أعتقد أن الذين قرءوا شعر الدكتور إبراهيم ناجي يلذ لهم كثيراً أن يتعرفوا رأيه في الأدب الحديث، واتجاهه في الشعر الحديث، فلا عجب إذا ما احتفت كلية الآداب، بجامعة فاروق الأول بالدكتور ناجي محاضراً في الأدب الحديث.
وقد تجلى احتفاء كلية الآداب السكندرية بالدكتور ناجي في كلمة موجزة شاء الأستاذ العميد عبد الحميد العبادي أن يقدمه إلى الحاضرين بها، فتحدث في إيجاز عن العلم والأدب، وشرح في دقةٍ وعمقٍ كيف تغزر بالعلم مادة الأدب، وكيف ينبغي أن يكون الشعر بعد أن مازجت الثقافة الحديثة بينه وبين العلم، ثم حدثنا الأستاذ العبادي عن أوجه الشبه بين العالم الأديب - الجاحظ - وبين الطبيب الشاعر - ناجي - وبين الفيلسوف المجرب، فرنسيس بيكون، ذلك الرجل الذي نحل مسرحيات شيكسبير لما كان من شهرته في الأدب، تلك الشهرة التي طغت عليها شهرته كعالم وفيلسوف مجرب
وبعد أن غادر الأستاذ العبادي منصة الخطابة وقف الدكتور ناجي وابتدأ حديثه عن الأدب، منكراً على الكثيرين من المشتغلين بالأدب فهمهم لمصطلحات الكلاسيكية، والرومانتيكية، والرمزية، سارداً بعض كلمات الرمزيين من الأدباء، وهي كلمات لا مدلول لها، وكنا نحب أن يذكر لنا الدكتور ناجي أسماء أولئك الأدباء حتى نكون على بينة من الأمر أولا، وحتى
نستطيع دراسة هؤلاء الرمزيين بأنفسنا على ضوء من دراساته التي عرض لنا لوناً منها
ومهما يكن من شئ، فقد ضرب لنا الدكتور ناجي مثلا أوجه الخلافات بين المذاهب الثلاثة،فقال: إن الكلاسيكية تصنع تمثالا من المرمر دقيق الصنع، معبراً عن أرستوقراطية الفن، وترفعه عن الأحاسيس الشعبية، فتأتي الرومانتيكية فتضع أحمر في شفتي التمثال. ولا ندري، أتصنع الرومانتيكية ذلك تظرفا أم نزولا إلى منطقة المحسات الشعبية؟ أما الرمزية فتسدل على التمثال رداء من الحرير المتموج
والدكتور ناجي حريص أشد الحرص على أن يحتفظ المجدون من الشعراء والأدباء بالتراث الأدبي القديم، وأن يتمسك الأولون بعمود الشعر، أو على حد تعبيره أن يضعوا الخمر الجديد في الزجاجات القديمة. فلا جديد في الشعر يمكن أن نزعم أنه منبت عن القديم. وليس من شاعر معاصر إلا وهو متتبع خطوات من سلف. وقد ضرب الدكتور ناجي مثلا بشوقي. فقال إنه كان من أعرف الشعراء بدقائق الشعر القديم.
ولقد كان نصيب الأدب الإنجليزي - القديم والحديث - من عناية الدكتور المحاضر نصيب الأسد كما يقولون! فقد طاب له أن يسرد لنا نماذج عدة من ذلك الشعر على سبيل الاستشهاد
على أن إحجامي عن إثبات ما استشهد به الدكتور ناجي من شعر مترجم لا يمنعني من أن أعتب عليه، وهو الداعي في غضون محاضرته إلى شعر القوة، قراءته ذلك الشعر - العريان - على حد تعبيره في حشد من طالبات الجامعة، وكان بحسبه أن يشير إلى من شاء بأن يقرأ شعر (لورنس - إن يرد أن يطلع على لون من الأدب المكشوف)
الإسكندرية
