لا يزال العالم مقسما إلي دول كبيرة وغير كبيرة كما كانت عليه الحال قبل الحرب . وقد قيل لنا في كثير من المناسبات إن الدول الكبيرة خمس ، وهي : أمريكا وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين ، وإن من أهم الأدلة على كبرها أن لها خمسة مقاعد دائمة في مجلس الأمن ، تلك الهيئة الصغيرة العدد ، الكبيرة الخطر ، التى لها المكان البارز في نظام الأمم المتحدة كله . ولكن على الرغم من هذا التأ كيد بأن الدول الكبيرة يبلغ عددها خمسا ، فإننا فسمع من أن لآخر أقوالا ، وتشاهد أيضا أفعالا لا تدل على أن الدول الكبيرة هي في حقيقة الأمر والواقع ثلاث فقط : ألا وهي أمريكا وروسيا وبريطانيا.
وقد سمعنا أحد الأساتذة الإنجليز ، وهو مستر هارولد لاسكى . من أسائدة جامعة لندن ، ومن الرجال النوابغ في العلوم السياسية ، ورئيس اللجنة التنفيذية
لحزب العمال . وممن يشار إليهم بالبنان أو بالذراع في ميدان التفكير السياسي . سمعناه يقول في إحدي خطبه الشهيرة : إن بريطانيا قد أصبحت دولة من الدرجة الثانية . وقد هاجت الخواطر وتأثرت النفوس الحساسة من هذه العبارة ، ولامه كثير من الناس على الإدلاء بمثل هذا البيان
ونحن يسرنا هنا أن تخالف مستر لاسكي ، وأن نقرر أن بريطانيا لا يزاال لها الحق في أن تعد من دول الطبقة الأولى فعلى الرغم من أن مساحة المملكة المتحدة البريطانية مساحة صغيرة ، وسكانها لا يعادلون ربع سكان روسيا أو الولايات المتحدة فإن كبر الدولة البريطانية لا يرجع إلي عامل المساحة والسكان وحده ، بل يرجع إلى عدة اعتبارات أخري : منها البراعة في السياسة الدولية ، والماضى الطويل الحافل بالإنتصارات الدبلوماسية ؛ ومنها امتلاك مستعمرات مترامية الأطراف ، تدر أموالا طيبة
على رجال المال والمشروعات ! ومنها عطف الأقطار المستقلة المتحدة في مجموعة الأمم البريطانية مثل كندا وأسترااليا وغيرهما ؛ ومنها أن ملك إنجلتره هو أيضا إمبراطور الهند ، وهي تلك الإمبراطورية الضخمة التى أعلنت بريطانيا أنها نور أن تراها مستقلة تمام الاستقلال ، وتؤيدها في أي نظام للحكومة تختاره، وهي تعلم تمام العلم أن الهند عاجزة تماما عن أن نتفق على نظام واحد للحكم
لهذه الاعتبارات وغيرها تعد بريطانيا بكل تأكيد واحدة من الدول الكبري ؛ فإن هذه كلها اعتبارات خطيرة جليلة ، وليس أقلها خطرا أو جلالا أن لبريطانيا عددا من نوابغ الساسة ، الذين تسر الكرة الأرضية لوجودهم على سطحها ، سواءا كانوا نازلين في لندن على ضفاف النيمس أو سافروا إلي أمريكا ليقضوا فيها شهور الشتاء .
وأظن القارئ يوافقني من غير شك على أن حيازة رجل سياسي عظيم مثل ونستن تشرشل هو في حد ذاته ذخيرة لا يستهان بها ، وكيف لا وقد أثبت أنه قائد عظيم للجيوش في البر والبحر والجو ، وخطيب مفوه مصقع إذا جد الحد ، وأحيانا إذا لم يجد الجد ، وكاتب تحرير في السياسة والتاريخ . ولا يزال، وهو بعيد عن مقاعد الحكم ، يؤدى لوطنه الخدمات الجليلة ، أو ما يخيل إليه أنه خدمات جليلة . وهو رجل برلماني ، ولذلك كان عيبه الأول أنه يحب الكلام ويغتبط المواقف الخطابية العظيمة ، ذات الصفة المسرحية ، التى يعجز عن مثلها أبطال التمثيل والسنيما .
