صدر أخيراً هذا الكتاب، لأستاذنا الفاضل أمين الخولي، وكتب مقدمته تلميذ من تلاميذه في الجامعة اقتداء بسنة السلف من العلماء
وفي الكتاب دعوة حرة إلى دراسة الأدب المصري دراسة خاصة وبيان للمنهج الذي يجب أن يتبع في هذه الدراسة فهو إذن قسمان: فكرة ومنهج. أما الفكرة، فقد أملتها اعتبارات قومية مصرية خاصة وأخرى فنية أدبية عامة يقول المؤلف في الاعتبار القومي الخاص (إن حياً لن يفكر بنفسه وهو حي، لأن إيمان الحي بنفسه سر وجوده الفطري، ومصر لم تكفر بنفسها لحظة ما، فكيف لا تؤمن بشخصيتها في الفنون بعامة ثم في الأدب بخاصة. وفي هذا العصر الإسلامي الذي ظلت فيه كدأبها شاعرة بنفسها يقظة لذاتها، فهي لهذا تصر على أن تدرس وجودها الأدبي في العصر الإسلامي) ثم تناول المؤلف الاعتبارات الفنية العامة فبين الخطأ الشائع
في تحديد العصور الأدبية تحديداً زمنياً كالأموي والعباسي دون نظر إلى المكان الذي يشغله هذا الأدب كالعراق أو مصر، فذلك إخلال بالتحديد والضبط وإهمال للمؤثرات الطبيعية القاهرة مع الاهتمام بحالة أيسر الأثر وهو الحكم السياسي وزمنه. فالبيئة الطبيعية لها أثرها القوي على ما يعيش فيها من ماديات ومعنويات والأدب من أشد هذه المعنويات تأثراً بالبيئة والإقليم. ويقول المؤلف إن مصر بوصفها الطبيعي الفطري قد تميز كيانها الاجتماعي واستقر ماضيها التاريخي فتوافرت لها مقومات البيئة المتفردة الواضحة. فدرس أدبها عمل علمي صحيح الأصول. وأنكر الأستاذ وحدة الثروة الأدبية العربية وحدة تامة، وبيَّن ما يتميز به أدب أمة عن أدب أخرى، وأوضح كيف تكون الإقليمية منهجاً واضحاً صحيحاً مع الطموح إلى دعوة أدبية إنسانية عامة، ومشاركة الأمة في الحياة الأدبية العالمية مع وضوح مشخصاتها الأدبية المميزة لها
والقسم الثاني من الكتاب رسم للمنهج الصحيح في دراسة الأدب المصري. فبين المؤلف معنى الأدب وتاريخه وما بينهما من صلة، ثم قسم منهجه إلى خطوات ثلاث: (ما حول الأدب) وهو ما يتيسر به درس النص الأدبي حتى يفهم المتن فهماً مجدياً له أثره في تكوين الذوق الأدبي ومعاونته الهامة في تحقيق تاريخ الأدب، ثم (المتن الأدبي) وهو فهم النص بهداية الأضواء التي تحف به مع الاعتماد على وسائط هذا الفهم من علوم العربية وفنونها الأدبية
ثم ندرس (تاريخ الأدب) فنستطيع أن نلمح على مصور الحياة مناطق متميزة وفوارق واضحة، نستطيع بها تأريخ الحياة الأدبية ووصف أدوارها وبيان مسالك الحياة الأدبية فيها وسبيل تطورها وموقع حاضرها من ماضيها؛ وأي مستقبل فني وراء ذلك ينتظرها
ذلك بيان لما ورد في الكتاب من آراء جريئة سديدة لم أشأ أن أنقدها، لأني أوافق عليها جملة وتفصيلاً. ولن يكفي هذا العرض السريع عن قراءة الكتاب، فهنالك قضايا تستحق اهتمام الباحثين، لأنها تتصل بدعوة فنية قومية من جهة، وتتصل من جهة أخرى بما ينادي به الناس الآن من ضروب الوحدة.

