خسر متثاقلا يصطنع الأناة ، ويتكلف الوقار ، ويمشى مشية الشيوخ ، وما به من الشيخوخة إلا علمه بأنه قد صحب الدنيا وتنفس من هوائها خمسين عاما ، وإلا هذه الخيوط البيضاء الناصعة ، تشرق في لمه السوداء الفاحمة ، وتذكره بين حين وحين ببيت الفرزدق المشهور :
والشيب ينهض في الشباب كأنه
ليل يصبح بجانبيه نهار
وهو كلما ذكر هذا البيت لم يحققه ، ولم يكتنه معناه ، ولم يحاول ان يلائم بين ما اراد إليه الفرزدق وبين هذا البياض الناصع الذي يشيع في شعره الفاحم ، وإنما شغل عن هذا كله بالبيت نفسه ، يقف عند الفاظه ، ويستخرج منها ، أو تخرج عليه منها صورة رائعة لليل الذي يصيح النهار بجانبيه ، فتشغله عن شيبه وشبابه ، وعن الشيب كله والشباب كله ؛ ولعله ان يقدر ان الفرزدق إنما اتخذ الشيب والشباب وسيلة إلى عرض هذه الصورة الرائعة لا اكثر ولا أقل .
على أنه قد جعل يمشي مشية الشيوخ تلك ، مستمسكا بها ، حريصا عليها ، يري انها تليق به ، وانه يليق بها ؛ وربما اعانه على اصطناع هذه المشية ذلك الرمل الغزير النهيل ، الذي كان يرتفع قليلا وينخفض قليلا ، فيدعوه إلي شئ من الاحتياط والتحفظ في تقدير الخطو ووضع قدميه حيث ينبغي لهما ان توضعا ؛ وكان في أثناء هذا كله مستغرقا في تفكير عميق عريض ، قد دفع إليه منذ
أصبح ، فلم يستطع أن يخلص منه نهاره كله ، على كثرة ما حاول ذلك ، وعلى كثرة ما تحدث إليه الناس ، وما تحدث هو إلي الناس ، لأنه أصبح وفي نفسه أنه أتم الخمسين . وإذا هذه الفكرة لا تفارقه ، وإذا هو يحاول أن يستقصيها من جميع أطرافها ، وإذا هي تثير عليه ، أو تثير له ، ألوانا من الخواطر لا تكاد تحصى ؛ وإذا هو يتفق جهدا متصلا في جمع هذه الخواطر وتنظيمها ، لعله يستطيع أن يستخلص منها خاطرا واحدا يأنس به ويطمئن إليه ؛ ولكنه لا يظفر من ذلك بشيء ، وإنما يعيبه الجهد ، ويشق عليه التفكير ؛ وهو في حقيقة الأمر لم يخرج من حجرته تلك التي كان قد خلا إلي نفسه فيها بعد الغداء ، في طرف من أطراف الصحراء ، إلا ليخلص من هذا الجهد المتصل ، وهذا التفكير الطويل . وكان النهار قد أوشك أن ينقضي ، وكانت الشمس قد أخذت تسمى متباطئة إلي مغربها ؛ وإذا صاحبنا يري في شيخوخة النهار صورة لشيخوخته ، ويري في سعي الشمس البطئ إلي الغروب ، وتلكنها في طريقها إليه ، وفي هذه الأشعة الشاحية الفاترة التي تجررها الشمس ورامها على وهاد الصحراء وهضابها ، صورة لسعيه المتهالك المتناقل إلي مستقره الأخير ، ولما يجرر وراءه في فتور وتهالك وتناقل ، من آثار ضئيلة تحيلة ، تمر بالناس فلا يلتفت إليها أكثرهم ، وقد يلتفت إليها قليل منهم في عناية تختلف قوة وضعفا ، ولكنهم سينسونها جميعا ، وسيشغلون عنها جميعا ، بآثار أخري يثيرها فيهم ، أو يجررها بينهم
