منذ أشهر كنت أدرس حياة ) أسامة بن منقذ " وكتبت عنه مقالات تحت عنوان " فارس كنانة ورأيت إذ ذاك أن الأستاذ " فيليب حني " عند نشره كتاب " الاعتبار " عدد كتبه وقال إن منها كتابا اسمه " العصا ، ورأيت أن الأستاذ الفاضل أحمد شاكر عند نشره كتاب " لباب الآداب " عدد أيضا كتب أسامة ، وقال إن منها كتاب " القضا وقال إن الأستاذ فيليب حني سماه كتاب " العصا وهو خطأ ، وصوابه " القضا "
وحرت إذ ذاك بين الرأيين ، هل اسم الكتاب " العصا " أو " القضا " ؟ ورجحت أن يكون " العصا " لأنها أنسب لحياة الفارس ، وهو سيد عن حياة القضاء ، فبعيد أن يؤلف فيه ؛ وقلت : لعل الأستاذ الشيخ شاكرا إذ كان قاضيا وله اتصال وثيق بالقضاء وتعود نظره قراءة كلمة القضاء اكثر من تعوده العصا رجح الرأي الأخير ، وخطأ الأول ، أو لعل له حجة لم يظهرها . ومرت الأيام ، ومررت على وترا فى في الأسبوع الماضي أبحث فيما عنده من الكتب ، وشريت منه ما شريت . وكان عنده كمية من الورق ) الدخت ( ، - ولا أدري ماذا يسعي ذلك في اللغة الفصحي فطلبتها ، فأعطانيها
واليوم أخذت أقلب فيها فوجدت أوراقا شتي من كتب لم أدر ما هي ، ورسائل صغيرة بعضها قيم جدا ، لعلي أحدث القراء حديثا آخر عنها . ورأيت كراسة صغيرة كتب عليها " كتاب العصا لأسامة بن منقذ "
ومع الأسف استطعمها الفيران فأكلت أطراف بعض ورقها ، وهي تقع في ثلاثين صفحة ، لعل من الطريف أن أصفها للقراء
لقد وضع الجاحظ في كتابه " البيان والتبيين " بابا طويلا سماء " كتاب العصا وهو يدور على الشعوبية الذين عابوا علي العرب اعتمادهم في خطابتهم على القناة والعصا ، وقالوا : " ليس بين الكلام والعصا سبب ، ولا بينه وبين القوس نسب ، وهما إلي أن يشغلا العقل ويصرفا الخواطر ويعترضا الذهن أشبه . وحمل العصا بأخلاق الأكره والرعاة أشبه ، وهو بحفاة الأعراب ومنهجية أهل البدو أشكل " الخ . فرد عليهم الجاحظ في كلام كثير واستطراد طويل قولهم ، مبينا مزاي العصا ومحاسنها ، مستشهدا بعصا موسي ، وعصا سليمان ، موضحا منافع العصا ، وفيم تستخدم ، ومم تؤخذ خيارها ، وأن العصا للخطيب تأهب للخطبة ، وتهيؤ للإطناب ، فكانهم قد وصلوا بأيديهم أيديا أخري ، وهي أوقع في نفوس السامعين ، وعون للخطيب على الإفاضة ، كالرايات في الحروب والاعلام ، والقلانس للقضاة ، والقناع للرؤساء والعظماء ، وآلات الموسي للمغني ، وكإشارات المتكلم برأسه ويده ، وتقطيعه ضروب الحركات على ضروب الألفاظ وضروب المعاني ، إلي مثل هذا .
أما رسالة " العصا لصاحبنا أسامة ، فقد بدأها بسبب تسميتها عصا ، قال : إنما سميت العصا عصا لصلابتها ، مأخوذ من قولهم : عص الشئ تسلب ، وعصى الشئ وعسي إذا صلب والعصا : الجماعة ، يقال شي فلان عصا المسلمين ، أي جماعتهم ؛ وفي الحديث : " إياك وقتل العصا ، يريد المفارق للجماعة فيقتل . الخ . وأول من خطب على العصا وعلي الراحلة قس بن ساعدة الأيادي .
والعرب تقول : فلان ممن قرعت له العصا ، إذا كان يرجع إلي الصواب ، وينقاد إلي الحق ، ويستقيم عن زيغه إذا نبه .
وتقول : فلان صلب العصا ، إذا كان ذا نجدة وحزامة . وتقول إذا تفرقت الخلطاء واختلفت آراء العشيرة ومرج الأمر :انشقت العصا
وتقول للمسافر إذا آب واستقرت به داره : ألف عصا التسيار .
