) ما احوج الأدب العربي أنت يعني فيه بدراسية نواج غير الناحية الرئيسية المألوفة التي تكررت حتى ملها الساس . .
المعروف أن الأدب العربي عني أكثر ما عني بالإبل لأنها كانت عماد العرب في حياتها فلم يتركوا شيئا فيها حتى عالجوه جملة وتفصيلا . ومع هذا فلما اتصلوا بغيرهم من الفرس والهنود ورأوهم يعتمدون - فيما يعتمدون - على الفيل عالجوه في أدبهم كما استخدموه في حروبهم امتثالا لقوله تعالى: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة" ولو عاشوا اليوم وراوا الدبابات والطائرات لاستخدموها في حروبهم وأدبهم.
لقد رأي العرب القيل في غزو الحبشة لهم لرانوا من ثممن ويدون هدم الكمية ففشلوا وجاءت في شابهم سورة الفيل .
ثم شاهد العرب الفيلة في حروبهم مع الفرس في غزوة القادسية وجلولا ونهاوند، فلم يخافوا ولم يهدوا فغلبوها بجمالهم، لأنه كان مع الجمال قلوبهم - وقلوبهم قلوب أسود - وكان مع الفيلة قلوب أعدائهم وقلوبهم هواء.
وظهر في آخر العصر الأموي شاعر اسمه هارون بن موسي الأزدي بالولاء، كان شاعرا وكان يحارب مع المسلمين بالمولتان من أرض الهند، مارس الفيلة في الحروب فعالجها في الشعر، وقال في صفات الفيل أشعارا كثيرة، وقد حكوا عن هارون هذا أنه اكتشف سرا خطيرا وهو أن الفيل يخاف من الهر، فجاء الموقعة ومعه هر خبأه في ملابسه فلما دنا من الفيل رمى الهر في وجهه ففزع الفيل وولي هاربا وهربت الفيلة على أثره، وتساقط الأعداء من
فوقها فكان ذلك سبب الهزيمة، وأترك تحقيق ذلك لعلماء الحيوان.
ولما رأى المسلمون أن خصومهم يعتمدون على الفيلة في حروبهم لم يجمدوا وألَّفوا في جيوشهم فرقة الفيلة، فكان في جيش أبي جعفر المنصور فرقة الفيلة والفيالين وكذلك من بعده من خلفاء العباسيين، ومرنوا عليها ومهروا فيها مهارة خصومهم
وعالج المعتزلة موضوع الفيلة كما عالجوا الحيوانات كلها من ناحية دلالتها على عظمة خالقها ومن ناحية "أعاجيب ما ركبت عليه من الدفع عن أنفسها والعمل على ما يحييها وإدراكها ذلك بالطبع من غير روية، وبحس النفس من غير فكرة، ليعتبر معتبر، ويفكر مفكر ، ولينفي عن نفسه العجب ويعرف مقداره من العجز ونهاية قوته ومبلغ نفاذ بصره ، وأن الأعجم من أجناس الحيوان يبلغ في تدبير معيشته ومصلحة شأنه ما لا يبلغه ذو الروية التامة والمنطق البليغ، وأن منها ما يكون ألطف مدخلا وأرق مسلكا وأصنع كفا وأجود حنجرة "(١) وعلى ذلك ألف المعتزلة القصائد الطوال في بديع صنع الله في الحيوان، كما ألف الجاحظ كتابه الممتع في الحيوان وأعجب ذوو المشاعر والذوق بالفيل لما رأوا فيه من صفات جميلة جليلة؟ فله من القوة ما يقلع الشجرة الكبيرة ويهدم الحائط الضخم، وهو إلى ذلك وديع لسانه وداعة الحمل، وهو ثقيل الوزن خفيف الوطء حتى قد يمر بجانب إنسان فلا يشعر به لحسن خطوه، وهو بديع المنظر عظيم الصورة، جمع إلى الجلال الجمال، يعجبك بطول خرطومه وجمال أنيابه وسعة أذنيه، قابل للتأديب فيعلم السجود الملوك وممارسة القتال في الحروب ، من أذكى أنواع الحيوان وأقربها إلى الإنسان. وقد علمه الإنسان القاسي القسوة فكان ملوك الفرس يمرنونه على قتل من شاءوا بخبطه ودوسه ، فكانت الأكاسرة تلقي لها بالرجل فتنقض عليه وتضربه وتدوسه حتى يفارق
الحياة، وليس الذنب ذنبها، وإنما ذنب الإنسان الذي علمها، وجري ذلك إلى الشعر العربي فقال الشاعر؟ - وأخبط خبط الفيل هامة رأسه -
ثم كان الفيل مصدر وحي للأفكار والمعاني عند الفرس والهنود، وانتقل ذلك إلى اللغة العربية عن طريق كتاب كليلة ودمنة ، فهو مملوء بالأمثال المشتقة من الفيلة مثل: "وقالت العلماء إن الرجل الفاضل لا ينبغي أن يرى إلا في مكانين ولا يليق به إلا أحدهما: إما مع الملوك مكرها وإما مع النساك متبتلا، كالفيل إنما بهاؤه وجماله في مكانين: إما في برية وحشيا وإما مركبا للملوك" وفيه "إن مثلك في هذا كما قال التاجر إن أرضا يأكل جرذانها مائة مِن مَن حديد غير مستنكر أن يخطف بزاتها الفيلة" وفيه "إن الكريم إذا عثر لم يستعن إلا بالكريم كالفيل إذا وحل لم يستخرجه إلا الفيلة، الخ الخ.
ولحظت العرب في الفيل كثرة أكله وشدته وعظم خلقه فضرب بذلك كله الأمثال فقالت : آكل من فيل، وأشد من فيل ، وأعجب من خلق فيل .
ورووا أنه حضر فيل في المدينة وكان مالك بن أنس يدرس في المسجد فقال قائل: قد حضر الفيل . فقام تلاميذ مالك ينظرون إلى الفيل وتركوه، إلا يحيى بن يحيى الليثي الأندلسي ، فقال له مالك: لم تخرج لترى هذا الخلق العجيب وليس في بلادك ؟ قال: إما أتيت لأخذ علمك ولم آت لأنظر الفيل
وحدث في سنة ٣٧١ ه أن وقع خلاف في أسرة بني بويه، وقاتل عضد الدولة البويهي فخر الدولة البويهي أيضا ، فانهزم فخر الدولة والتجأ إلى قابوس بن وشمكير بجرجان ، فطلبه عضد الدولة فأبى قابوس أن يسلمه ، فتحاربا وانهزم قابوس وكان في الجيش المنتصر السياسي الأديب الصاحب بن عباد وكان فيما غنموا فيل عظيم كثر الحديث عنه ، فلما سكت السيف تكلم اللسان ، فاقترح الصاحب بن