رجال آخرون ، شباب او كهول او شيوخ ، سينسونها وسيشلون عنها ، وستمحي من بيهم كما كحي هذه الأنظر الفائرة الضئيلة التي تتبع الشمس في طريقها إلي الغروب حين يقبل الليل فيبسط ظلمته على كل شئ ، ويرسل من اثناء هذه الظلمة سهاما من يريق النجوم تمسك عليهم شيئا من الأمل ، ومحفظ عليهم ثقة بالحياة ، وتقر في نفوسهم ان الشمس تغرب اليوم لتشرق من الغد ، وانهم يستطيعون ان يسكنوا الآن لينشطوا من الغد . وإذا تصور صاحبنا هذا يرده إلى التفكير في نفسه ردا عنيفا ، وبشيع في قلبه حزنا عميقا . فهو بساير الشمس إلي الغروب ، ولكنها ستعود ويبقى هو حيث يستقر ، لا عودة له ولا أمل في العودة وإذا هو يذكر قول لبيد :
ولقد سئمت من الحياة وطولها
وسؤال هذا الناس : كيف لبيد ؟
غلب الرجال وكان غير مغلب
دهر طويل دائم ممدود
يوما أري يأتي علي وليلة
وكلاهما بعد المضاء يعود
وأراء يأتي مثل يوم لقيته
لم ينتقص وضعت وهو يزيد
وما تكاد هذه الآبيات تعرض له ، وما يكاد ينشدها في نفسه ، وقد وقف فلم يمش مشية الشيوخ ولا مشية الشباب ، حتى يذكر شعرا آخر للبيد :
بلينا وما تبلى النجوم الطوالع
وتبقى الجبال بعدنا والمصانع
وإذا هو ينشد في نفسه هذه الآبيات إلي آخرها ، كما انشد في نفسه تلك الآبيات إلي آخرها . وإذا هو
قائم واجم في الصحراء ، قد نسي شيبه وشبابه ، ونسي الدنيا وصحبته لها نصف قرن ، واخذته هذه العادة الأدبية العربية التي تدفع الأدباء إلي الاستطراد من فن من فنون الأدب إلي فن أخر ، لا يكاد يفتح لهم باب من الشعر أو النثر إلا ولجوا منه إلي أبواب أخري . وإذا هو يستحضر ما يحفظ من شعر العرب في الشيب والشباب ، ومن شعر العرب في الحياة والموت ، وفي البقاء والفناء . وهو قائم في الصحراء لا يتقدم ولا يتأخر ، كانا انسي نفسه وانسي ما حوله ، والله يعلم كم قام في مكانه ذاك من وقت ؛ ولكنه يثوب إلي نفسه فجأة ؛ وأكبر الظن أنه إنما يثوب إليها بعد أن استنفد ما وعت ذاكرته من شعر ونثر ومثل في هذه الموضوعات .
فلا يكاد يعرف نفسه بعد هذه الغيبة ، حتى ينكر إغراقه في الشعر والنثر والأمثال . فهو لم يأت إلي هذه الصحراء البعيدة ، ولم ينتقل إلي هذه البيئة الغريبة ، إلا ليهجر حياته المألوفة يوما أو اياما ، ولينس آدبه العربي القديم ، وآدبه العربي الحديث ، وكل هذا العلم المختلف المتباين الذي تتألف منه حياته العقلية حين يصبح ، وحين يمسى ، وحين يلقي الناس ، وحين يخلو إلي نفسه ، حتى كان شخصيته ليست إلا مزاجا قد ألف من ألوان هذا العلم على اختلافه ؛ فهو يستطيع أن يرد كل جزء منه إلى مكانه من هذا العلم أو ذاك ، ومن هذا الفن أو ذاك ، بل من هذا الكتاب أو ذاك ؟ وهو قد ضاق بهذا كله أشد الضيق ، وسئم فناء نفسه في غيره وائتلاف مزاجه الخاص مع أمزجة الكتاب والشعراء والمؤلفين الذين يقرأ لهم ، ويفكر فيهم ، ويتحدث عنهم . وهو قد سئم مع ذلك شخصيته المادية التي تتألف من حياة مختلفة الأجزاء ، يرجع بعضها إلي هذا العمل أو ذاك ،
