حينما اشتعلت نار هذه الحرب الضروس ، ظل البحر المتوسط فترة من الزمن في مأمن من غوائلها ، وبقيت إفريقية الشمالية بمعزل عن القتال . هذه الحال انقلبت فجأه حين قررت حكومة إيطاليا في شهر يونيو سنة ١٩٤٠ أن تخوض الحرب إلي جنب حليفتها ، بعد أن رأت الهزيمة الثامة التي منيت بها الجيوش الفرنسية ، وخيل لها أن النصر الكامل يوشك أن يعقد لواؤه لألمانيا ، وأنها يخلق بها ان تقف إلي جنب حليفتها لكي تساهم في اقتسام الغنائم .
هنالك أصبحت إفريقية الشمالية ما بين عشية وضحاها ميدانا واسعا فسيحا من ميادين القتال ، وحلت الحرب بويلاتها وفظائعها ، حيث كان الهدوء شاملا ، والسلام
سائدا وأخذت تلك النار التي اشتعلت في صيف عام ١٩٤٠ تزداد التهابا وانتشارا ، حتى رأيناها في الأسابيع الثلاثة الأخيرة تعم إفريقية الشمالية كلها ، بعد أن كانت مقصورة على ليبيا ، في أقاليم كلها صحراء أو شبيهة بالصحراء .
لقد كان ميدان ليبيا هذا ميدانا عجيبا غريبا ، وليس له في غرابته وشذوذه ومتناقضانه نظير بين الميادين . فهو عبارة عن أرض بلقع قفر - إذا استثنينا مواضع قليلة ذات ماء وزرع - ولا بد للحرب في مثل هذا الميدان أن يحلب للجيوش المحتشدة جميع ما يلزمها من ذخيرة وعتاد ، ووقود وقوت . والماء نفسه لابد ان يحمل وينقل ويوزع بتدبير وتقتير .
هذا الميدان الواسع المترامي الأطراف ، الذي ليس له
بين الميادين نظير في فقره وجديه ، يبدو لأول وهلة أحقر من ان يتنازع من أجله ، وأن تسفك له دماء أفراد بله الكتائب والجيوش ، إلي أن تنعم النظر فيه قليلا . فاذا هو من أجل الميادن وأعظمها خطرا رغم فقره وحقارته ، وما تعانيه الجنود فيه من ضروب العذاب والحرمان . ذلك أن من وراء هذا الميدان مصر والشرق الأوسط ، والسيطرة على البحر المتوسط كله ، وإمكان الهجوم على الهند والقوفاز ، وأخذ روسيا من الخلف ، والاستيلاء علي بترول العراق وإيران . . وفي شهر يوليو الماضي ، كان هذا كله يبدو غير مستحيل التحقيق واليوم تنقلب الكفة مرة اخري ، وتجلو جيوش المحور عن صحراء مصر وعن برقة ، وتريد نحو طرابلس ، واليوم يكبر الميدان الإفريقي بحيث يشمل إفريقية الشمالية كلها
في خلال العامين ونصف العام ، منذ أن دخلت ) إيطاليا الحرب ، قد تقليت الحظوظ في هذا الميدان العجيب ، وتعاقب فيه المد والحزر ، والتقدم والتراجع مرارا ، وساعد علي هذا أن الأرض جلها صحراء ، وان العبرة باكتساب المعارك لا اكتساب الأراضي ، وبقهر العدو ، لا بالاستيلاء على مساحات لا تسمن ولا تغني من جوع . لهذا كان كل فريق يفضل التراجع ، وإخلاء الميدان لكي يعود إليه مرة أخري ، بمدد جديد وعدة جديدة . وكثيرا ما كان التراجع لقائدة الجيش المرتد ، لأنه يسبب للخصم زيادة في مشاكل تموينه ، ويطيل خطوط مواصلاته . ويوشك ألا يكون في تاريخ الحروب كلها حرب كهذه الحرب ، تعددت أطوارها ، وطال فيها التقدم والتراجع ، والسكر والفر ، والنصر والهزيمة ، دون أن يؤدي شئ من هذا إلي نتيجة حاسمة
بدأت الحرب في الميدان اللبني عام ١٩٤٠ هادئة ؛ ولم يكن في الميدان سوي بريطانيا في الشرق ، ولم تكن
بعد قد أكملت استعدادها للحرب ، وإيطاليا في الشرق وقد مضي عليها زمن طويل وهي تحشد جيوشها الحرارة في طرابلس وبرقة . ولكن لأمر ما لم تباد الجيوش الإيطالية بالهجوم ، وسارت في زحفها ببط ، شديد ، واتبعت الخطة نفسها في الميدان الحبشي ، فاكتفت بأن تقدمت وراء الحدود الليبية حتي وصلت إلي سيدي براني في سبتمبر من ذلك العام ، ثم لم تحاول التقدم بعد ذلك ، حتى جاء الشتاء واستطاع الجنود البريطانية ان تهاجم الإيطاليين ، فلم تزل دفعهم نحو الغرب حتى أجلتهم عن ليبيا وبرقة ، بعد إن اسرت منهم فرقا عديدة ، وردت البقية الباقية منهم إلي طرابلس . وانتهت بذلك المرحلة الأولى من الحرب بهزيمة الجنود الإيطالية وتقدم البريطانيين حتى المقبلة .
