الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 249الرجوع إلى "الثقافة"

في الأدب العربي :، عروة بن الورد

Share

في عصر يوم زرت أستاذنا الجليل أحمد لطفي السيد باشا في مصيفه في " رأس البر " واخذنا نتحدث فنونا من الحديث ، حتى وصل بنا إلي الأدب ، فقال :

لفت نظري وأنا اقرأ في " الأغاني " اليوم ما حكاه من ان معاوية قال : " لو كان لعروة ولد لاحببت ان اتزوج إليهم " . وان عبد الملك بن مروان قال : " ما يسرنى  ان احدا من العرب ممن لم يلدني قد ولدني إلا عروة بن الورد " .

كيف يكون هذا ومعاوية هو ما هو في نفسه ، وفي ملكة ، وفي عظمته ، وفي قومه ؛ ثم يتمنى أن لو نال شرف الإصهار إلي عروة ؟ وعبد الملك بن مرووان ، وهو ما هو في كل ذلك ، يتمني ان يستعيض عن نسبته إلي

معاوية وأبي سفيان وبني امية - هذه النسبة التي جلبت له الملك الضخم - بنسبته إلي عروة بن الورد ؟

ومن هو عروة ؟ صعلوك من صعاليك العرب . وكتب اللغة تعرف الصعلوك بأنه الفقير الذي لا يملك شيئا ، ولا اعتماد له إلا على الغارة والتلصص

كيف يستقيم ذلك في الأذهان ؟ أحد أمرين : اما أن تكون هذه الأقوال المنسوية إلي معاوية وعبد الملك غير صحيحة ، وإما أن يكون فهمنا للصعاليك غير صحيح !

وجدت السؤال صعبا ، والاعتراض وجيها ، فلم أحر جوابا .

واليوم عدت إلي مكتبى وذكرت السؤال ، فرجعت إلى ديوان عروة أتلمس الحل ، وجدت أن عروة - كما

يصفونه - كان عبسيا ، من قبيلة عنترة ، " وكان فارسا من فرسانها ، وصعلوكا من صعاليكها القدمين الاجواد وكان يلقب بعروة الصعاليك ، لجمعه إياهم ، وقيامه بأمرهم إذا أخفقوا في غزواتهم ، ولم يكن لهم معاش ولا مغزي

ووجدت أن كلة الصعلوك تطلق على معنين متقابلين أتم التقابل ، أحدهما في منتهي الخسة والضعة والذلة ، والآخر في منتهي العزة والسمو والنبل ؛ كلا المعنين أساسه الفقر ، ولذلك سمي كلا الرجلين صعلوكا ، ولكن شتان ما بينهما ، فأما أولهما ففقير كسول خامل ، دنئ النفس ، ساقط الهمة ، يتلمس رزقه من السؤال ، ويدور على الموسرين يتحدثهم ، ويستدر قوته الحقير من ايديهم . هذا صعلوك حقير . وأما الآخر فشهم شجاع ، يتلألا وجهه عند الشدائد ، ويطلب رزقه من سن رمحه ، فإن نال ما طلب طعم منه وأطعم ، وأكل وآكل ، وتزود وزود ، حتى يأتي على آخره فإذا هو فقير ، فهذا صعلوك نبيل .

ولم آت بشيء من عندي في هذا التفريق بين الصعلوكين ، فقد عبر عروة عنه تعبيرا خيرا مما عبرت ، وجلاء خيرا مما جلوت ، فقال :

لحا الله صعلوكا إذا حسن ليله

مصا في العشاش آلفا  كل مجزر(1)

بعد الغني من دهره كل ليلة

أصاب قراها من صديق ميسر  (2)                                                                                                             ينام عشاء ثم يصبح طاويا

تحت الحصي عن جنبه المتعقر(3 )