ومن يشاركون في هذا العمل أو ذاك ، ويرجع بعضها الآخر إلي عمل آخر وبلي قوم آخرين يشاركون فيه . سئم حياته تلك التي لا يستقل بها ولا ينفرد بخيرها وشرها ، وإنما يرجع بها إلي غيره ، أو يعتمد فيها علي غيره ، أو يشترك فيها مع غيره . وأراد أن يستخلص شخصيته ولو وقتا قصيرا من كل هذا الاختلاط والاضطراب ، وان ويريح نفسه ولو ساعات من هذا العناء المتصل ، والشقاء الثقيل ، عناء الحياة لغيره ، وبغيره ، ومع غيره ، ففزع إلي تلك الصحراء البعيدة التي لا يخلو فيها إلي نفسه خلوة تامة ؛ ولكنه يجد فيها شيئا من الفراغ ، وفضلا من الراحة ، ويتصل فيها بأجيال غير جيله الذي يعيش فيه ويتصل به ، فليست هذه الصحراء إلا مستقر مدينة قديمة ، قد اتخذها المصريون القدماء لموناهم ، وجعل بعض الباحثين عن الآثار يبحث فيها وينقب حتى استكشف منها شيئا كثيرا ؛ فيه جمال وروعة للذين يلتمسون الجمال والروعة ، وفيه علم وفن للذين يطلبون العلم والفن ، وفيه موعظة وعبرة للدين يلتمسون الموعظة والعبرة ، وفيه تسلية وعمزاء لنفسه هذه المحزونة الكدودة ، التي لا تريد إلا أن تستريح حينا من الحياة والأحياء ، وإن لم تجد هذه الراحة إلا في جوار الموت والأموات . وأي بأس عليه من ذلك ، وهو قد صحب الدنيا خمسين عاما ، وانفق من عمره أكثره ، وان له أن يدنو من الموت والموتي بعقله وشعوره وعن إرادته ورضاه ، بعد أن دنا من الموت والموتي بجسمه وسنه وعلي غير إرادة منه ولا اختيار ؟
وكذلك ترك القاهرة امس في آخر النهار ، وبلغ صحراء تلك حين تقدم الليل ، فلم يزد على ان اوي إلي مضجعه ليستريح من سفر طويل شاق ، حتى إذا اصبح فرغ للصحراء ، ولهذه الانار التي تقوم فيها منتثرة منتشرة مختلفة أشد الاختلاف ، في أشكالها وصورها ، وفي
أحجامها وإجرامها ، وفي دلالاتها وفي معانها وفي قيمها عند اصحاب الفن ، وأصحاب العلم ، والباحثين عن اللغة والتاريخ ؛ وما كاد يصبح ويفكر في صحرائه وبهم بالخروج إليها والانطلاق فيها ، حتى قام دوه هذا الخاطر الذي خطر له فأنباء بسنه ، واضطره إلي التفكير ، وانار له أو انار عليه ما انار من العواطف والاهواء ؛ وإذا كثر يومه يذهب في هذا التفكير العقيم ، وإذا هو يصرف عما قصد إليه حين اقبل إلي الصحراء ، من الراحة والفراغ والاتصال باثار تلك الأجيال من الأموات
فلما كان العصر استطاع أن يخلص من نفسه كما خلص من الناس ، وان يخرج إلي صحرائه ؛ ولكنه كان كما قلت متثاقلا مستأنيا , يتكلف الوقار ، ويمشي مشية الشيوخ . فما هي إلا أن يعود إلي نفسه ، ويغرق في تفكيره ذاك ، ويكاد بصرف عن الصحراء صرفا ، لولا ان اراد الله به خيرا ، فأنقد ما حفظ من الشعر والنثر والأمثال ، واستأنف مشيته الهادئة المستأنية في صحرائه العريضة المنبسطة وعلى هذا الرمل الغزير المنهيل ، وفي هذا الاصيل البطئ الشاحب الحزين . وليس من الحق أنه كان يمضي في الصحراء إلي غير غاية ، أو أنه كان يسعي لمجرد السعي ، يتجه إلى هذه الحهة أو تلك ؛ وإنما الحق انه كان ينجه وجها يمينه ، ويقصد إلي غاية رسمها لنفسه حين خرج من الدار ، بل حين ترك القاهرة ؛ فهو لا يزور صحراء هذه لأول مرة ، وإنما زورها للمرة الثالثة أو الرابعة ، وقد اتخذ فيها لنفسه من آثارها ، ومن نفوس اصحاب هذه الآثار أصدقاء واخلاء ، يجد في الخلوة إليهم لذة ، وفي الاتصال بهم غبطة ومتاعا .
