ولم يكن عجيبا في النسيم العليل أن تصح به الأجسام وهو سقيم ، فكان الشفاء كامن في اعتلاله ، والصحة مخبوءة في سقمه ، يتداوي به مرضي الحب فتحيا أنفسهم ، وتصح جسومهم . فكانه روح تسري في الأجساد ، أو حياة ندب في الحياة . . وإلى هذا المعنى أشار شاعر بقوله :
إذا خلا الجو من هواء فعيشهم غمة وبؤس
فهو حياة لكل حي كأن أنفاسه نفوس
ولكن " ابن الرومي " الشاعر كان أرقي تعبيرا من هذا الشاعر في قوله :
من نسيم كأن مسراء في الأر
واح مسري الأرواح في الأجساد
كما كان " ابن نيانة السعدي " أوضح لمحتملات العلاج في قوله : ونفحة من صبا لبنان خالصة تميت غلة نفس أو تداويها أما المقابلة بين سقم النسيم من ناحية ، وقدرته من على منح الصحة من ناحية اخرى ، فتجد أن الشعراء يتعرضون لها ، ولا يفوت كثيرا منهم الإشارة إليها . . فهذا الشاعر " الشريف الرضى " يقول :
وفي سريان الريح لو علمتما
شفاء ، ولو أن النسسيم عليل . .
وهذا الشاعر " عبد الله بن الدمينة" يسأل عن النسيم العذب من نحو أرض محبوبته ، يهب عليلا فيصح به جسم الشاعر المريض :
وأبن النسيم العذب من نحو أرضها
يجيء مريضا صوبه فيطيب !
وهذا الشاعري " ابن زيدون " يتحدث عن هذه الريح التي صح بها العليل بقوله :
راحت فصح بها السقيم ريح معطرة النسيم
وهذا شاعر رقيق يري في ريح الصبا النجدية طيبا ينفحه كلما دنا منه هبوبا ، فيخيل إليه أن حبيبته " سليمى " علت أنه سقيم عليل ، فبعثت مع النسيم بنفحات ريثاها ليكون طبيبها إليه :
أريح الصبا النجدي ما لك كلما
تدانيت منا زاد عرفك طيبا
كأن سليمي نبثت بسقامنا
فأهدتك رباها فجئت طبيبا !
وما حمل الشعراء المحبون ، ولا استودعوا شيئا من ظواهر الكون تحيات قلوبهم وصبابات أنفسهم ، كما حملوا النسيم ، واستودعوا الريح . فهي دائما رسولهم إلى من يعشقون ، ومطيتهم إلى من يألفون ، وأمينهم على الأشواق التي تعتلج في صدورهم . فلا يجدون إلا النسيم حاملا إياها ومؤديا نصها . وكثيرا ما سألوا - من ناحية اخري - هذه النسائم والرياح أن تحمل إليهم - بعودة البريد ! - سلام أحبابهم إليهم ، وعطف حبائهم عليهم . . وكثيرا ما قامت الريح ، وأجزأ النسيم في مهمة السفارة والتراسل بين المحبين . فعاد الشاعر العاشق من ذلك بأسعد نصيب كالشاعر " غريب بن سعيد " الذي يقول :
وأستودع الريح الجنوب تحية
إليكم تؤدي من سلامي ومن شكري
وكم بلغت ريح الشمال نسيمكم
فأهدت إلينا منكمو طيب النشر
ونري الشاعري " العباس بن الأحنف " يسأل الرياح أن تحمل سلامه إلى حبيبته ، ويرجو من هذه الحبيبة أن تبعث مع الريح بردها وأن تحملها جوابها . . فيقول :
وإني لأستهدي الرياح سلامكم
إذا أقبلت من نحوكم بهبوب
وأسألها حمل السلام إليكمو فإن هي يوما بلغت فأجيبي! ونري الشاعر " الشريف الرضي " يصرح بأن نفحات النسيم هي رسل الحب ودلائل الشوق فيقول :
أو ما شمعت بذي الأبارق نفحة
خلصت إلي كبد الفتي المشتاق
اه على نفحات تجد ... إنهما
رسل الهوي وأدلة الأشواق !
