لا يخفى على أحد أن فنون النحت والنقش والتصوير قد بلغت عند المصريين القدامى مرتبة كبيرة من الرقى والتقدم ... ولكن هل وصلت فنون الأدب إلى مثل ذلك فى تلك العصور السالفة ؟ وهل كان أجدادنا يعتبرون الأدب صناعة جديرة بالاحترام ؟ ..
يكفى أن نقرأ وصية الكاتب المصرى القديم لابنه لتقف على قيمة الأدب والأدباء عند قدماء المصريين :
يستعرض الكاتب سائر الصناعات التى يستطيع أن يتخصص فيها الإنسان : الفلاحة، الحدادة، الحلاقة، البناء، الجيش .. ألخ، وبين عيوب كل واحدة ؛ ثم يتحدث عن فن الكتابة فيقول :
" ... فأما هؤلاء الكتاب البارعون ... فقد كتب لهم الخلود ولأسمائهم المجد، وإن كانت أجسادهم قد ذهبت عنها الحياة ، وفنى أولادهم وسائر أفراد عشيرتهم ...
"إنهم لم يصنعوا لأنفسهم أهرامات شامخة أو مسلات عالية، ولم يتركوا وراءهم ذرية ذات سلطان تمجد أسماءهم ... ولكنهم خلفوا كتبا سوف تنطق بعظمتهم ما دامت الدنيا ...
"كن كاتبا يابنى كى يخلد اسمك على مر الزمان . إن الكتاب العظيم لأبقى فى ذكرى الإنسانية من القصر الضخم .. إن الكتاب معبد وهرم لمن كان يعتبر !.." .
وإن هذه الكلمات لتذكرنا بقول الشاعر الإنجليزي ميلتون فى تمجيد شكسبير، بعد ذلك بآلاف السنين :
"ليست عظامك المقدسة، يا صاحبى العظيم فى حاجة إلى جهود الأجيال المتوالية تبنى لك مقبرة ضخمة .
وليس جسدك الطاهر فى حاجة إلى أن يوارى . تحت هرم شامخ يناطح بقمته السماء ...
... فأنت ... قد بنيت لنفسك معبدا خالدا ... " .
وإن أدبا كان منذ عشرات القرون يحظى بمثل هذا الاحترام والتقدير لجدير بالدراسة والترجمة . لكن المكتبة العربية فقيرة جدا فى هذا الميدان؛ وذلك، على الأرجح "
بسبب طغيان الثقافة العربية على الآداب المصرية القديمة، ولقد سبقنا الغربيون من فرنسيين وانجليز وألمان إلى الكشف عن ذلك الكنز النفيس من الشعر والنثر الذى صاحب أقدم حضارات الإنسانية .
ومن أمهات الكتب التى صدرت حول هذا الموضوع مؤلف المؤرخ بيبر جبلير، أخرجته جماعة الدراسات المصرية القديمة بمدينة بروكسيل ، وعنوانه "الشعر المصري القديم " .
ولقد قسم المؤلف كتابه قسمين : أولهما يتناول بالدراسة ذلك النوع من الشعر الذى يقال فى المناسبات الرسمية وفى مديح الملوك والأمراء، وثانيهما الشعر الذاتى فى الحب والعبادة أو التشكى .
١ - الشعر الرسمى : والكاتب لا يعطى هذا الجانب من الأدب عناية كبيرة ؛ لأنه على حد تعبيره " أدب جامد لا يعبر عن حقيقة ما يعتلج فى النفس الإنسانية من مشاعر وصبوات ؛ وعلى ذلك فهو ليس بالشعر الحقيقى . وليست العبرة عندي بالقيمة التاريخية المصيدة ، بل بالقيمة الإنسانية . ولكننا قد نجد هنا وهناك مقطوعات من الشعر تبلغ حدا جيدا من الروعة ، وإن كانت مع ذلك تعد من الشعر الرسمي . مثال ذلك تلك القصيدة الطويلة التى تمجد أعمال رمسيس الثاني في معركة قادش . لقد وقع هذا الملك المشهور في فخ دبره له الأعداء عند مدينة قادش بالشام ، وأحدقت به جنود الحيثيين وهو مفرده وسط جموعهم الحاشدة ، فراح يصلي لإلهه آمون ويستعين به على قهر أعدائه . قال :
" ... ما هذا الذي اراء أى أبي آمون ؟
وهل ينسى الأب ولده البار ؟ ..
