الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 642الرجوع إلى "الثقافة"

في الأدب العربي :, ١- النسيم عند الشعراء

Share

لم أجد فيما قرأت من الشعر العربي ظاهرة من ظواهر الطبيعة شغلت الشعراء بها ، فأكثروا القول فيها ، كما فعل النسيم والريح . ولقد افتن الشعراء في النسيم افتنانا وولدوا فيه من المعاني العميقة والمستملحة ، ما كاد يستنفد كل معنى يصح أن يقال في كل مجال ... واستهلكوا في شعر الغزل والصيابة كل معنى يتصل بالنسائم والرياح ، حتى لم يدعوا لمن يأتي بعدهم فضلة من تغريد ، أو زيادة لمستزيد . وأداروا المعاني في النسيم بينهم على وجوه شتي من القول ، حتى لم يختلف شاعر عن شاعر في هذا الباب إلا يحسن الأسلوب ولطف المدخل إلي الموضوع ، ولم يتميز قول من قول في النسيم والريح إلا بما يمتاز به القائل من حسن السبك ، ورقة الحبك ، ولطافة الصوغ . وكثرت المعاني في النسيم حين يتصل بموضوع الحب ، وعلاقات القلب ، فوصفوا هبوبه من الشمال أو الجنوب ، وذكروا انفاسه الطوال التي تطول بها الأعمار . وحملوه رسائلهم إلى الأحباب يدل أن يحملها كتاب ... ووصفوا طيب عرفه ، ونفحات مسكه ، وأطايب نشره ؛ واتخذوه دليلا على مواطن الأحباب ، لأن ريحه تتم على مكان المحبوب ؛ ولانفعوا بين ابتلال النسيم ودموع المحب ، كأن الريح مرت على عين المغرم الموله ، والعاشق الدله ، فابتلت  مما حملت من الدموع ؛ وذكروا ما في النسيم من زيادة الوجد بالمحب ، لأنه حين يهب بهيج الأشواق، ويثير أنفس العشاق .. وذكروا - من ناحية اخري - ما فيه من خاصية الشفاء من الأدواء ؛ فهو عليل المحبوب ، ولكنه يشفي مراض القلوب ؛ ووصفوا الأشواق الحارة التي يحملها النسيم إلى الأحباب ، وعجبوا منه كيف لا يحترق من مسها ، ولا يتقد من لمسها .. وناشدوه وهو يكاد يحترق بما يحمل من الشوق أن يرفق بالحبيب ويتلطف به فلا يؤذيه ولا يصليه ... ولم يغفلوا أن يتسمعوا إلى المناجاة بين الأغصان

والنسائم، وأن يسيئوا الظن بهذه المناجيات التي قد تذاع فيها أسرار المحبين ، ونهتك أستار العاشقين ..

وإذا كانت الكثرة الكائرة من الشعراء قد ذكروا النسيم والريح في مقام الغزل ومعرض الحب، فإن هناك بعضا من الشعراء نظروا إلى النسيم والريح من ناحية كونهما ظاهرة طبيعية ، فلم يزيدوا على أن يصفوا هبوبها كما يصف شعراء الطبيعة ما يرتاحون إليه من مظاهر الكون ، ولم يروا في النسيم أكثر من شئ يهب على سطوح المياه ووجوه القدران فيموجها بهذه الأمواج أو النموجات التي تبدو كالدروع الفولاذية المصفولة. ولم نجد شاعرا واحدا خرج على المألوف من تشبيه نموجات المياء التي يحدثها النسيم بالدروع أو الجواشن الصقيلة . فهذا "أبو فراس الحمداني" يصف الرياح وقد موجت سطح بركة بقوله :

أُنظُر إِلى زَهرِ الرَبيعِ       وَالماءِ في بِرَكِ البَديعِ

وَإِذا الرِياحُ جَرَت عَلَيـ      هِ في الذَهابِ وَفي الرُجوعِ

نثرت عَلى بيضِ الصَفا      ئِف بَينَنا حَلَقَ الدُروعِ ...

