قلت للراوى : أريد منك اليوم قصة تناسب العيد - أعاده الله على الأمة المصرية بالأمن والسلام ، والاستقلال التام ؛ قال : أتريد قصة جديدة مبتكرة ، أم قصة قديمة فى ثوب جديد ؟ قلت : ما دمت تركت الخيار إلى ، فانى أريد قصة من أساطير الأولين . فى ثوب مستطرف مستظرف ؛ فأنى سئمت التجديد والمجددين ، الذين لا يفتح عليهم فى تجديدهم إلا بكل سخيف هزيل
قال الراوى : إذا فاعلم أنه فى يوم العيد - ولا أذكر أكان العيد الصغير أم الكبير - قالت البطة المسهاة " مليحة " ما كانت تتوق إليه نفسها الطامحة من نعم دام ساعات عديدة .
قلت : وكيف كان ذلك ؟؟ قال : زعموا أن " مليحة " كانت بطة هيفاء القد ، موردة الخد ، دعجاء العينين ، كحلاء من غير كحل ؛ ذات منقار بديع أحمر اللون ، ولكن حمرته لم تجلب من دكان العطار ، كهذه الأصباغ التى تتلطخ بها شقاء بناننا فى هذا الزمان ؛ وأنا أستطيع أن أقسم لك ، على طريقة الأستاذ الشيخ البشرى ، أن بطئتنا هذه كانت عاب حسن موهوب لا مجلوب .
قلت له : أرجوك ألا تقسم ، كما أرجوك أن تلزم حديث البط ، ولا تخرج عنه . قال : فاعلم إذا أن " مليحة " كانت قرة عين صاحبتها وولية نعمتها الست زبيدة . وقد اختارت لها هذا الاسم
لأنه اسم ابنتها العزيزة التى فقدتها ، أو بالأحرى التى خيل لها أنها فقدتها ؛ ولا يدلي هنا أن أصارحك بأن الست زبيدة لم تلد بنتا تدعى مليحة ، أو تدعى أى شئ آخر ؛ ولكنها كانت دائما ترجو وتؤمل أن يرزقها علام الغيوب بنتا تسميها مليحة ، فكان القضاء يخلف ظنها أبدا ، وكانت تنجب الفتى إثر الفتى ، وهكذا دواليك ، حتى تم لها من الأبناء النجباء سبعة ! ولهذا كانت البطة " مليحة " قرة عينها ، لأنها تذكرها بابنتها المصونة ، والجوهرة المكنونة التى لم يسمح لها القضاء الحائر أن تولد .
( هنا أخذ الراوى يتنحنح لكى يحرك الضفدعة التى فى حلقه عن موضعها ، حتى يصير مجرى النفس خاليا نوعا ما ، ثم قال بعد أن زالت العقبة ) :
وأخذت الست زبيدة ترعى مليحة بعينيها ، وتحتو عليها بقلبها وجوارحها ، وتقدف عليها الهبات ، وتدللها أيما تدليل . ومن أغرب ما فعلته فى هذا الباب أنها قلدتها عقدا من الرمرد الأخضر ، وحلت أذنيها بفرط من الماس الفاخر
هذا ما كان من أمر الست زبيدة ؛ وأما ما كان من أمر " مليحة " فإنها لم تظهر امتعاضا شديدا من كل هذا العطف والحنان ، ولم تكن تجد بأسا كبيرا فى أن تدليل وتعلل ، ولكن هنالك أمر واحد كان يضجرها ويعنها ؛ وذلك أن الست زبيدة قد ألزمنها أن تعيش فى الدار لا نبرحها ، وقد أحيط فناء البيت بأسوار عالية قد بنيت بالحجر المتين ، ولم يكن يضارعها فى المتانة بناء فى قرية " زيدون " على كثرة ما بها من الأبنية المتينة . وأمرت هذه السيدة الطيبة القلب بردم جميع البرك
والغدران ، فى القرية وما يحيط بها من الحقول ، إلى مسافة أميال عديدة ، لكيلا تحدث " مليحة " نفسها الطموح بأن تطير من المنزل إلى إحدى البرك لكى تتمتع بما تتوف إليه من سباحة واستحمام ...
وقد ضاقت نفس بطتنا ذرعا بهذا الحرمان القاسى : كيف ترضى ، وهى سيلة البط المجيد ، أن تقضى حياتها على الحصا والتراب ، فى منزل تحيط به الجدوان والحجر الصلد ؟ إن أرواح آلاف الأجيال من السلالة البطية العظيمة ، تناديها بأن تسبح وتعوم ، وتثب على صفحات الغدران ، وتلوى عنقها يمينا ويسارا ، ثم تغمسه فى الماء ، وتغوص من خلفه إلى غور بعيد ، كأنها غواصة ألمانية فى بحر الشمال ...