وكان قد خرج في ذلك اليوم يريد دار صديقته تلك الصبية التي اختطفها عذاري النيل منذ ثمانية عشر قرنا أو أقل من ذلك او اكثر ، وهي في الثالثة عشرة او الرابعة عشرة من عمرها الغض ، فجزع عليها أبوها اشد الجزع ،
وحدب عليها في الوقت نفسه أشد الحدب ، وأقام لها في تلك المدينة من مدن الموتى ، وفي هذه الصحراء من صحاري مصر ، هذه الدار الصغيرة الانيقة ، واقام لها في اعماق هذه الدار سريرا اقر فيه جسمها الصغير التئيل الذي رده إليه عذاري النيل ، بعد ان استأثرن بنفسه الحلوة وروحه العذب ، وشبابه النضر . ونقش على بعض جدرانها قصتها هذه اليسيرة المؤثرة ، في لغة ويونانية حلوة ساذجة ؛ ووعد ابنته في اخر القصة بأن يؤلفها كما الهها اولئك العذاري اللاتي اختطفها ، وبأن يقدم إليها من الغربان في أول فصول الستة ما يقدم إلي امثالها من الالهة الاعمار اللاتي لم يتجاوزن الصبي ، ولم يبلغن طور الشباب .
وكان صاحبنا منذ عرف قصة هذه الصبية كلنا بزيارة دارها والوقوف على اثارها ، والوقوف بنوع خاص عند سريرها ذاك الساذج الانيق ، الذي خلا حتى من جسمها الضئيل النحيل ، لأن الدهر قد أفني هذا الجسم وأيلاء ، ورده رمادا لا يكاد يمس حتى يتفرق وينهار ، ويعجز عن البقاء والثبات . . ولم يحفظ من شخصها إلا خاتما ذهبيا صغيرا لم يستطع أن يستقر في مكانه بعد ان بليت الأصبع إلى كان يدور حولها ، فانتقل إلي المتحف المصري واستقر فيه بين هذه الآثار التي لا تحصي . وظل السرير خاليا من كل شئ ، كما ظلت الدار خالية من كل شئ ، إلا من هذه الذكري التي تصور الصبية نائمة في سريرها . أو تصورها مضطربة في دارها ، والتي كان صاحبنا يلقاها قوية نفاذة إلي أعماق قلبه كلما دخل الدار أو وقف عند السرير ، والتي كانت تستأثر بنفسه استئثارا ناما ، فتقطع الأسباب بينه وبين كل شئ ، وبينه وبين كل إنسان ، وتكاد تنسيه نفسه ، وتكاد تمنحه حياة غريبة في عصر غريب ليس بينها وبين حياته وعصره صلة ما .