ومن هذه المواقف الخطابية الرائعة الساطعة ، التي خانه فيها التوفيق خطبته الشهيرة التي ألقاها في الأسبوع الأول من شهر مارس الماضي . في جمع حاشد من أكابر الساسة وعظماء الرجال في الولايات المستحدة الأمريكية . كانت خطبة عظيمة جليلة في موضوعها وفي خطيبها
والمستمعين لها ، وقد أعد المسرح إعدادا ممتازا ، واحتفلت لها الهيئات والجماعات ، وأعدت لها الأذهان بالدعايات الواسعة والتحبذات الفاطعة . واشترك فيها من كبار الممثلين الرئيس ترومان نفسه ، زعيم الولايات المتحدة الأكبر ، الذي اطلع على الخطبة قبل إلقائها ، وتولى بنفسه تنقيحها وتهذيبها ، ورضي أن يكون رئيس الاجتماع عند إلقاء الخطبة . وهو شرف عظيم لا نشك في أن مستر تشرشل جدير به كل الجدارة . وألقيت الخطبة في جامعة صغيرة بولاية ميسوري ، وهي الولاية التي ينتمي إليها الرئيس ترومان نفسه على ما أتذكر . وفوق ذلك فقد اطلعت السفارة البريطانية في واشنطن على الخطبة قبل إلقائها ، والراجح أنها أسبقت عليها بركتها سرا . إذ لم تكن قادرة على أن تباركها علنا . وكذلك اطلعت عليها حكومة لندن من غير شك . ورأت أنها محاولة تستحق التجربة ، فإذا نجحت فحبذا النجاح ، وإن فشلت فمن السهل التنصل من تبعتها ، لأن قائلها شخص يتكلم عن نفسه ولا يعبر إلا عن رأيه الخاص .
ثم وقف المثل العظيم للأدلاء بخطبته العصماء ، التي كان الناس يترقبونها بفارغ الصير في مشارق الأرض والمغارب ، ويأخذ يتكلم بصوته الأجش ، البالغ التأثير ، الذي عرفناه جيدا وألفناه من إذاعاته اللاسلكية أثناء الحرب . وجعل يتحدث بمنتهي القوة والصراحة ، ولم يلجأ إلى التمويه أو الموارية أو إلى الكلام المعسول ، الذي يخفى خلاف ما يظهر . واستهل خطابه بإقتراح شركة بين الأخوين - أو على الأقل بين أبناء العم - البريطاني والأمريكي ، الذين مجمع بينهم رابطة اللغة الإنجليزية .
ثم حمل علي الشيوعية حملة شعراء ، وقال إن خطرها علي المدنية المسيحية يزداد من يوم إلى يوم . ولا ندري لماذا وصف المدنية بأنها مسيحية ، وعهدنا بالمدنية أن قد اشترك في بنائها وإقامة دعائها أمم من جميع اللغات والديانات .
ثم طالب بانتهاج خطة حازمة تجاه موسكو والحزم في لغة السياسة معناه التهديد بالقوة ، ثم استخدامها بعد ذلك إذا لم ينفع التهديد . ولام روسيا اقدع القوم لأنها محاول أن تفرض سيطرتها وسلطانها في كل مكان في آن واحد .
ولم يفته أن يشير إلي أن مقدرة روسيا الحربية محدودة على كل حال ، لأمها مقصورة على القوات البرية ولأنها ليست بذات خطر في اليدان البحري والجوي وطالب بأن يظل أمر القنبلة الذرية سرا مكتوما بين بريطانيا وأمريكا ، ولا يفضي به حتى إلى هيئة الأمم المتحدة ، لكي يتسني للأمم المتكلمة باللسان الإنجليزي أن تمتلك وحدها ذلك السلاح الجهنمى العنيف ، من أجل المحافظة على السلم والأمن.