وفى يوم من أيام الربيع بلغت روح مليحة المنقار ، ولم تعد تطبق صبرا ، واستطاعت - رغم ريشها المقصوص - أن تبث إلى قمة شجرة جميز ، وأخذت تحدق فى القضاء المحيط بالقربة لعلها ترى عديرا أو بركة آسنة ، فلم يجد شيئا ؛ ورآها مسعود - وهو الابن الأصغر للست زبيدة - فأخذته الشفقة عليها ، وكان يعلم بما تتوق إليه نفسها . فاصطحبها إلى فتاة صغيرة ضئيلة قليلة الماء ، لعلها تشفى بها غلتها ، وتنال بعض أمنيتها .. ولكنها نظرت إليها فى اشمتزاز ونفور ، وصاحت : إنى أريد غديرا غزير الماء لا هذه القناة الحقيرة ، فيا ويحك أما تستطيع أن تدرك الفرق بين الغدير والقناة ؟ .
قال مسعود : " ولكن ماذا مهمك من الغدير يا مليحتنا العزيزة ؟ ألا نجدين لدينا كل ما تطمحين إليه من طعام وشراب ، وحلى وحلل ؟ . " قالت : " ومتى كانت الحياة عبارة طعام وشراب وثياب ؟ إن ساعة واحدة أقضها فى الغدير أسبح وأعوم وأقععد وأقوم ، أحب إلى من كل طعام ، بل من قصر
الست والدنك أيضا . وأى بطة تحترم نفسها تقبل الاذعان لكل هذا الحرمان ؟ "
كان مسعود يعطف على البطة " مليحة " أشد العطف ، فأخذته الشفقة عليها ، إذ رأى فى كلامها من قوة الحجة والوجاهة ، ما لم تستطع أمه أن تراء وتقدره حق قدره . فأخذ بهدى روعها ، ويقول لها : " أنصتى إلى بامليحة ) إذا جاء يوم العيد ، فخذ أهبتك ، وكونى على استعداد لمصاحبتى . فانى ذاهب فى الصباح الباكر لزيارة فريق من أصدقائى ، وسأمر فى طريق ، قريبا من قرية " عمون " على غدير جميل فأتركك فيه بضع ساعات ، ثم أعود فألتقطك عند رجوعى ؟" .
وقد أبرقت أسارير " مليحة " لهذا الوعد الجميل ، وأوشكت أن تطير من شدة الفرح برغم جناحها المقصوص
قال الراوى : وفى يوم العيد السعيد نالت " مليحة " الأمنية التى كانت تتوفى إليها ، فإذا هى على صفحة الغدير تمشى الهوينا حينا ، وتسبح بسرعة حينا ، وطورا ترفع رأسها شامخا عاليا كأنه برج طرادة أو بارجة ، وتلوى عنقها حينا كأنه القوس الملتوية للرماية ، وتقترب من البر آونة فترى دودا مختلفا ألوانه ، فتلقط منه ما تشاء كما تشاء ، بل لقد رأت فى ذلك اليوم ثعبانا ينساب بين الحشائش ، فعاجلته يضربة منقار فصلت بها رأسه عن جسده الغض الطرى ، كما فصل سيف عنترة رأس لا أدرى من من الأبطال ... تلك لعمرى - أو لعمر البطة - هى الحياة البطية الخالصة ، وذاك غذاؤها الحى المنعش ، لا تلك الأطعمة الفائرة الهزيلة التى تقدمها لها الست زبيدة .
ولا تسل عن سرورها حين أخذت تغوص إلى قاع الغدير ، وقد خيل لها أنها غابت عن الأنظار تماما ، مع أن مؤخرتها لم تزل طافية على وجه الماء ...
ورآها وهى على هذه الحال " بهول " المنسكع الأكبر القرية عمون ، وقد خرج مبكرا فى زيه الرث ووجهه الملوث ، بهيم فى الحقول على عادته ؛ فاستوقفه هذا النظر ، فأخذ يقترب من حافة الغدير متمهلا ، وهو يصفر صغيرا غريبا مريبا ، فلم تنمالك بطتنا أن أخرجت رأسها من الماء ، والتفتت إلى ناحية الصوت .
كان بهلول - برغم تسكعه وتشرده ، أو ربما بسبب تسكعه وتشرده - ملما إلماما جيدا بلغة البط ، ولهذا لم يلق عناء فى التحدث إليها : - عمى صباحا سليلة البط ! - كواك ؛ - كواك ؛ - كواآآك: - ما هذا الصباح المنكر ؟ أهكذا تردين التحية على الصديق السلم ؟ كنت أحسبك أسمى أدبا من هذا . وأكبر ظنى أنك لم تشهدى درسا فى كلية آداب البط بحدائق الأورمان!