إلي هذه الدار كان قصد صاحبنا حين خرج إلي
الصحراء مع العصر في ذلك اليوم مفكرا في الشباب والشيب ، وفي الحياة والموت ، وفيما أنفق من عمره في صحبة الحياة ، وفيما سينفق من عمره في انتظار الموت . وكان كل شئ من حوله ملائما لخواطره تلك الحزينة ، وعواطفه تلك الكئيبة . فكان يشعر بلذة عميقة شاحبة كأنها لذة الموسيقى ، ثانيه من هذا الانسجام بين نفسه وسنه وعواطفه ؛ وهذا الأصيل الحزين ، وهذه الصحراء المقفرة ، وهذه القبور والدور التي خلت حتي من الموتي ومن بقايا الموتي ؛ فجعل يسعي أمامه هادئا مستأنيا ، يتكلف الوقار ويمشى مشية الشيوخ ، حتى انتهي إلي تلك الدار ، دار صديقته الصبية اسيدورا . فحياها بقلبه لا بلسانه ، وما حاجته إلي حديث اللسان ، وفي حديث النفوس كل الغناء ؟ حياها بقلبه ، وخيل إليه ، أو تحقق في نفسه ، أنها قد ردت عليه تحيته ، وأنه قد تلقي هذه التحية ، لا يدري كيف تلقاها ، ولا من أين تلفاها ، وإنما جاءته من جميع أقطاره ، وأخذت نفسه من جميع نواحيها ، وقد وجد لرجع هذه التحية روحا ومتاعا ليس إلي وصفهما من سبيل ، وقد جلس على عتبة الدار جلسة المنتظر أو جلسة المستريح ، أو جلسة المتفكر ، لا يدري . ولكنه جلس ، وما هي إلا لحظات قصار حتى نسي نفسه ، ونسي ما يحيط به ، ونظر فإذا هو يحس قريبا منه شخصا ضئيلا نحيلا ، ولكنه مائل منه غير بعيد . ولو أنه سأل نفسه في ذلك الوقت : اين يستطيع أن يقر هذا الشخص بالقياس إلي مكانه لما استطاع أن يظفر لهذا السؤال بجواب . فقد كان يخيل إليه أنه يري هذا الشخص ماائلا أمامه ، فإذا تحول إلي اليمين أو إلي الشمال أو إلي وراء ، رآه مائلا عن يمينه وعن شماله ، ومن خلفه أيضا . شخص ضئيل ، يحيل ، ضعيف ، متواضع ، ولكنه قد أخذ عليه وجوهه كلها ، فهو لا يستطيع أن يجد منه مهربا ، ولا عنه منصرفا . ولو قد
ظهر له هذا الشخص في غير هذا المكان للا فلبه رعبا ، ولآثار في نفسه شكوكا وظنونا . ولاشفق من العلة أن تكون الت به ، ومن الضعف ان يكون عبث بأعصابه . ولأسرع إلي الطبيب يعرض عليه الداء ، ويطلب إليه الدواء
ولكنه في ذلك المكان من الصحراء وفي ذلك الوقت من اخر النهار وأول الليل ، لم يحس رعبا ولم يستشعر خوفا ولم يشك في صحة جسمه وعقله ، ولم ينكر من هذا الشخص الضئيل النحيل الوحيد السائل من حوله والمحيط به من جميع جهاته شيئا ؛ وإنما رأي مثول هذا الشخص من حوله امرا طبيعيا مألوفا لا يثير شكا ولا يدعو إلي استغراب ، وربما احس شيئا من الاستغراب لأنه لم يسمع لهذا الشخص صوتا ، ولم يتبين له حركة ، وإنما كان يراه واحدا مائلا مع ذلك من حوله ساكنا مع ذلك ؛ وكان يعجب في نفسه بهذا الواحد الكثير ، ولهذا الفرد الذي يشغل أكثر من حيز وكان يري علي وجه هذا الشخص حزنا عميقا ، ولكنه على ذلك حلو بريء بشبه حزن الأطفال الذي يبلغ أقصاء ، ويشعر النفوس مع ذلك بشيء من الحلاوة والدعة ، ويشيع فيها الحب والحنان أكثر مما يشيع فيها الرحمة والإشفاق
ولم يشك صاحبنا لحظة في أن هذا الشخص المسائل من حوله شخص صبية ناشئة ثم تبلغ الخامسة عشرة من عمرها بعد ، ولم يشك في انه شخص ربة الدار اسيدورا هذه التي أقبل يزورها ، وما اكثر ما زارها في دارها ووقف عند سريرها ، فلم يكن يجد إلا ذكراها أما الآن فهو يجد اكثر من الذكري ، ويجد اقل من صديقته نفسها ، يجد شيئا وسطا بين الذكري التي لا تحسها إلا القلوب وبين الكائن الحي الذي تدركه الحواس ، يجد ظلا يدركه بعض الحواس وتدركه النفس والقلب معا .