ثم أخذ يروي مختارات من الشعر والنثر ، مما جاء فيه العصا ؛ فالحجاج قال : والله لاعصبنكم عصب السلمة ، ولآتحونكم لحو العصا ، ولأضربكم ضرب غرائب الإبل والمتلمس يقول :
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا
وما علم الإنسانإلا ليعلما
وقيس بن ذريح يقول :
إلي الله أشكو نية شقت العصا
هي اليوم شتي وهي أمس جميع
مضي زمن والناس يستشفعون بي
فهل لي إلي لني الغداة شفيع
والعرب تقول : فلان شق العصا إذا كان لا يدخل تحت حكم ولا طاعة .
ومهيار يقول :
يا ، قصرت يد الزمان شد ما
تطول في تلمي وفي نقض المرر
عنصا شظايا ومشيب عنت
ومنزل ناب وأصحاب غدر
وصاحب كالداء إن أبديته
عور وهو قاتل إذا أسر
ثم يذكر فصلا في احداث حدثت تدور حول العصا ،
كالذي روي أن قتيبة بن مسلم لما تسن منبر خراسان سقط القضيب من يده ، فتطير الصديق ، وتفاعل العدو ، فقال قتيبة : ليس الأمر كما سر العدو وساء الصديق ، بل كما قال الشاعر :
فألفت عصاها واستقر بها النوي
كما قر عينا بالإياب المسافر
وقص قصصا نجته فيها العصا من الموت ، وهو في قلعة شيزر ، إلي نحو ذلك ؛ ولعل أظرف فصل في الرسالة هو الفصل الأخير ، وهو اطولها وموضوعه " عصا الكبير " وقد ظهرت على المؤلف عاطفة الحزن والأسف على ما اعتراه في كبر سنه من ضعف بعد قوة ، وحمل العصا بعد عمل السيف . وقد ألف الرسالة وهو كبير السن ، فأكثر من إيراد الشعر في هذا المعنى إنشاءا وإنشادا ؛ فمن ذلك ما رواه قال : أنشدني العميد أبو الحسن بالوصل سنة ٥٢٦ :
ما زلت أركب شاكلات الربرب
حتي مشيت علي العصا كالأحدب
أأزيد ثالثة وأنقص عن مدى
مشي اثنتين ؟ لقد أتيت بمعجب
والليث لو بلغت سنوه مدتي
أو قاربت ، أمسي فريسة ثعلب
وأنشدني القاضي الرشيد أحمد بن الزبير بمصر سنة ٥٣٩ :
نفوس - بعد طول العمر - ظهري
ودراستني الليالي أي درس
فأمشي والعصا تمشي أمامي كان قوامها وتر لقوسي
ويقول هو نفسه ؛
حناني الدهر واف سنتني الليالي والغبر
قصرت كالقوس ومن عصاي للقوس . وتسر
أهدج في مشيي ، وفي خطوي فتور وقيتصر
كأنني مقيد وإنما القيد الكبير
والعمر مثل الماء فى آخره يأتي الكدر
وقال
أصبح كفي مالكا للعصا
من بعد تحمل الأسمر الذابل
أمشي بضعف وانحناء على
عصاي مشي الصائد الحائل
كأنني لم امش يوم الوعي
إلي يزال البطل الباسل
ولم اشق الجيش لا أختشي
من الردي كالقدر النازل
فانظر إلي ما فعل العمر في
من طوله لم أحفظ بالطائل
يا حسرنا إني غدا ميت على فراشى ميئة الخامل
هلا أتاني الموت يوم الوغي بين القنا والأسل الناهل
وقال
حملت يقبلي في السهل العصا
ونبت في حين حاولت الحزونا
وإذا رجيل خاننى فلا
لوم عندي للعصا في أن تخونا
قال : وانشدني الأمير السيد شهاب الدين العلوي الحسيني بلموصل سنة ٥١٥ لبعض المغارية :
ولي عصا في طريق السير أحمدها
بها أقدم في تأخيرها قدمي
كانها وهي في كفى أهن بها
على ثمانين عاما لا على غنمي
كأنسي قوس ترام وهي في وتر
أرمي عليها برماة الشيب والهرم
ولعل في هذا القدر كفايه في إثبات أن الكتاب في " العصا " لا في " القضا " ولعله يدعو إلي التفكير في اصلاح الكتابة التي تخلط بين العصا والقضا .