وصفوة القول أن الخطيب العظيم قد طالب بإتحاد سياسي عسكري مالي ثقافى بين بريطانيا وأمريكا ، من أجل كبح جماح روسيا . ولم يفته أن يقول إن مثل هذا الاتحاد لا يتناقض مطلقا مع نظام الأمم المتحددة ، ومثل هذا التأكيد لا يمكن أن يحمل إلا معنى واحدا ، وهو إن هذه الهيئة العالمية ستصبح أداة يسيرها الاتحاد الجديد كيفما شاء ، ويوجهها حيثما أراد .
وأخيرا جلس الخطيب بين تصفيق المعجبين ببراعته ، وبشخصه ، ولكن إعجابهم لم يمتد إلي تحبيذ أقواله ، أو الإعجاب بآرائه ، وقد انصت إلي الحديث وطالعة الملايين من الناس في أمريكا وغير أمريكا . ولاشك أن نتيجة تلك الخطبة جاءت مخيبة الظنون الخطيب ولمن أيدوه من وراء الستار.
ومن الغريب أن مستر تشرشل بعد هذا العمر الطويل والخبرة الواسعة العريضة لا يزال عاجزا عن فهم الجمهور الأمريكي ، سئ التقدير لما يجول في نفوسهم من الخواطر والعواطف نحو دولته العزيزة بريطانيا . ومن الصعب ان
تدرك كيف غاب عن فهمه وعلمه أن في الولايات المتحدة عصبة قوية ، تؤيدها صحافة جبارة واسعة الانتشار ، وهي تسئ الظن دائما في بريطانيا ونياتها ، وتعتقد اعتقادا راسخا أن الحكومة البريطانية لا هم لها سوى تسخير الولايات المتحدة لتأييد مآربها الاستعمارية ، وهذه الطائفة لم تكف عن التنديد ببريطانيا وسياستها ، حتى في أثناء الحرب ، وعن الإشارة إلي التضحيات الهائلة التي تبذلها الولايات المتحدة ، وأن هذه التضحيات كلها لفائدة بريطانيا وسياستها المبنية على الأثرة والأنانية . فليس من السهل أن تدرك كيف غاب عن الرئيس السابق أن في أمريكا جمهورا عظيما يري هذا الرأي ، وينظر إلي الساسة البريطانيين دائما نظرة الشك والريبة . ولعله قد غره ما قدمته أمريكا من المساعدة الجليلة لقضية الأمم المتحدة ، أثناء الحرب ، فخيل إليه أنه يستطيع أن يستبقى هذه المساعدات وأن يستزيد منها في وقت السلم .
ولا شك أن الجمهور الأمريكي قد نظر إلي هذا الاتحاد المقترح كما تنظر محن في مصر إلى صاحب الدكان الصغير الذي يقترح اتحادا مع البنك الأهلي ، بتوحيد الموارد والأموال والأعمال والأرباح لمصلحة الطرفين المتعاقدين . فمن المعلوم أن بريطانيا قد خرجت من الحرب في حالة إجهاد شديد ، لا يتفق مع التبعات الضخمة التي تحملها الامبراطورية البريطانية . فليس أحب إلي نفسها من أن تستفيد من الموارد الأميركية الضخمة حتى تستعيد قوتها وتسترد مكانتها . وقد ظن المستر تشرشل أنه يستطيع أن يخفي هذه الحقيقة عن الشعب الأمريكي ، الذي يتوهم الناس أنه لم يبلغ بعد مرتبة من النضح السياسي تمكنه من اكتشاف مثل هذه الأساليب . ولكنه قد أخطأ في ظنه هذا كل الخطأ ، لأن الأمريكيين مدركون ما للبريطانيين من البراعة السياسية . وسواء أكان رأيهم هذا خطأ أو صوابا ، فإنه على كل حال يدفعهم إلي إساءة الظن بكل
اقتراح يعرضه البريطانيون ، فكيف بإقتراح ضخم هائل يرمي إلى تقسيم العالم إلى شطرين ، وإلى وضع بريطانيا في الكفة الراجحة
وهكذا استقبلت الخطبة التاريخية العظيمة استقبالا فائزا في الولايات المتحدة ، حتى أوشكت أن تفسد من حيث أرادت أن تصالح العلاقات بين الأمنين . وأدرك البريطانيون أن قضيتهم قد خسرت لا من أن تكسب شيئا من هذه الخطبة العصماء ، فبادرت الحكومة والساسة في لندن إلي التبرؤ منها والتنصل من تبعتها .