قليل التماس الزاد إلا لنفسه                 إذا هو أمسي كالعريش المجور ) ١ (

يعين نساء الحي ما يستعنه                  فيضحي طليحا كالبعير المحر ) ٢ (

ولله صعلوك صحيفة وجهه                   كضوء شهاب القابس المتنور ) ٣ (

مطلا على أعدائه يزجرونه                   بساحتهم زجر المنيح المشهر ) ٤ (              

فإن بعدوا لا يأمنون اقترابه                  تشوف أهل الغائب المتنظر ) ٥ (

فذلك إن يلق المتية يلقها                   حميدا وإن يستغن يوما فأجدر ) ٦ (

وفي هذا المعنى وتقسيم الصعلوك إلي هذين القسمين أيضا قال حاتم الطائي :

لحا الله صعلوكا مناء وهمه               من العيش أن يلقى لبوسا ومطمعا

ينام الضحى حتى إذا الليل جنه         تنبه مثلوج الفؤاد مورما 7

مقيما مع العترين ليس ببارح                          إذا نال جدوي من طعام ومجيما ) ١ (

ولكن صعلوكا يساور همه                                ويمضي على الهيجاء لينا مصمما ) ٢ (

إذا ما رأي يوما مكارم أعرضت                           تيمم كبراهن تمت صمما ) ٣ (

فذلك إن يلق الكريهة يلقها                           حميدا وإن يستغن يوما فربما ) ٤ (

كان عروة صعلوكا بالمعنى الثاني ، يلمع في وجهه ضياء الأمل والنشاط ، ويترفع عن المعيشة الدنيئة ، ويهابه اعداؤه ، ويغير عليهم فيستغني منهم ، ويفرق ماله على من حوله ، ويعيش فقيرا نبيلا

وحول هذه المعاني كلها كان شعره كله ، فهو يسعي مجد وحسن الذكر ، فإما مات في سبيله وإما ناله :

ذريني ونفسي أم حسان إنني                  بها قبل إلا أملك البيع مشتري

أحاديث تبقي والفتي غير خالد           إذا هو أمسي هامة فوق صبر ) ٥ (

ذريني أطوف في البلاد لعلني              أخليك أو أغنيك عن سوء محضر

فإن فاز سهم للمنية لم أكن               جزوعا وهل عن ذاك من متأخر

وإن فاز سهمي كفكم عن مقاعد         لكم خلف أدبار البيوت ومنظر

كان عروة اشتراكيا عمليا ، لا اشتراكيا نظريا

فحسب ، يذكرنا بتولستوي على بعد ما بينهما في البداوة والحضارة ، والأمية والثقافة ، والرمن بين القرن السادس والتاسع عشر ؟ ولكن الروح النبيلة فيهما واحدة ، فقد حمل " عروة "عبء الفقراء في قبيلته ، وآلي ألا يستريح حياته أو يجدوا كفايتهم ، وألف منهم فرقة تعمل معه وتسعى سعيه ، وما نالوا فهو للجميع ، ونفسه لا تهدأ من الشعور بهذا العبء

ومن بك مثلي ذا عيال ومفترا            من المال يطرح نفسه كل مطرح

ليبلغ عذرا أو يصيب رغيبة             ومبلع نفس عذرها مثل منجح

وليس عياله هم أولاده كما نفهم نحن اليوم ، ولكن من يعولهم من اهله وفقراء قومه ، كما تدل عليه سيرته .

وقد جمع " عروة " فقراء قومه حوله ، وبني لهم حظيرة يقيمون فيها ، وهو يغزو بأشدائهم اعداءه وأعداءهم ، فما جمع وجمعوا فرقه عليهم ، وساوي بين نفسه وبينهم ، وسماهم اسما إن كان قبيحا اليوم فلم يكن قبيحا في عهده ، سماهم " أصحاب الكنيف" و" الكنيف " الحظيرة تقام من الشجر فتقي من فيها الريح والتراب والبرد .