هل خالفت قط أوامرك وتعديت نواهيك ؟
ما أعظمك يا أيها المهيمن على مصر كلها !
إنك أجل من أن تترك أعداءنا يقهروننا ...
وهل صعب عليك رد هؤلاء الغرباء يا أبي ؟
إنهم أعداؤك ... إنهم لا يعرفون الله !
... الويل لمن يعصيك يا آمون .
وما أسعد القلب الذي يعرفك ويحبك .
إنني أناديك يا أبي آمون
وسط أعدائي الذين لا أعرف لهم عددا
فالكل علي ولا أحد معى
لقد هجرني جميع أصحابي ولم يلبوا ندائي
ولكني أناديك ، أى آمون ، فأشعر بالفوة تعود إلي
وأشعر بأنك خير لى من ألف ألف فارس ..."
وفي مقطوعة أخري يصف الشاعر فرحة المصريين عقب انتصار الملك مرنبتاح على أعدائه . فيقول بعد سرد حوادث الحرب :
" حلت بمصر البهجة وملأ قلوب أبنائها الحبور .
وفى كل مجلس تسمع الناس يحكون أعمال مرنبتاح العظيم
فما أعمق حب أبناء الشعب لهذا الملك القدير .
وما أكثر تمجيدهم له : إنهم يضعونه مع الآلهة في معابدهم .
... لقد انتهت الحرب ... وعادت السكينة إلى قلوب
الرجال .
وحفلت المنتزهات بالرواد .
وترك الجند حصونهم ، وهدأت المعسكرات ...
لم يمد هناك خوف على قطعان المواشي فتركها الناس ترعي
على حريتها بين الحقول ...
لقد انتهت الآلام ، ولم نعد نسمع عويل الثكالي من
الأمهات ...
ومن زرع قمحا سوف يحصده ويأكله خبزا في هدوء
وسكينة ."
٢ - الشعر الذاتى : وأول قصيدة يعرضها المؤرخ في هذا القسم ، هي تلك التى كتبها الملك أمينوفيس الرابع أو إخناتون في تمجيد إلهه آنون أو قرص الشمس المقدس . والمعروف عن إخناتون أنه أول إنسان دعا إلى التوحيد ، وأراد أن يعبد الناس إلها يتمثل في فرص الشمس ولا يشركون به أحدا . قال :
" إنك ترتفع دائما وسط السماء
أيها القرص الحى الذى نشأ مع نشأة الزمان .
إنك تتألق فى الأفق
فتملأ الأرض كلها بهائك .
إنك رائع الطلعة ، عظيم ، قوي البريق .
أشعتك تحتضن سائر أقطار الأرض ،
التي تخضع كلها لك ، أى رع العظيم ...
إنك بعيد ، ولكن أشعتك تدفئ الأرض .
... عندما تغرب وراء الأفق لتستريح ،
تصبح الأرض في ظلام دامس
مثل ظلام الموت ...
وعندئذ ينام الإنسان ...
وتخرج السباع من كهوفها .
وتزحف الثعابين السامة لتلدغ كل من تلاقيه .
إن الأرض مغمورة فى الظلام والسكون ،
لأن من خلق الخلائق يستريح وراء الأفق ...
وعندما تشرق ، أيها القرص المقدس الحي ،
تستيقظ الأرض من سباتها .
وتتبهج الأنعام برزقها ، وتخضر النباتات في حقولها ،
وتزفزق الطيور في أعشاشها ...
... إنك تخرج الرجال من بطون النساء .
وتنفث الروح فى النطفة فتحيها إنسانا ...
إنك تمنح الفرخ الصغير القوة التي بها يكسر قشر بيضته ،
وتمنحه الغذاء لينمو ويمتلئ ...
فما أعجب ما تصنع .