والغريب أنه علي ذلك كان يقدر أن هذا الظل سيؤذنه بمكانه ، وسيصل بينه وبينه الحديث ؛ وكان يعلم حق العلم أنه لم ير قط ظلا يؤذن الناس بمكانه ، ولم يسمع قط طلا يتحدث إليه أو إلي غيره من الناس . ومع ذلك فقد أقام ينتظر أن يري من الظل إشارة أو يسمع منه كلمة . وقد طال انتظاره دون أن تبلغ عينه إشارة أو تصل إلي أذنه كلمة ، وإذا هو يبدأ بالإشارة ويبدأ بالحديث ويقول : ما تصنعين هنا يا ابنتي في هذا الوقت ومن تكونين ؟ وقد سمع صوت نفسه فأنكره شيئا ، وكاد بثور من مجلسه وينقلب إلي داره فزعا قد بلغ منه الرعب ، ولكن الظل لم يمهله ولم يتح له روتية ولا تفكيرا ، بل أجابه في صوت غريب بتصوره ولا يستطيع تصويره ، وسينسي كل شئ قبل أن ينسى جرس هذا الصوت في أذنه وموقعه من قلبه ؛ أجابه الظل في صوته ذاك الغريب : إنك لتعلم من أنا ، وهل أقبلت إلا للقائي ، أما ما أصنع هنا ، فلست أصنع شيئا ، وإنما ألمس شخصي ، وأنظر أن يرد إلي جسمي . قال الشيخ : لقد زرت هذه الدار غير مرة ، ووقفت عند هذا السرير غير مرة أيضا ، فلم أر لك شخصا ولم أسمع لك صوتا . قال الظل : لم ترني . ولكني رأيتك ، ولم تسمع صوتي ، ولكي سمعت صوتك ، زرت هذه الدار أثناء النهار فلم تلقني ، ولو قد زرتها في الليل منذ تغرب الشمس إلي أن تشرق لما فقدتني . ولو قد استطعت أن أبلغ نفسك وألقي فيها بعض الحديث لسألتك أن تزور هذه الدار في مثل هذا الوقت الذي أقبلت فيه اليوم ومن يدري ؟ لعلي بلغت من ذلك ما أريد ؟ فلأمر ما أقبلت إلي هذا المكان مع الأصيل حين أخذ النهار يتصرم ، وأخذ الليل يسعي ليغمر الصحراء بظلمته ، وأتيح لي أن أخرج من تلك الزاوية التي ألزمها النهار كله ولا أفارقها . قال الشيخ : إني لم أفهم عنك يا ابنتي
ما تريدين . ما لزومك زاوية من دارك هذه لا تفارقينها أثناء النهار ، وما خروجك من الدار إذا أقبل الليل . وما حاجتك إلي لقائي والتحدث إلي ؟ قال الظل : إن ضوء النهار يؤذيني ، وإن حركة الناس من حولي تشق علي ، ولقد أقمت عند هذا السرير دهرا طويلا لا أري سوءا ولا أسمع صوتا ولا أحس حركة ، فقدر ما يبلغني من الآذي وما يمسني من الألم حين يفجأني الضوء وحين يمثلئ الجو من حولي حركة ونشاطا وحديثا ، فأقصى ما استطيع أن أفعله لأنقي هذا الألم وذلك الأذي أن ألزم هذه الزاوية من زوايا الدار متضائلة متفانية محتملة لما لا استطيع له ردا ، حتى إذا جلا الضوء وانبسط الظلام وشمل السكون كل شئ ، خرجت إلي حيث تراني وأقمت هادئة ساكنة لا أريم ، حتى يردني مطلع الفجر إلي زاويني تلك داخل الدار . ولقد كثر الزائرون لي والواقفون عند داري والمعجبون بسريري ذلك الخالي والقارئون لقصتي هذه التي طمس رسمها أو كاد ؛ فميزتك من بينهم لأنك ميزتني من جميع هذه الآثار . لم تشغلك الدار عن أهلها ، ولم يشغلك السرير عن صاحبته ، ولم تشغلك القصة عن بطلتها ؛ إنما فكرت في حين أقبلت على واتصلت