ثم نراه في قصيدة أخري يسأل الريح أن تحمل أنفاسه من جانب الحمي لتلاقي نسمات "نجد" حيث يقيم هناك حبيب طال " العهد على رغم منه ، فيقول :
خذي نفسي يا ريح من جانب الحمي
فلاقي به ليلا نسيم ربي تجسد
فإن يذاك الحي إلفا عهدته
وبالرغم مني أن يطول عهدي . .
وهذا الشاعري الأرجاني " لا يكتفى من النسيم بمجرد هبوبة أو بوشك مروره ؛ ولكنه يعترض ركب النسيم ، كما يعترض الإنسان ركب المطايا وهو عائد من رحلته . ليستطلع منه الأخبار ، ويسأله عن أهل الديار ، فهو - أي الأرجاني - يتنسم النسيم ليستخرج من كنانته أخبار أحبابه ، فيقول :
إذا ما سري ركب النسيم اعترضه
لأخبار من احببته منفسها
ومن هذه العملية - عملية استخبار النسيم ، جاء الفعل ( تنسم ) الأخبار الذي نستعمله في استطلاع الأنباء والنشوف إليها ، ولو لم تكن أنباء الغرام ، وأخبار الوجد والهيام .
وعرف النسيم المحمل بتحيات الأحباب ، كعرفه المحمل بأشواق المحبين . بليغ الدلالة على ما يحمله ، مبين المقالة عما استودعه ، وإن كان لا يتكلم إلا همسا ، ولا ينطق إلا نيسا . . ولا ينشر إلا طيبا ونفحا ، فهو لا يذيع كلاما من حروف . وإنما يذيع عبارات من حفيف ورفيف . . وإلى هذا بشير الشاعر " الشاب الظريف " في قوله :
أهلا بمعتل النسيم ومرحبا
ومذكري عهد الصبابة والصبا
حمل التحبة من أهيل " المنحني "
وأبان عنهم بالمقال وأعربا . .
وإذا كان " الشاب الظريف "يخبرنا بأن النسيم حمل إليه تحيات أحبابه ، وهم أهل " المنحنى" فإن الشاعر " ابن زيدون " يأمر النسيم - أو إذا شئت الرفق في الطلب - يسأله أن يبلغ تحياته إلي الحبيب ، فيقول :
ويا نسيم الصبا بلغ تحيتنا
من لو على القرب حيا كان يحيينا
ولقد تأنق الشعراء في الاحتفال بهبوب النسيم والحفاوة بلقائه . لأنه يحمل في ركابه أطيب ما يحمل المحبوب ، وهو ريح برديه وأرج عطفيه ، وطيب أنفاسه ؛ فنري الشعراء يصافحون مواكب النسيم والرياح ، ويستقبلونها بالإجلال والإكرام لطيب ما حملت من عند الأحباب ، وتري الشاعر " ابن هنيمل اليمني " يحتفي بموكب الريح وهي ذلك الرسول الذي لا ينهم في أمانته ، فيقول :
هبتت لنا سحرا والصبح ملتثم
والليل قد غاب فيه الشيب والهرم
سقيمة من بنات الشرق أضعفها
عن قوة السير ، لما هبت ، السقم
فبلغت بلسان الحال قائلة
ما لا يبلغه يوما إلى فم
سرا لغانية يسري إلي به
من النسيم رسول ليس ينهم
أصافح الريح إجلالا لما حملت
إلي من ريح برديها وأستلم
والنسيم رسول مؤدب مهذب رقيق الحاشية ، يعرف قيمة الرسائل التى عملها بين الأحباء وأهل الأشواق ؛ فلا يهينها ، ولا يغفل عما يحفظها ويصونها ، ولكن شاعرة رقيقة حذرة ، هي " وجيهة بنت أوس " خشيت أن لا تصون الريح رسالتها ، وأبدت ما يجفيه وساوسها من أن الريح تبتذل رسالتها إلى عشيرتها ، فطلبت منها - بعد دعاء لها بطول السعد - أن لا تخلط تلك الرسالة بالتراب امتهانا لها ، واحتقارا لشأنها ، وعبرت عن ذلك في شعرها المروي في " ديوان الحماسة " قائلة :
فلو أن ريحا بلغت وحي مرسل