أيها الإله المتوحد الفرد ! .. "
وبعد ذلك يأتي دور الشعر العاطفي الغزلي . وأغلب الأمثلة التي يعرضها علينا المؤلف مأخوذة من بردية هاربس رقم ٥٠٠ التي كتبت في عصر رمسبس الثاني . والغزل المصري القديم عتاز بالبساطة والبراءة المحبة التي تشبه براءة الطفولة ، تلك البراءة التي لم تعرف بعد ما هو الرجس ولا تميز بين الحب الحلال والحب الحرام . لذلك نجد فى هذا الصنف من الشعر جمالا ساذجا يريح القلب والأعصاب كالواحة المخضرة وسط هذه الحياة المادية المعقدة .
يقول العاشق وهو يسوق زورقه وسط مياه النيل ويرقب شروق الشمس وينظر إلى مدينة منفيس القريبة حيث تنتظره فتاته :
" إن الزورق الذي يقلني يتأرجح على مياه النهر الدافقة ،
وإن نغمة المجاديف السريعة تحدو ركبنا .
وأنا أحمل فوق كتفي الزهور والرياحين .
سوف أصل إلى منفيس ، مدينة الحياة ،
فأقول للإله بتاح ، إله الحق ؛
( إمنحني الليلة فتاتي ) .
إن النهر يبدو جميلا كالخمر المعتقة
والإله بتاح يحتفي وراء شجيرانه
والإلهة سخمت تتمثل في أزاهيره الربانة
... سوف تبتهج فتاتي بمقدمي !.."
وينشد الفتى وهو على سرير المرض ، هذه الآبيات الجميلة :
" إنني قابع في عقر داري علي سرير المرض .
إنني مريض ، وليس الذنب ذبى .
لسوف يأتي الصاحب والجار لعيادتي .
فياليتها تأتي معهم . تلك التي ملكت على فؤادي .
فالأطباء في حيرة ويأس من أمري ...
ولكنها هي تدري جيدا ما حل بى من مرض ! .."
وتتغني الفتاة العاشقة في أحد البسانين ، بحبها ، فتمتزج عواطفها وإحساساتها بمظاهر الطبيعة الجميلة وتقول مناجية حبيبها :
" إنني صاحبتك الأولى .
أنظر : إني كالبستان الملئ بالرهور والرياحين
أنظر : ما أروع هذا النبع وسط الحقول .
أنظر : ما أجمل البستان الذي نتنزه فيه .
ما أجمله عندما تكون يدك فى يدي .
إن قلبي يطمئن ويبتهج
عندما أكون إلى جانبك .
إن حديثك كالخمر المسكرة تبعث في نفسى النشوة .
وإن نظرة منك خير لي ألف مرة من الطعام والشراب !"
والأشجار المخضرة الجميلة تتكلم هى الأخرى فى الربيع فتناجى العاشق الشاب قائلة :
"تعال لتقضي لحظات من عمرك بين أحضان الطبيعة ،
فالبستان اليوم في أجمل حاله
... فابعث أمامك بعبيدك
حاملين الخمر المعتقة ... والفاكهة الطيبة ،
والطعام الشهي ... والزهور والرياحين
تعال . لنقضي فى ظلي الظليل أياما مع فتاتك المحبوبة .
ولن أبوح لأحد بسركما،
فأنا الصديق الوفى الودود ..."
وأخيرا يعرض علينا مؤلف " الشعر المصري القديم " نماذج من الأدب الذاتى تعبر عن حالة الشعب الاجتماعية وعن آمال وأحلام الشعراء فى تلك العصور السالفة ! ومنها القصائد التي تبين عن تفاؤل قوى فى المستقبل ؛ كما أن منها القصائد المزعة بالألم واليأس ، التى تفيض بالتشاؤم وبالثورة العائبة على النظم الاجتماعية القائمة .
... وبعد ، فلعل في عرضنا الوجيز لذلك الكتاب القيم ما يكشف الستار عن بعض جوانب الأدب المصري القديم الذي يجدر بنا دراسته ونشره إلى جانب ما نعني بنشره من تراث الثقافة العربية .