نفسك بي اتصالا أحسسته وأنست إليه ، وأحست أنك حين كنت تفارق الدار لم تكن تفارقيني ، وإنما كنت تأخذ معك طرفا من ذكراي تشغل به نفسك وتعمر به قلبك ، وتأنس إليه إذا خلوت إلي سكون الليل وظلمته ، وكان هذا الطرف الذي كان يصحبك من أطراف الذكري يدعوني إليك دعاء شديدا ، ولو قد استطعت أن أستجيب لهذا الدعاء لصحبتك غير مرة في بعض ظعنك وبعض إقامتك ؛ ولكني موكلة بهذا المكان لا أبرحه ولا أتحول عنه حتى يرد علي شخصي كاملا ويعاد إلي جسمي موفورا
قال الشيخ : ما رأيت كالليلة عجبا ، ولا سمعت كالليلة
حديثا طريقا ؛ من تكوين يا ابنتي ؟ قال الظل : وإنك لتشك في بعد هذا الحديث ؟ ! لقد أنبأنك ياتي صديقتك اسيدورا ، تلك التي اختطفها عذاب النيل من أهلها ، ثم رددن جسمها إليهم بعد أن حجزن نفسها هناك في تلك الدار الجميلة الرائعة التي كان أهلها يستمتعون بالسعادة والغبطة والنعيم والتي ما أزال أذكرها فتكاد تهلكني الحسرة وتفنيني اللوعة ، لولا أنبي مأمن من الهلكة والفناء قال الشيخ : وما أخرجك يا ابنتي من تلك الدار وما ردك إلي هذا المكان القفر الخشن ؟ قالت : ما أدري ، ولكني أحسست ذات لحظة أن قد أذن في أهل الدار بالفرقة والرحيل ، ورأيتني أنتزع ممن كنت أعيش بينهم انتزاعا ، وأدفع إلي هذا المكان دفعا ، وأكلف لزوم هذه الدار ، ومصاحبة ذلك الجسم الذي كان مستلقيا في السرير ، وأومر ألا أفارقه حتى يرد إلي أو أرد إليه ، ثم أقيم حيث أنا ، لا أدري كم يمر علي من وقت ، ولا ما يكون حولي من حركة أو نشاط أو سكون أو خمود ، حتى أجأ ذات لحظة أخري بالضوء يغمرني ويغمر داري ، وبالحركة والنشاط والأسوات تملأ كل شئ من حولي ، وأنظر فإذا شئ قد مس ذلك الجسم الذي كان مائلا في مكانه من السرير ، فرده ترابا متفرقا ، ثم حمل هذا التراب إلي حيث لا أدري . ولقد تعلقت بذلك الخاتم الصغير الذي وضعه أبي في أصبعي ذات يوم من أيام أعيادنا تلك ، وأردت أن ألزمه وأن أتخذه رمزا لما بلي من جسمي ، وما فني من شخصي ، ولكن هذا الخاتم نفسه قد أخذ من مكانه ، وحمل إلي حيث لا أدري ؛ وإذا قوة أجهلها ولا استطيع لها دفعا تفرق بينه وبيني وتلزمني هذا المكان على ألا أبرحه ولا أتحول عنه حتى يرد علي شخصي كاملا ويعاد إلي جسمي موقورا . في يرد علي ذلك الشخص ؟ ومتى يعاد إلي ذلك الجسم ؟ ومتى أخلص من هذا السجن الذي ضقت
به وضاق بي ؟ . قال الشيخ : وإنك لتجدين في هذا السجن ألما ؟ قال الظل : ما أدري ماذا أجد ، لقد بعد عهدي باللذة والألم حتى أنسيتهما وفقدت ذوقهما ؛ وإنما أجد ضيفا لا أطيقه وما أراه يطيقني ، وأود لو استطعت أن أخلص منه أو استطاع هو أن يخلص مني . قال الشيخ : لقد علمنا فلاسفتنا ووعاظنا يا ابتني أن الحياة تعب كلها ، وأن الرغبة فيها حمق ، والاسترادة منها سفه ، وأن الموت راحة وأمن ودعة وهدوء ، وإنك لتنبئنني بغير ما أنبأني أولئك الفلاسفة والوعاظ ؛ قال الظل : فإني