وفي هذه الحالة لم يجد الحكومة الإيطالية بدا من أن تطلب معاونة حليفها القوي المانيا ، فاستعانت بها علي محاربة اليونان في البلقان ، ومحاربة البريطانيين في ليبيا ؛ وبهذا بدأت المرحلة الثانية من هذه الحرب ، وأخص ما تمتاز به اشتراك الألمان في هذا الميدان الصحراوي ، وتقليد الزعامة فيه لقائد من خيرة قواد المانيا وأكثرهم همة وجدا وبراعة
وقد اضطرت القيادة البريطانية في الشرق الأوسط ان ترسل صفوة جنودها إلي البلقان لمساعدة اليونان في محنتهم حين اقترب زحف الآلمان على بلادهم ، وبذلك أضعف الجيش البريطاني في برقة ونقص عدده . فلما تقدمت قوي المحور بقيادة ضابط من الألمان في أبريل وزحفت على رقة اضطرت الجيوش البريطانية إلى التراجع نحو الشرق حتي بلغوا حدود مصر . ولولا أنهم استطاعوا ان يحتفظوا بطبرق لكان من الجائز أن يكون تقهقرهم إلي أبعد من حدود مصر . وبهذا انتهت الرحلة الثانية من الحرب الليبية
بعد ذلك أخذ كل غريم يستعد لملاقاة غريمه ، وانقضي الصيف كله والخريف في التأهب والاستعداد .
وابتدأت الرحلة الثالثة في شهر نوفمبر عام ١٩٤١ بهجوم عام من القوات البريطانية ، ودارت في خلال الشهرين التاليين معارك عنيفة سفكت فيها دماء كثيرة ، وانتهي الأمر بتراجع جنود المحور إلي حدود طرابلس مرة أخري ؛ ولكنهم لم يلبثوا ان عادوا بعد أن حصلوا علي حاجاتهم من الإمداد والعتاد ، وأخذوا يتقدمون شرقا في أوائل عام ١٩٤٢ ، ولم يزالوا يتقدمون حتى استردوا معظم برقة وبلغوا بلدة الغزالة وهي في منتصف المسافة بين طبرق ودرنة وهنالك وقف الجيشان وجها لوجه ؛ وانتشرت قوات الفريقين وراء خط يمتد من الغزالة على البحر إلي بير حكيم على حافة الصحراء . ولكن لم يحاول أحد الفريقين أن يزحف على قوات الفريق الآخر وأنقضي الشتاء وأقبل الربيع ، وأخذت الحرارة تشتد في الصحراء واطمأن الكثير إلي أن الهدوء النسبي سيسود هذا الميدان إلي الشتاء التالي على الأقل
ولكن حرب الصحراء أبت إلا أن تخرج على كل نظام وكل قانون . وفي شهر مايو الماضي بدأت الرحلة الرابعة مهجوم قوات المحور هجوما شدا عنيفا ، وقد استعدت له القيادة الأ الثانية استعداد ، بأن هاجمت في الأشهر السالفة جزيرة مالطة هجمات قاسية فظيعة ، بحيث استحال على هذه الجزيرة أن تؤدي وظيقتها الأولى ، إلا وهي مهاجمة قوافل المحور التي تنقل المؤونة والذخيرة والعتاد الحربي إلي برقة . لهذا استطاع الألمان وحلفاؤهم أن يدخلا المرحلة الرابعة وهم اقوى عدة مما كانوا في أي وقت من الأوقات ودارت المعارك التي لا تزال ذكراها عالقة بأذهاننا ، والتي انتهت بفقد الخلفاء درعهم من الدبابات . وبتخليهم عن طبرق ومرسي مطروح ، وتراجعهم إلي العلمين على بعد مائة وعشرين كيلو مترا من الإسكندرية وقد حدث هذا في آخر شهر يونيو الماضي ؛ وقد استطاع البريطانيون بفضل قوانينهم الجوية أن يحولوا دون تقدم
جيوش المحور إلي أبعد من هذا الموضع .
وانقضت أشهر الصيف وشطر من الخريف ، وكلا الفريقين بعد العدة للمزحف التالي ، وأحرز البريطانيون فضل السبق ، فلم ينتظروا حتي يحل الشتاء ، بل بدأوا المرحلة الخامسة بهذه الحرب في أكتوبر الماضي ، بزحف عنيف ؛ وبعد معارك دامية ، تراجعت قوات المحور بسرعة هائلة ، تاركة عددا عظيما من الأسري ، ومضحية بعدد كبير من جنودها وذخيرتها وعتادها . ولعل هذا الارتداد أسرع ، والهزيمة فيه أجل وأعظم مما حدث في هذا الميدان ، على كثرة ما حدث به من الهزائم والتقهقر .