وكان له في الهجمات والغزوات رأي لطيف ، وهو تقصى حال من بنوي غزوهم ، فإن كانوا كرماء سمحاء تركهم ولم يغرعليهم ، وان كانوا اشحاء بخلاء ادنياء ، تعمد غزوهم ، وسلبهم ما في أيديهم وأعطاه لأصحاب الحظيرة

يحدثنا الرواة عن حادثة طريفة حدثت له ، فقد كان " عروة " حياته في جهد متواصل من الغزو والقتال ، وهذه هي أهم وسيلة من وسائل العيش في ذلك العهد ، وكان إذا أصاب إبلا أطعم أصحاب الحظيرة منها ، وقسمها عليهم قسمة عادلة ، وأخذ لنفسه نصيبا مثل نصيب احدهم ؟ فأغار يوما ونال إبلا كثيرة ، وسبى امرأة ، فقسم الإبل بينهم ، وأراد أن يستخلص المرأة لنفسه ، فأبوا عليه .

حتى يطبق الاشتراكية تطبيقا دقيقا ، وطلبوا إليه أن يقوم المرأة بالإبل ويجعلها سهما ، فمن شاء اخذها ومن شاء تركها ، أما ان يستصفيها لنفسه فلا . فغضب عروة أشد الغضب ، وفكر أن يهدم الخطيرة على من فيها : وينتزع منهم ما اسدى إليهم ، ويقتل من أبي عليه منهم ، ولكن رجعت إليه نفسه الخبرة فقال : " إن فعلت أفسدت ما صنعت ؛ ثم نزل علي حكمهم وترك المرأة لهم ، وشكا في شعره الناس ونفسيتهم ، يقول فيه إنهم كسائر الناس ، ضعاف إذا جاعوا ، لئام إذا شبعوا ، وإني وإياهم كالأم الرءوم على ولدها الصغير ترضعه وتحمله . وتغذية وتلبه ، وترهن له ماء عينها ، حتى إذا تم شبابه ، وأدرك خبره تزوج ، فغلبت الزوجة الأم على ابنها . وسلبته قلبه بما تتطيب له وتتزين ، فحارت الأم في أمرها ، إما أن تخسر ابنها إذا تنكرت له ، أو تصبر على الالم من ان تكون زوجته آثر عنده منها ، فدفعتها الشفقة أن تختار الثانية ؛ وهذا ما كان منه مع أصحاب الحظيرة ، فذلك قوله

إلا إن أصحاب الكنيف وجدتهم        كما الناس لما أخصبوا وتمولوا

وإنى لمدفوع  إلي  ولاؤهم            يماران إذ نمشي وإذ نتملل ) ١ (

فإني وإياكم  كذي  الأم أرهنت           له ماء عينيها نقدي وتحمل

فلما ترجت نفعه وشبابه                   أتت دونها أخري جديد تكحل

فبانت لحد المرفقين كليهما              توحوح بما تابها وتولول ) ١ (

تختير من أمرين لهما بغبطة              هو التكبل إلا أنها قد تحتمل ) ٢ (

أكبر ميزة لعروة أنه كان رجلا ، وكان يشعر بالناس كثر مما يشعر بنفسه ، واخترع لذلك المعنى التعبير الفني الجميل "أقسم جسمي في جسوم كثيرة "أي أقسم ما يلزم لجسمي من طعام في أجسام الناس ، ثم هو لا يعبأ بهزاله إذا سمن قومه ، ولا يعبأ بالأعباء يحملها لتخفيفها عن عشيرته ، وقد لخص هذه النظرات في وصف نفسه بقوله :

أنى امرؤ عافى في إنائي شركة            وأنت امرؤ عافي إنائيك واحد ) ٣ (

أتهزأ منى أن سمنت وقد ترى             بجسمي من الحق والحق جاهد ) ٤ (

أقسم جسمي في جسوم كثيرة             وأحسو فراح الماء والماء بارد ) ٥ (

لعل هذه المعاني النبيلة وأكثر منها هي التي جعلت معاوية يتمني ان يصاهره ، وعبد الملك يتمنى عروة ان يكون اباه ؛ وهذا سمو في تفكير معاوية وعبد الملك عظيم ، وتقدير لمعاني النبل كبير .

اشترك في نشرتنا البريدية