وهذا "البحتري " يقول من قصيدته في وصف بركة الخليفة "المتوكل" : -

إِذا عَلَتها الصَبا أَبدَت لَها حُبُكاً       مِثلَ الجَواشِنِ مَصقولاً حَواشيها

وهذا "الشاعر الأرجاني" يصف النسيم الذي يكسو مناكب الغدر ان بالدروع بقوله :

ما للنسيم ولي وليس هبويه              في سحرة عن أن يشوق بوان

أعطي الفنا أيدي الرياض تهزها       وكسا الدروع مناكب الغدران

فكأنه يوم المحياج محرش       يسعي لكي يتصادم الزحفان فالنسيم هنا في نظر "الأرجاني" لم يعد أن يكون

مثيرا للحرب ، ومنفرا للقتال والزحف ، وما هذه الدروع التي يخلعها بتموج المياه على الغدير إلا أدوات القتال يمد بها المتحاربين ..

ولمهاب الرياح والنسيم أهمية عند الشعراء ، لأنها تأتيهم من جهات أحبابهم ، وعلى هذا تطيب كل نسمة أو ريح تجيء من ناحية المحبوب مهما كان مهبها ؛ فإذا أحب بعض الشعراء نسيم الشمال لرقتها وطيبها وابتلالها واعتلالها ، فإن الشاعر "بشار بن برد" يحب ريح الجنوب لأنها تحمل له في جيوبها طيب حبيبته "عبدة" فيقول :

هوى صاحبي ريحُ الشمال إذا جرت      وأشقى لقلبي أنْ تهبَّ جنوبُ

وما ذاك إلاَّ أنَّها حين تنتهي                تَنَاهَى وفيها مِنْ "عُبْيدة" طيبُ

ولكنا نجد الشاعر "البارودي" يصف أيام الربيع ، فيذكر ريح الشمال وهي تهب فتنبه القماري الواسنة في ساعة الفجر بقوله :

فقد نسمت ريح الشمال فنبهت          عيون القماري وهي في سنة الفجر

وظاهر أن الشاعر "بشار" لم يعنه من ريح الجنوب إلا كونها آئية من عند حبيبته تحمل له طيب رياها .. وإلا فإن هذه الريح غير محبوبة في الشعر العربي ، وغير مقبولة في بلاد العرب ، لأنها ريح ثقيلة ، ترخي الأبدان ، وتورث الكسل ، وتحدث ثقلا في الأسماع ، وغشاوة في الأبصار ، وتكديرا في الهواء ، وسخونة في الماء ، ولكنها مع ذلك كله كانت حبيبة إلى نفس "بشار" لأنها تنتهي إليه حين تنتهي ، وفيها من "عبدة " طيب حبيب ...

وهذا الطيب في النسيم والريح لم يدعه الشعراء من غير أن يستغلوه في معانيهم ؟ فهذا الشاعر "البحتري" يشبه طيب النسيم بأنفاس الأحباب حين تتحرك ناعمة طيبة فيقول :

وَرَقَّ نَسيمُ الريحِ حَتّى كأنه     يَجيءُ بِأَنفاسِ الأَحِبَّةِ نُعَّما ...

وهذا "الشريف الرضي" يعرف أن الريح الطيبة

العرف جاءت من ناحية " الفور" - وهي بلد الحبيبة - بما حملته من نفحاتها ، بقوله :

هَبَّت لَنا مِن رِياحِ الغَورِ رائِحَةٌ           بَعدَ الرُقادِ عَرَفناها بِرَيّاكِ

هذا "الطغرائي" الشاعر وصاحب قصيدة " لامية العجم المشهورة" ، يعلل طيب نشر الريح لأنها هبت من جهة "نجد" تحمل أخبارها وأخبار ما كتبها بقوله :

وما طلب نثر الريح إلا وهندها      أخابير من نجد ومن ساكني نجد

وهذا الشاعر الرقيق "عبد الله بن الدمينة" يذكر أن ريح الجنوب أخذت تطيب لأنها جرت على طيب الحبيب - كما رأينا في بيت "بشار" السابق - فيقول:

وقد جعلت ريا الجنوب إذا جرت     على طبيبها تندي لنا وتطيب

ثم يكرر هذا المعنى في قصيدة أخري فيقول:

وكأن ريا من خزامي خالطت      ريحان روض قرارة موبولا

ريا "أميمة " كلما أهدي لنا            نسم الرياح من الجنوب أصيلا

وهذا الشاعر "أغلب بن شعيب" من شعراء اليتيمة يذكر لنا أن طيب النسيم مكسوب من طيب ربا الحبيب ، فيقول في الشطر الثاني من البيت الآتي :

فأعار الكئوس توريد خديدـ     ـه وطيب النسيم من رباء

وبهذه النفحات الطيبة استطاع الشعراء المحبون في الأدب العربي أن يسألوا النسيم والرياح عن مواطن أحبابهم ، واستطاعوا أن يعرفوا بهذه الأطياب الشذية أين خيم أحبابهم ، وأين ترحلوا عن أماكنهم ... فهذا الشاعر الرقيق "ابن زيدون" يسأل :

أَمَا فِي نَسِـيمِ الرِّيحِ عَرْفٌ مُعَرِّفُ     لَنَا هَلْ لِذَاتِ الْوَقْفِ بِالْجِـزْعِ مَوْقِفُ؟

وهذا الشاعري يحيي بن هذيل الأندلس يخبرنا بأنه عرف من عرف النسيم أين متجه الراحلين من أحبابه وأين مقامهم بعد ظعتهم فيقول:

عرفتُ بعَرفِ الرّيح أينَ تيمموا       وأينَ استقلَ الظاعنونَ وَخيّموا.. !

ولعل النسيم وهو يجعل نفحات الأحباء إلى محبهم كان من ناحية اخري يشي - عن غير قصد - بهؤلاء الأحباب ، ويدل العذال والرقباء والحاسدين على أماكنهم ، ويعالن الدنيا بأسرارهم . فإذا كان الليل أمين الشعراء العشاق علي أسرارهم ، فإن النسيم الذي يسري فيه يهتك هذه الأسرار التي يطويها الظلام في لغاته السود .. نعم يهتكها هذا النسيم بسبب هذه النفحات التى يحملها من عند الحبيب .. وهنا لا يسكت الشعراء عن تسجيل هذا المعنى فنري "الطغرائي" يقول :

والليل يكتم سري والصبا كلف         ينشر ما كاد تطويه يد الظلم

ونري "الشريف الرضي" يقول :  

بثي بنا الطيب أحيانا ، وأونة          يضيئنا البرق مجتنازا على أضم

ولقد أجمع الشعراء على وصف النسيم بالرقة ، كما أطبقت الدنيا جميعا على وصفه بالرفة .. ولكن الشعراء وجدوا لهذه الرقة مسالك من القول ، ومداخل من التعليل ... فهذا الشاعر "ابن زيدون" يخبرنا بأن النسيم الطيل قد رق هبوبة ، ولو اكتفي من ذلك بهذا الوصف لما كان غير واحد من عامة الناس يصف الوصف العادي الذي تحسه كل نفس عادية حين تقرر أن اليوم عاصف مثلا ، أو الليل طويل أو النسيم رقيق عليل .. ولكن "ابن زيدون" يعلل رقة النسيم بأنه أشفق على شاعرنا من الحب فاعتل له ...

وإذا كان البديعيون يسمون هذا الضرب من الكلام حسن تعليل ، وجدوته من ضروب الصناعة في الكلام ، فإن ابن زيدون قد أضاف إلى حسن الصنعة كثيرا من لطف الطبع حين قال :

وَلِلنَسيمِ اِعتِلالٌ في أَصائِلِهِ          كَأَنَّهُ رَقَّ لي فَاعتَلَّ إِشفاقا ...