لم أعرف من الحياة إلا لذتها ، فارقتها قبل أن تشرف بي على آلامها ومتاعبها ؛ فأما الموت فقد نعمت به حينا ، ثم شقيت كما تري ؛ نعمت به ما ألمت في تلك الدار وشفيت به منذ رددت إلي هذه الدار التي تراها ، ومنذ ردت هذه الدار خاصة إلي الضوء وجوار الناس ، وما أدري أنقل من هذا الشقاء إلي شقاء شر منه ، أو أرد إلي نعيم كالذي عرفته بين عذاب النيل ، أم أرد إلي لذة كالتي عرفته بين أهلي وإخوني . قال الشيخ : لعلك يا ابقتي إن ظفرت بما كان أبوك قد وعدك من ألوان القربان أن تجدي في ذلك عزاء وروحا . قال الظل : لا تذكرني بذلك فتؤذيني ، فما أشد ما اشتقت إلي ما كان أبي يقدم إلي في الصيف والشتاء والربيع ، من ألوان التمر والزهر وصنوف الفاكهة والجني ، ولكن هذا متاع قد انقضي كما انقضت الحياة ، وتصرم عهده كما تصرم عهد ما عرفت من النعيم . قال الشيخ : لقد رددتي يا ابتتي إلي شئ من الحيرة عظيم ؛ أحياء يضيقون بالحياة ويتمنون الموت ليستريحوا ، وأموات يضيقون بالموت ويودون لو يردون إلي الحياة ليجدوا فيها ما أحبوا من نعماء ، وما كرهوا من بأساء . قال الظل هذه أشياء لم أفكر فيها قط ، لأن دواعي التفكير فيها لم تعرض لي . لقد فارقت الحياة وما كنت أضيق بها ولا
أقدر لها فراقا ، ولزمت الموت وما كنت أرغب فيه ولا اقدر له لقاء . وما أري إلا أن الراحة شئ لا ينبغي أن يطلب إلي الحياة ، ولا أن يلتمس عند الموت ، قال الشيخ : فأبن يطلب إذا ؟ قال الظل : لا أدري ، ولعل اسعد الناس من وجد الراحة في نفسه فلم يلتمسها عند احد ، ولا عند شيء .
وأطرق الشيخ يفكر في صحبته للدنيا خمسين عاما ، وفي دنوه من الموت أو دنو الموت منه ، وفي يأسه المحقق من الراحة في الحياة ويأسه الممكن من الراحة في الموت ؛ ولكن الظل يقول له في صوت سريع ضئيل : انظر إني أري ضوءا وأحس حركة . ويحاول الشيخ أن ينظر ، فإذا هو يفتقد الظل ، وإذا هو يري أصحابه قد أقبلوا من بعيد يلتمسونه وفي يد أحدهم مصباح يضيء لهم الطريق ، وإذا هو يعود إلي نفسه ، ويثوب إلي رشده ، وينكر من أمره كل شئ ، ويري أنه قد أخذته سنة من نوم وقد عبثت به الأحلام . فما هذا الظل الذي رآه ، وما هذا الحديث الذي أداره مع هذا الظل في لغة عربية فصيحة . وما كان هذا الظل لو تكلم ليفهم العربية أو يدبر فيها الحديث ؛ وإنما لغته القبطية أو اليونانية . لقد عبث النوم وأحلامه بالشيخ آخر النهار كما عبثت اليقظة وأحلامها بالشيخ أثناء النهار . وأكبر الظن أن الناس إذا صحبوا الدنيا خمسين عاما شاخت عقولهم وقلوبهم ، وتعرضوا الكثير من التخليط والهذيان . ولكن الشيخ مع ذلك نهض متثاقلا للقاء أصحابه ، ولم يكد يبلغهم حتى قال : لعل من الخير والبر أن ترفقوا بهذه الصبية ، وأن تقدموا إليها بعض ما كان أبوها يقدم إليها من القربان . وتلقي القوم حديث الشيخ ضاحكين ، ولكن الشيخ لم يشاركهم في الضحك ، وإنما بكت نفسه بكاء مرا .