- لا تؤاخذنى ، فإننى اليوم فى عيد سعيد ، وصدرى منتفخ مرحا وفرحا ! - إننى أقبل عذرك ، ومثلى من يعذر ويغفر . ولست أخفى عنك أننى ما رأيت أدعج من لحظك ، ولا أرشق من قدك ، ولا أجمل خد بط من خدك فمن أى البلاد أقبلت ؟ لم تكد البطة تسمع هذا السؤال حتى نشطت للكلام ، وكانت تتلهف شوة إلى شخص بصمى إليها فتبثه شكواها عما تعانى من السجن والعذاب فى قرية زيدون تحت رعاية الأم العزيزة الست زبيدة . وقد أصغى " مهلول " إليها طويلا ، وأظهر العطف الشديد والألم المبرح لما تعانيه بطة فى حسن " مليحة " ورشاقتها فى تلك البيئة الضالة الخاسرة ... " فيا ويلهم ، كيف يريدون أن يسجنوا هذه النزعات البطية المجيدة ، ويصفدوها بالسلاسل والأغلال ؟ .. ولكن هونى عليك ؛ وليطب خاطرك فقد أنشئت لجنة
لتحرير البط من الرق والعبودية ، وسأذهب بك إلى مقر هذه اللجنة لكى تعرضى عليها شكواك .
" وفوق هذا فقد أخذ مجمع اللغة يعنى بشأنكم معشر البط عناية خاصة ، فقضى فى بحثكم ثلاث جلسات ، انقسم فى نهايتها إلى ثلاثة أقسام : الفريق الأول يزعم أنكم على وزن فعل ، والثانى ينادى بأنكم على وزن فل ؛ والثالث يقسم بأنكم على وزن فع ! .. وسيعرض الموضوع للتحكيم على لحنة محابدة ترأسها بطة . ولست تستبعد أن يقع الاختيار عليك لرئاسة تلك اللجنة .
" إن مثلك يا سيدة البط حسنا ورشاقة ، لم يخلق للسجن والقبود والأغلال ، فيا عجبا ، كيف ارتضبت الكت فى تلك الدار المظفة ، بجوار تلك العجوز الشمطاء ؟ " - لقد أكرموا مثواى .
- أجل . ولكنهم قصوا جناحيك ، وحالوا بينك وبين الحرية والحياة ، إن أحقر بطة فى قربتنا عمون ترتع فى بركة واسعة مترامية الأطراف, تعالى فانظرى إلى قريننا . وكيف أحدقت بها الغدران من كل جانب ، والبط يمرح فيها وبسبح ، ويتمابل عجبا ونيها . تلك لعمرى ، ولعمر البهاليل أجدادى ، هى الحياة البطية الحقة . وما سواها إلا هيراء وسخرية
" يا عجبا لزبيدتك الشمطاء ، كيف تستعبد البط ( وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ؟ ) أمن أجل عقد حقير أو فرط سخيف ، تضحى بطة عريقة فى الحسب والنسب بحقها فى الحرية والحياة ؟ ..
" حدثينى بأبيك إن كنت تعرفين أباك بعد أن حالت بينك وبينه تلك العجوز ، وما أشك فى أنه من أشرف الأسر المتقاربة وأمجدها ، حدثينى : هل أستطعت أن تستمعى بصحبة أصدقاء من سلالة البط وأنت فى سجنك ذاك ؟ - كلا ! إننى أعيش وحدى ، وطالما ناقت نفسى إلي بنى جنسى . ( البقية على الصحة التالية )
- إذا لا بد من إنقاذك اليوم - بل فى هذه اللحظة - من ذلك الحجر الوحشى الظلم ، وها أنذا أمد يدى إليك ، معاهدا إياك على الصداقة الخالصة ، والمودة الدائمة ، التى لا يمحوها نضوب البرك ، ولا جفاف الحقول : وسأكون لك منذ اليوم عونا ونصيرا ، وصديقا حميها ، ما تاح حمام ، أو نعب غراب ، أو تطاير ريش ، أو تقر منقار !.
قال الراوى : فامتلأ صدر البطلة " مليحة " حماسا وفرحا ، وأقبلت تهادى على صفحة الماء حتى النصق عنقها
بالكف التى امتدت لمصافحتها . ولم يكن إلا كلح البصر أو أقرب ، حتى أطبقت الكف القذرة الخشنة على العنق الغض المليح . وألقيت البطة المعززة المدللة ، جثة هامدة فى داخل حقيبة " بهلول " المرقة الملوثة .
والدفع على كوخه الحقيز ، كاشرا عن أسنان مخرقة صفراء ، وهو يتم : " إنها لطائر بديع ! أجل لعمر البهاليل أجدادى إنها لطائر بديع ، مهما قاله المجمع اللغوى فى وزنها ؟ ." ( طبق الأصل )