ورأي الرفيق ستالين بثاقب نظره أن في أمريكا سخطا عاما على الخطبة والسياسة التي اشتملت عليها . وأن الفرصة سائحة لأن باقي على تشرشل وشيعته درسا في آداب السياسة الدولية . وأن يكتسب من فشل الزعيم الإنجليزي نصرا لروسيا ولزعيمها . فبادر هو أيضا بتأليف مقالة ونشرها في صحيفة " رافدا " شبه فيها تشرشل وشيمته بهتلر وأنصاره، لأن قوام سياسة هتلر هو تلك النظرية العنصرية التي نادى بها الزعيم الحرمانى ، وصرح فيها بأن الشعب الذي يتكلم الألمانية هو سيد شعوب الأرض ، وأنه يجب أن يحتل منها مكان السيادة والقيادة كذلك ذهب تشرشل إلى أن الشعوب المتكلمة بالإنجليزية هي التي يجب أن تقود العالم ، وأن تهيمن على شعوبه ، لأنها هي وحدها حامية ما سماه المدنية المسيحية .
وسواء أكان هذا التشبيه دقيقا في جميع التفاصيل ، أو كانت تعوزه الدقة ، فلا شك أن الزعيم الروسي قد استطاع أن يسجل نصرا واضحا على الخطيب البريطاني . ولقد كان مستر تشرشل في غني عن هذا كله ، لو أنه أدرك حقيقة المشكلة الروسية . فليس بصحيح أن السياسة الروسية هي وحدها التي ترتكب الإثم والعدوان . بل الوصف الصادق لها هو ان روسيا تقتني الأثر وتجاري
بريطانيا في خطتها الاستعمارية فإن ما فعلته في إيران أو في غير إيران من الأقطار لا يخرج عن كونه تكرارا للخطط التي سارت عليها بريطانيا والتي لا تزال تسير عليها في كثير من جهات العالم ولو أرادت بريطانيا أن تلقي على روسيا درسا قاسيا ، فليس السبيل لإفاء مثل هذا الدرس أن تفزع إلى الولايات المتحدة ، وأن تناشدها المعونة ، بل السبيل القويم أن تقوم بريطانيا من سياستها وأن تسلك نحو الدول الضعيفة سياسة قوامها الصدق والمحافظة على العهود ، والاعتراف بما لكل امة من الحق . الطبيعى في حياتها واستغلالها . وألا تتفرع بالأعذار الواهية من أجل إقامة جيوش احتلال لا فائدة فيها ، سوي الاعتداء الصارخ على شعوب ليس بينها وبين الشعب البريطاني عداوة أو خصومة
ولو أن بريطانيا استطاعت أن تسلك نحو الأمم الضعيفة سياسة طاهرة نبيلة ، وأن تكفكف من مسلكها الاستعماري ، الذي لا يعرف الحدود أو الروادع ، لو أنها فعلت هذا لوجدت من الشعب الأمريكي آداءا تصغي لها ، ونفوسا تعطف عليها . أما السياسة التي تري أن الشرور لا بأس بها ما دامت ترتكبها بريطانيا ، ولكنها قبيحة مذمومة إذا ارتكبها غير بريطانيا من الدول ، فسياسة لا تخدع أحدا ، ولا يمكن أن تزيد في مكانة بريطانيا أو أن تعلي من شأنها بين الأمم . فعسى ساستها العظماء وشعبها المجيد أن يدرك هذه الحقيقة الأولية ، وأن يعني عليها سياسته الخارجية
إن سياسة الأثرة والأنانية قد جرت على الأمم حربين عاليتين أشاءنا الوبل والدمار في الأرض. فليس بكثير أن نطالب بأن تحل محلها سياسة جديدة قوامها المعدل والتعاون والإنصاف .