حفي لناجيت الجنوب على النقب
فقلت لها : أدى إليهم رسالتي
ولا تخلطيها - طال سعدك - بالترب
على أن هذا الرسول الرقيق العذب يحمل من الأشواق أحرها ، ومن حرق الوجد الدعها وأشدها وقدا ، ومع ذلك فهو لا يزال على اعتلاله وابتلاله . . لا يحترق مما يحمل ولا يشتعل مما يستودع ؛ ولهذا نجد الشاعري المعاصر المرحوم " الشيخ أحمد الزين " يعجب من هذا النسيم الحامل للنار كيف لا يحترق ، وكيف يبرد مسه وتطيب أنفاسه ؟ وأي واق يقيه من حرارة ما يحمل ؟ فيقول :
ياله كيف لا يحول سموما بالذي فيه من حوي واحتراق
حامل النار كيف يبرد مسا أي واق منها له أى واق ؟
وتجد الشاعر المعاصر " عادل الغضبان " لا يخاف على النسيم أن يحترق مما يحمله من الشوق ، ولكنه يخاف على منزل الحبيب أن يحترق حين يروي له النسيم نفثات الأشواق فيقول :
نسيم الصبا عرج على مرتع الصبا
وعانق به عني بأنفاسك الربي
ولا ترو عني نفثة الشوق إنني
أخاف على مغناه أن يتلهبا ! . .
ونجد الشاعر المرحوم "أحمد شوقي بك" يردد شكوى ريح الصبا لاحتراقها مما حملته من الأشواق في قوله :
وبعثت الشوق في ريح الصبا
فشكا الحرقة مما استودعك
وتختلف حرارة النسيم وريح الصبا ، أو أية ريح غرامية باختلاف مهمها . . فإذا غدت من عند المحب فهي حارة ، ملتهبة خارقة ، وإذا جاءت من عند المحبوب فهي لطيفة عليلة ، وهي برد وسلام على المحب . . ولولا هبوبها من عند الحبيب رطبة عليلة بليلة لاحترق الشاعر العاشق من حر أنفاسه . .
وهكذا نجد في " مناهج التوسل " طبع الجوائب شاعرا مجهول الأسم يقول :
لولا نسيم الصبا منكم يروحني
لكنت محترقا من حر أنفاسي !
هذا هو القسم والريح عند شعراء الغزل وأصحاب العشق . . أما النسم والريح عند شعراء الوصف والطبيعة ، فهو يهدأ في إغفاءة الوسن بين الرياض ، فلا تثور بهدوئه عجاجة الغبار كما يقول الشاعر " السري الرفاء " :
والريح وسنى خلال الروض وانية
فما يراع لها مستيقظ الترب
وهو حين يجوس خلال الرياض والبساتين يتعطر مما يحمله من طيب عطرها وأريج أزهارها ، وكان ثوبه الفضفاض ، وهو يمشي بين الرياض ، قد غمس في مداهن من العنبر الذكي الرائحة ، كما يقول " السري " أيضا :
وحدائق يسببك وشي برودها
حتي لتشبهها سبائب عبقر
يجري النسيم خلالها وكأنما
غمست فضول ردائه في العنبر
وهو حين يغمز بيديه أغصان الأشجار تتلوي راقصة على أنغام يرسلها القمري كما يقول الشاعري " محمود سامي البارودي" :
غمزتها يد الصبا فتلوت
راقصات على غناء القماري
وهو حين يهب في السحر تتناجي الأغصان . وتتداعي الطيور كما يقول الشاعر " ابن الرومي " :
حيتك عنا شمال طاف طائفها
تحية ، فجرت روحا وريحانا
هبت سحيرا ، فناجي الغصن صاحبه
سرا بها ، وتنادي الطير إعلانا ،
وهو - في النهاية - عند شعراء الحكم والأمثال مبتدأ العاصفة من ناحية أو منتهاها من ناحية اخرى . .
فالريح ترجع عاصفا
من بعد ما ابتدأت نسيما
وكل ريح لها هبوب
يوما ، فلابد من ركود
ولكن الرياح عادة تأتي بما لا يحمد الملاح ، وتجري بما لا تشتهي السفن .