وإذا كانت رقة النسيم هي منتهي ما بلغته الرقة حين تشبه به الأخلاق ولين الجانب ، فإن شاعر قد زاد على رقة النسيم رقة الخد الأسيل . فجعل النسيم حين يمر على خد

الحبيب رقيقا يمر على أرق منه ... وهذا الشاعر هو ابن يونس المنجم من شعراء " اليتيمة " فلله ما أرقه حين يقول :

يجري النسيم على غلالة خده       وأرق منه ما يمر عليه

وابتلال النسيم واعتلاله هما من الأوصاف الدائرة عليه ، حتى لا يكاد يخلو وصف ريح أو نسيم من كلمتي "عليل" و"بليل" . وإذا كنا نجد الشاعر "محمود سامي البارودى باشا" يتساءل عن هذا النسيم المبتل الغلائل ، البلبل الأذيال ، ويعجب من أين جاءه البال ! ألعله مر على جداول دموعه فابتل بماء العيون ؟ ويعبر عن ذلك بقوله : مَا لِلنَّسِيمِ بَلِيلَةً أَذْيَالُهُ      أَتُرَاهُ مَرَّ عَلَى جَدَاوِلِ أَدْمُعِي؟ فإننا نجد الشاعر الخليفة المقتول "عبد الله بن المعتز" يتقبل ظاهرة البلل هذه على أنها شئ طبيعي يبشر بالمطر لكثرة ما يحمله النسيم أو تحمله الريح من أبخرة المياه ؛ ويتهلل وجهه بشرا لهذا النسيم البليل الذي يؤذن بالغيث ، فأصبحت أوجه الأرض تنتظره وتتشوق إلى لقائه كما ينتظر المحب وجه الرسول حاملا رد الأحباب إلى الأصحاب :

ونسيم يبشر الأرض بالقطـ      ــر كذيل الغلالة المبلول

ووجوه البلاد تنتظر الغيـ        ـث انتظار المحب رَّد الرسول

ولقد تحمد القوة في كثير من مواطن الحياة ، إلا النسيم والريح ، فإن أطيبهما أرقهما ، وأحسنهما أضعفهما . فالريح القوية ثقيلة الهبوب ، غير مطاقة المرور ، شديدة الوطأة حتى على الأشجار فتفلعها والأغضان فتقصفها ، ولا يسلم منها في عصفها وقصفها إلا العشب الصغير والكلا الحقير . ولم تفت هذه الفئة الشاعر "أبا تمام" حين قال:

إن الرياح إذا ما أعصفت قصفت        عيدان نجد ، ولم يعبأن بالرتم

أما النسيم الضعيف فهو حبيب إلى أنفس الشعراء ، لأنه لا يثور حين يمر ، ولأنه لا يؤذي ولا يضر ... وقد مدحه "إسحق الموصلي" بقوله :

(البقية على الصفحة التالية)

يا حبذا ريحُ الجَنوبِ إذا بَدت          في الصُّبحِ وهي ضعيفةُ الأنفاس

قد حُمِّلَت بردَ النَّدَى وتحمَّلَت           عَبَقاً من الجَثجاثِ والبَسباسِ

والجنجات والبسباس نبتان طيبا الرائحة

وإذا كان في النسيم العليل خاصية إنامة الصاحي حين يداعب عينيه فيداعيهما السكري ، فإن فيه فوق ذلك خاصية اخري وهي إفاقة المخمور ، وإخراجه إلى عالم الشعور ... ولم يفت الشاعر "الواواء الدمشقى" أن يذكر هاتين

الخاصيتين في بيتين من الشعر يقول فيهما :

سَقى اللَهُ لَيْلاً طالَ إِذْ زارَ طَيْفُهُ        فَأَفْنَيْتُهُ حَتَّى الصَّباحِ عِناقا

بِطيبِ نَسيمٍ مِنْهُ يُسْتَجْلَبُ الكَرى       وَلَوْ رَقَدَ المَخْمُورُ فيهِ أَفاقا

تَمَلَّكَني لَمَّا تَمَلَّكَ مُهْجَتي                وفارَقَني لَمَّا أَمِنْتُ فِراقا

كما لم يفت الشاعر "ابن وكيع" من شعراء

"اليتيمة" أن يشير إلى الخاصية الثانية بقوله :

تتلقى القلوب منه قبولا          كتلقي المخمور برد النسيم

(للحديث بقية )

اشترك في نشرتنا البريدية