كتب الدكتور إسماعيل أحمد أدهم رداً طويلاً في العدد الماضي من الرسالة على كلمتي في بحث له. وإني أكره أن أطلق قلمي في مناظرة تنحرف فيها القضايا وتجتلب الحجج وينبو القلم إلا أن هنالك أمراً محسوساً لا أستطيع إهماله. وقصة ذلك أني قلت في كلمتي (الرسالة رقم ٣١٠ ص ١١٧٦) (. . . وكأني بالدكتور أدهم اقتبس مني (انظر (مباحث عربية) ص ٧٦) هذا التعبير: (جملة صلات اجتماعية) مع ما ينظر إليه باللغة الفرنسية أي ( une commede rapports sociaux وفي رد الدكتور أدهم: (رأي الكاتب (يعنيني) أننا استعرنا اصطلاح (خلق جملة صلات اجتماعية) من كتابه (مباحث عربية) والواقع عكس ذلك. إن هذا الاصطلاح قد دار على قلمنا من قبل صدور كتابه هذا وتجده في دراستنا عن إسماعيل مظهر حين تكلمنا عن آرائه الاجتماعية في z r q j م ٣٦ ص ٤١١ هذا فضلاً عن أن هذا الاصطلاح من جملة ما يجري على أقلام كتاب عصرنا هذا، وإذن فلا يمكن القول بأنه من الاصطلاحات التي استحدثها الكاتب)
على أن الدكتور أدهم لم يثبت الجملة التي ورد فيها ذلك التعبير في دراسته لإسماعيل مظهر، ولم يستشهد بما (يجري على أقلام
الكتاب) ، حتى أتبين على أي وجه ورد التعبير. ثم إن المجلة التي نشر فيها دراسته لإسماعيل مظهر لا أعرف كيف يكون الاهتداء إليها حتى أراجعها (وأرجو منه أن يبعث بها إليّ) وسواء استعمل الدكتور أدهم ذلك التعبير قبل ظهور كتابي أم لم يستعمله، فالمهم أن يقول لي هل كتب إزاءه التعبير الفرنسي: une commede rapports sociaux كما صنعت في كتابي؟ وأنا أدري من باب التجربة العملية أن علم الدكتور أدهم باللغة الفرنسية لا ييسر له ذلك.
وبعد فإن الدكتور أدهم قد اقتبس مما جرى به قلمي غير هذا التعبير. وحسبك الموازنة بين ما جاء في بحثه في توفيق الحكيم، إبريل ١٩٣٩ (ص ٣٦١ س ٦ و٧؛ ص ٣٦٨ س ١٩ - ٢١) وما جاء في صدر توطئة (مفرق الطريق) (مارس ١٩٣٨) وفي نقدي لكتاب شهرزاد (المقتطف يونيه ١٩٣٤ ص ٧٣٣)
هذا وكأن الدكتور أدهم شاء أن يبذل لنا الدليل على ذلك، إذ كتب في بحثه في توفيق الحكيم ص ٣٦١ ما حرفه (وازن أيضاً بين هذا الفصل وما جاء في ردّ الدكتور أدهم في العدد الأخير من الرسالة ص ١٢٢٦) : (وكان كلف توفيق الحكيم باستنباط ما وراء الحس من المحسوس وإبراز المضمر أن اضطراب عقله (؟) . . . ومن هنا جاءت اليقظات الرمزية في فنه. . . ولقد قوى من الاتجاه الرمزي في فنه أنه نتيجة لإعيائه عن معرفة حقيقة النفس ولوامعها وبوادرها (كذا) جعلته يلتفت لعلم النفس الحديث ويخلص من دراسة تجارب (شاركو) في التنويم والإيهام و (ريبو) في الأمراض النفسية و (فرويد) في أحوال اللاواعية و (برجسون) في تغليب المضمر الذي في النفس على البارز. . .)
والآن خذ ما سطّره قلمي في الرسالة رقم ٢٥١ ص 712 (٢٥ إبريل ١٩٣٨) : (إن المسرح الحديث وإن سماه أهل الفن: المسرح الرمزي، من باب الاصطلاح، لينهض على عناصر تزيد على التي عرفتها الرمزية الأولى: ينهض على نتائج علم النفس الحديثة (تجارب شاركو في التنويم والإيهام، وريبو في أمراض الذاكرة والإرادة الشخصية، وفرويد في أحوال العقل الباطن،
وبرجسون في تغلب المضمر الذي في النفس على البارز. . .)
هل رأيت كيف يكون النقل مع استبدال لفظة مكان أخرى أحياناً ( هنا: (العقل الباطن) ، وهناك: (اللاواعية) ؛ ثم هنا: (أمراض الذاكرة والإرادة الشخصية) ؛ وهناك: (الأمراض النفسية) ؟
أما هذان التركيبان: (استنباط ما وراء الحس من المحسوس وإبراز المضمر) فمأخوذان أخذاً من مسرحيتي (مفرق الطريق) (ص٦ س ٧، ٨) حيث يجري الكلام على عرض طريقتي الرمزية. وكذلك هذا التركيب: (لوامع النفس وبوادرها) ؛ إلا أن الدكتور أدهم قرأ: (بوادر) ، وفي الأصل (بواده) ، وهو الوجه هنا. واللوامع والبواده من اصطلاحات الصوفية، وقد شرحهما القشيري في رسالته، وعلى الدكتور أدهم التفتيش وبعد: فهذه كلمة كتبنها مكرهاً لأني غير ميال إلى مثل هذا اللون من (وضع الشيء موضعه) . ففي شؤوننا الثقافية ما هو أجل شأناً. غير أن القلم ربما حركه ما لا يرضيه. وعليّ عهد أني غير عائد إلى مثل هذه الكلمة مهما كتب الدكتور أدهم