واليوم تقف الجنود البريطانية علي أبواب طرابلس للمرة الثالثة ، بعد أن قطعت في تقدمها السريع زهاء ألف من الكيلو مترات ، وطالت خطوط تموينها واتسعت الشقة بين ميدان القتال وبين الأقطار التي تمون القوات المحارية ويتساءل الناس اليوم اليوم : هل تقضي الجنود البريطانية في تقدمها السريع حتي تخرج جديد المحور من طرابلس كما أجلتها عن برقة ؟ أمنت قليلا لكي تجمع قوانينها ، وتعد العدة قبل أن تجازف بالتقدم مئات الاميال التي لا تزال تفصل بينها وبين طرابلس ؟ ولكن تربثت وتمهلت قبل الإقدام ، فهل تستطيع القوات الألمانية في هذه الفترة أن تأتي بما هي في حاجة شديدة إليه من الإمدادات ثم تعاود الكرة كما سبق لها أن فعلت في الشتاء الماضي ؟
إن حرب الصحراء هذه طالما أخلفت الظنون وتبدلت فيها الأرض بسرعة لم تكن تخطر لأحد ببال . في العبث محاولة التكهن وسبق الحوادث غير ان هنالك أمورا جديدة تجعل الموقف اليوم في ليبيا مخالفا لما كان عليه في العامين الماضيين .
فأما الأمر الأول فهو أن جنود المحور قد عنيت هذه المرة بخسارة فادحة ثم عنوا بمثلها من قبل وقد فقدوا كل
دباباتهم إلا بضع عشرة قطعة . وليس من السهل تعويضهم عما فقدوه في حرب قوامها الآلات .
والأمر الثاني أن من الواضح أن مقدرة الخلفاء علي مهاجمة قوافل التموين وإمدادات المحور قد زادت كثيرا عما كانت عليه في الشتاء الماضي ، ولا بد من بذل مجهود مضاعف لتموين الجنود الألمانية في طرابلس وتعويضها عما فقدته
والأمر الثالث - وهو أجل شأنا وأبعد خطرا - أن الميدان الإفريقي قد اتسع وتضخم ، حينما أقبلت الجيوش الأمريكية والبريطانية بعدتها وعديدها ، في الأيام الأولى من شهر نوفمبر الماضي ، واحتلت بضع موانئ في مراكش والجزائر وبعد مقاومة قصيرة سلمت القوات الفرنسية ، ولم تكتف بالتسليم ، بل أيدت استمدادها للتتعاون مع القوات الغازية في محاربة جنود المحور وإجلائها عن إفريقية
وقد رد الألمان على هذه الحركة الجريئة بأن احتلوا سائر فرنسا ، ثم بادروا بإرسال جيش إلي تونس ، يحمله الطائرات أحيانا والسفن أحيانا . وليس بالأمر العسير جدا على سفن المحور أن تقطع المسافة القصيرة بين صقلية وبتزرت في جللح الظلام ؛ وبذلك قد بات لهم جيش لا يستهان بأمره في الشقة الصغيرة الواقعة في الشمال الشرقي من تونس .
ولم يكتف الألمان بهذا ، بل لقد اضطروا لأن يرسلوا عدة كتائب من طرابلس نفسها ، لكى يحتل الطرف الجنوبي من تونس في منطقة قابس وصقاقس . وهكذا نري كيف اتصل الميدان الإفريقي كله ، وبات كل جزء منه شديد الارتباط بسائره وأكره الألمان برغم حاجتهم الشديدة في طرابلس إلي أن يسعفوا إقليما مثل تونس ، فيرسلوا إليه عدة وجندا هم في اشد الحاجة إليها لوقف تقدم الخلفاء في الشرق .
وبهذا أصبحت قوات المحور بين شقي المقراض . تزحف عليها الجيوش البريطانية من الشرق ، والجنود الأمريكية والبريطانية والفرنسية من الغرب ؛ وقوات الحلفاء نفوقها كثيرا ، ولا شك في أنها في موقف لا تحسد عليه
إن هذه الحالة تخلق ظروفا جديدة ، ويجعل مركز الحجر في طرابلس هذه المرة أشد جرحا وضيقا مما كان في أي وقت مضي . ولقد كان من السهل على قوات المحور أن " تصفي موقفها في إفريقية الشمالية كلها ، وان تتراجع إلي إيطاليا وصقلية . ولكن ليس من السهل على القيادة الألمانية أن تضحي مرة واحدة بالغايات والمرامي البعيدة التي كانت ترمي إليها زحفها في ليبيا ؛ ولا بد لها أن تبذل جهدا شديدا جديدا ، لعل الزمن والحظ أن يجنباها الهزيمة في هذا الميدان العجيب ، الذي طالما ان فيه الأوضاع ، واختلفت الحظوظ . وفي الحق لا بد للمحور من حظ باهر جدا لكى يخلصه من المأزق الذي يعانى شدته اليوم في إفريقية الشمالية

