الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 736 الرجوع إلى "الرسالة"

في أعقاب الثورة المصرية،

Share

وقف بنا صاحب العزة الأستاذ الجليل عبد الرحمن الرافعي بك  منذ عام عند الرحلة الثامنة من مراحل تاريخنا القومي الحديث،  بعد أن وضع بين أيدينا المجلدين العاشر والحادي عشر من معلمته  التاريخية، وهما اللذان صور فيهما ثورة سنة ١٩١٩ أصدق تصوير،  وما كان له أن يدعنا عند هذه الرحلة الخطيرة من تاريخنا حتى  يظهرنا على ما وقع في أعقاب هذه الثورة من أحداث، وما تقلبت  فيه من أطوار.

انفجرت براكين الثورة المصرية في عام سنة ١٩١٩ فانبعث  فيها غضب أربعين سنة ذاقت فيها البلاد من ظلم الإنجليز ألواناً  وأنواعاً، وقد وقفت الأمة في هذه الثورة صفاً واحداً كأنها بنيان  مرصوص إذ كان الغرض الذي تجاهد من أجله واحداً وهو  إسعاد مصر وتحريرها. وبحسبك أن تعرف أن هذه الثورة قد  هزت أركان الأرض، والتفت إليها الدهر، وعلى زمجرة وعودها  استيقظ الشرق كله ليأخذ في الحياة حقه ويسترد منها ملكه.

ظلت هذه الثورة بروعتها وجلالها عامين كاملين ثم دب  إليها داء الشرق المستعصي على الدواء - داء التفرق - فانتقل  الجهاد من الميدان القومي إلى الميدان الشخصي، وبعد أن كانت  البلاد في ثورتها تسير على نهج مستقيم لا عوج فيه فإنها قد  انقلبت في أعقاب الثورة تعتسف في سيرها ولا تتهدى إلى طريق  يجمعها وظلت أكثر من خمس سنين على اعوجاجها ثم فاءت إلى  رشدها فجمعت شملها ولكنها لم تلبث غير عامين حتى عاودها داؤها  فافترقت - ولا تزال وا أسفا!!

وهذا الذي أصاب البلاد بعد ثورتها من فرقة واختلاف  قد تولى بيانه ودراسته مؤرخ هذا العصر الأستاذ الجليل  

عبد الرحمن الرافعي بك في مؤلفه الجديد   (في أعقاب  الثورة المصرية) .

ظهر الجزء الأول من هذا الكتاب وقد بدأه  حضرة المؤلف بتفصيل القول في الانقسام الداخلي الذي  أصاب البلاد في سنة ١٩٢١ وما جرى على أثره وانتهى  إليه ومضى يتحدث عن الوفد الرسمي وما ثار حوله من  خلاف كبير أدى إلى خذلان الأمة وضعفها، وتكلم بعد ذلك عن  تصريح ٢٨ فبراير الذي استخلصه ثروت باشا من الإنجليز  وتأليف حزب الأحرار الدستوريين؛ ثم أشار إلى العقاب التي أقيمت  في سبيل ثروت باشا فأودت بوزارته وذلك بعد أن قامت لجنة  الثلاثين بوضع مشروع الدستور المصري، وواصل الحديث عن  وزارة نسيم باشا وما كانت تحاوله من مسخ مشروع الدستور  وإلى كفاح جميع الأحزاب في هذا السبيل حتى ظفرت البلاد  بدستورها بعد أن حذف منه كل ما يتصل بالسودان، وأخذ  يتقصى ما توالى من الحوادث بعد ذلك من تأليف حزب الاتحاد  في سنة ١٩٢٥ والانتخابات التي أجرتها حكومته، وما انتهى  إليه الأمر من ائتلاف الأحزاب في سنة ١٩٢٦ والانتخابات التي  دعا إليها الاتحاد وتأليف الوزارات الائتلافية، وزارة عدلي باشا  في يونية سنة ١٩٢٦ ووزارة ثروت باشا في إبريل سنة ١٩٢٧،  وظل يساير الحوادث ويعللها إلى أن مات سعد في ٢٣ أغسطس  سنة ١٩٢٧.

هذه لمحة دالة على بعض ما جاء في هذا الكتاب الذي تتحدث  عنه اليوم. وليس الشأن في عرض الحوادث وإيراد الوقائع لأن  ذلك أمر يسير على من يتتبعها أو يتطلبها وإنما الشأن كل الشأن  في تعليل هذه الحوادث والحكم عليها بالحق والعدل من غير مجاملة  ولا خوف رضى الناس عن هذا الحكم أو غضبوا.

لقد كانت الحقبة التي بين سنة ١٩٢١و١٩٢٦ من أصعب الحقب  التي مرت على البلاد، فيها اجتازت القضية المصرية أشق مراحلها  وأوعرها وذلك بما تجلى فيها من الصراع الداخلي بين زعماء  البلاد وقادتها، وكان منشأ الخلاف التنازع على رئاسة المفاوضات  واستعر لهيب هذا الخلاف حتى شمل البلاد جميعاً فانقسمت الأمة  

شيعاً وتفرق جمعها بدداً، والتنازع ولا ريب يؤدي إلى فشل الأمة  وذهاب ريحها، ثم امتد هذا الخلاف إلى الدستور وكيف تحكم  البلاد، وقد كان كل حزب يعمل في هذه الحقبة لنفسه، ولا  يريد إلا أن تكون البلاد تحت حكمه.

من أجل ذلك كله وغيره كان تاريخ هذه الحقبة ثقيلاً لا  تنهض به إلا النفوس الكبيرة التي لا تؤثر على الحق شيئاً ولا تهاب  في سبيل الجهر به أحداً، وهذه الصفات لا تتوافر إلا في مثل المؤرخ  الجليل عبد الرحمن الرافعي بك الذي قضى ما قضى من عمره  المبارك في سبيل خدمة بلاده بإخلاص وأمانة.

ولا ريب في أن مؤرخنا الجليل قد أدى في هذا الجزء ما يؤدي  المؤرخ الصادق الأمين فأخرجه في أصدق رواية وأوفى بيان  وأحسن معرض وهي شنشنته التي عرفناها منه في سائر المجلدات  التي تتألف منها موسوعته التاريخية العظيمة وقد بلغت اثنتا عشرة  مجلدة.

وغن مثل هذا العمل العظيم ليوجب على كل مصري أن  يسدي له من أجله أطيب الثناء وأجل الحمد.

اشترك في نشرتنا البريدية