ % ماء وغلاف الجوزة وورها اللذان يحيطان بالثمرة الحارة أى قلب الجوزة عظيما النفع أيضا كما تنفع أوراقها وخشب ساقها المستديرة ، فمنافع هذه الشجرة يكار لا يحصيها العد ، ويتخذ الوطنيون من ثمرتها غذاء لهم ويتخذ من عصيرها شراب سائغ منعش ، ويمكن نخميره وإحالته إلى خل ، كما يمكن أن يستخرج من أزهار هذه الشجرة غير المتفتحة نوع من السكر أو يستخرج منها نوع من الخمر ، وكما هو الحال بالنسبة لجميع أنواع النخيل إذا قطعت البراعم الصغيرة النامية بأعلى الشجرة أمكن الحصول منها علي نوع جيد من الخضر ، وساق الشجرة مصدر لنوع من الخشب الجيد الصلب ، بعرف تجاريا في أسواق أوروبا باسم PorcupineWood وهو يستخدم في أعمال البناء وفي صناعة الأاثاث والتحف ، وكذلك لا تخلو أوراق هذه الشجرة من النفع إذ تصنع منها بعد أن يتم جفافها السلال والحصر وأنواع من المراوح كما تستعمل في تستقيف الدور والأكواخ .
وغلاف الجوزة يمكن صقله وصنع الملاعق وآنية الماء منه وتستعمل الألياف في صناعة الحبال والحصر وبعض أنواع الفرش والدواسات التي توضع بأبواب الحجرات ، أو تفرش بها الممرات والدهايز والردهات ، كما أنها تستعمل في جلفطه ألواح السفن لتحفظها من تسرب الماء ، وتستعمل كذلك في حشو الوساد والحشيات ، وتعتبر ألياف جوز الهند من
السلع التجارية الهامة ولذلك يشتد الطلب عليها لصناعة ما ذكرنا من الأشياء .
وجوزة الهند مصدر لكثير من المواد المهمة في التجارة ، ويقف الزيت في رأس قائمتها ويحصل عليه بعدة طرق من اللب بعد تقطيعه قطعا صغيرة وتجفيفها للتخلص من الماء الذي تحويه فيمتنع نمو الفطربات عليها . فيتحور زيتها ؛ ويطلق الوطنيون على لباب جوز الهند المجفف عبارة " Copperah" ؛ ويتم التجفيف إما بواسطة أشعة الشمس أو بواسطة النار ، ولكن دخان الار يؤثر على اللباب فيخرج زيته رديئا يصب تبيضه ، والشائع الآن هو طريقة التجفيف بإمرار تيار من الهواء الساخن .
وأقدم الطرق لاستخراج زيت جوز الهند كان يتم بتقطيع قلوب الثمار إلى قطع صغيرة وتعريضها لأشعة الشمس في أكوام كبيرة فيأخذ الزيت بسيل منها تدريجا ، ثم تطور الأمر إلي استعمال آلات ضاغطة لاستخراج الزيت ، ومن بين الطرق الوطنية التي كانت تستخرج بها أنفي أنواع الزيت كان يوضع أجزاء اللباب في ماء مغلي فيطفو الزيت في أعلى الإناء ويتم جمعه أولا فأولا ، وكانت المتخلفات تستعمل غذاء للماشية ، ويستخرج الزيت الآن في المصانع الحديثة بطريق الضغط المائي بآلات خاصة . وألف جوزة من الجوزات متوسطة الحجم تنتج من ٤٤٠ إلى ٥٥٠ رطلا من لباب جوز الهند وحتوي هذه الكمية ما يقرب من ١٠ % ماء ويستخرج منها نحو ٢٥ جالونا من الزيت .
وزيت جوز الهند بالحرارة العادية أبيض غير سائل ورائحته غير مقبولة كثيرا لاحتوائه على بعض الأحماض الدهنية الطيارة إلا أن طعمه لطيف مقبول ويتحول تحت ضغط معين إلى سائل ، وإلى جزء صلب يطلق عليه اسم استبرين أي دهن جوز الهند ، وهذا يستعمل في صناعة الشمع ؛ وزيت جوز الهند يستعمل أساسيا فى صناعة الصابون والسمن الصناعي ، ويستعمله الوطنيون فى الإنارة والطهى من قديم الزمان ، ويدخل مبشور لباب جوز الهند فى صناعة بعض أنواع الحلوى وليس هذا هو كل ما تمدنا به شجرة جوز الهند من منافع ، بل تجد أنه بعد أن حصل علي آخر نقطة من الزيت يحويها اللباب تحول المتخلفات إلى أقراص
من الكسب تتغذي عليها الماشية عندما يقل العلف الأخضر وإذا كانت الألياف التي تتوسط بين غلاف جوزة الهند الخارجى وغلافها الداخلى ذات نفع كبير لنا كما رأيت فإن نفعها يممتد أيضا إلى الجوزة نفسها ؟ فشجرة جوز الهند تنمو بمحاذاة شواطئ البحار ، وعندما تنضج الجوزات التي هي في الواقع أطفال نخلة جوز الهند تسقط في البحر أو فوق الشاطئ ويحملها الماء في وقت المد وهي لا تغرق لأن الألياف الكائنة بين غلافى الجوزة تتخللها كمية من الهواء تجعل من الجوزة جسما طافيا ، ولما كان الغلاف الخارجى مصقولا فهو لذلك مانع الماء لا يدعه يصل إلى الداخل ، وهكذا تبدأ أطفال نخلة جوز الهند رحلتها وغالبا ما تحملها تيارات المحيط بعيدا عن موطنها الأصلى وتلقى بها سالمة فى النهاية على بعض الشواطئ البعيدة حيث تنمو بأرضها ، وتكون نواة لأحراش نخيل جوز الهند الكثيفة ؛ وهكذا تري أن هذه الأشجار التي كان نموها في وقت من الأوقات مقصورا على شواطئ بحار الهند نجدها اليوم قد نمت في جميع ضرائر المناطق الحارة وأقطارها .
ونخلة جوز الهند لا تخلو من أعداء ، ومن بين أعدائها الألداء الخنفساء الكبيرة وسوسة النخيل ، وهما حشرتان ضارتان تصنعان ثقوبا بجذع الشجرة وتضعان البيض فيها ، وعندما تخرج صغار هاتين الحشرتين تتغذي علي أنسجة النبات وبذلك تعمل عملها المخرب ، وكذلك يوجد سرطان أرضى من نوع ضخم كبير يغرم كثيرا بجوز الهند ويصل إلى قلب الجوزة الحلو بحيلة ماهرة تنم عن بالغ الذكاء ، وهو لا يكسر الغلاف الصلب بمخالبه القوية بل يقشره ويصل إلي الطبقة الليفية ، ثم يطرفي بالجزء الحاد من مخالبه البقع السوداء الكائنة بالغلاف الداخلي للجوزة وهي أقل أجزائه صلابة ، وينجح في الحفر عن طريقها ، ثم يمد أحد أرجله في الحفرة التي عملها ويجذب بها لب الحوزة قطعة قطعة مستعا بمخالبة القوية ثم يلتهمها التهاما ، ولا يقتصر أداه على أكل قلب الجوزة الشهى ، بل يمتد إلي استعمال الألياف لعرش أرض مسكنه وتعطيشها ، ويتخذ منها فراشا يجلس فوقه ناعما بالراحة والهناءة .

