لما اسفر مؤتمر ميونيخ في آخر سبتمبر الماضي عن موافقة انكلترا وفرنسا على تمزيق تشيكوسلوفا كيا وضم منطقة السوديت لالمانيا ، تفاديا لحرب كان خطرها يلمع في الأفق ، رأي البعض بحق ان مؤتمر ميونيخ لم يكن خاتمة الآزمة الدولية التي كادت تضرم شرارة الحرب ، ولكنه كان بالعكس فاتحة لها ، وان تضحية الدولتين الديمقراطيتين العظيمتين لحليفتهما تشيكوسلوفاكيا سوف تثير ازمات جديدة أشد خطورة وأبعد مدى
وقد تحقق ظن هؤلاء الذين لم يهدوا لمؤتمر ميونيخ . ولم يؤمنوا بأنه كان انتصارا لقضية السلام ، وإنما كان هزيمة للديمقراطية أمام الوعيد والقوة ، فانه لم تمض أسابيع قلائل على اقتطاع ألمانيا لمنطقة السوديت التي لم تكن قط منذ القرون ارضا المانية ، حتى استطاعت ألمانيا أن تستغل ظفرها ببسط نفوذها القوي علي تشيكوسلوفاكيا وأمم الوسط كلها ، وحتي تلاشي أمامها كل نفوذ آخر ، واختل التوازن الأوربي بصورة لم يعرفها من قبل ، وتفاقمت مسألتا ممل ودانتزج ؛ ولما حاولت بولونيا ان تتحوط لسلامتها ضد الخطر الجرماني الذي أخذ يطوقها ، بتوثيق علائقها مع روسيا السوفيتية ، ردت السياسة الألمانية بالعمل لاثارة مشكلة جديدة هي المشكلة الأوكرانية ، وهي مشروع جريء يرمي إلي اقتطاع الاجزاء الواقعة من أوكرانيا تحت حكم روسيا وبولونيا ورومانيا وضمها جميعا في دولة جديدة تنشئها باسم اوكرانيا الكبري . وتحقيق هذا
الحلم الجرماني الجديد ، يعتبر ضربة خطيرة لبولونيا ، كما انه يعتبر أول خطوة عملية في تمزيق روسيا السوفييتية وسحقها .
من جهة أخري ، فقد ظهرت فجأة في إيطاليا حركة جديدة المطالبة بنصيبها من الغنائم ؛ وإيطاليا هي الطرف الآخر من محور برلين روما . وقد حقق الطرف الأول ، أعني ألمانيا ، خلال العام المنصرم كل ما كان يصبو إليه ، فضمت النمسا ومنطقة السوديت إلي ألمانيا ، وحقق مشروع السيادة الجرمانية في أوربا الوسطي ( ( Mittel Europa وآزرت إيطاليا هذه المشاريع كلها طوعا أوكرها ، بالرغم من أنها كانت ضربة لنفوذها ومصالحها في أوربا الوسطي ؛ وذلك انتظارا منها لتحقيق مشاريعها في البحر الأبيض بمؤازرة المانيا ، وقد لاح لايطاليا أن الفرصة قد سنحت لتقديم مطالبها ؛ ففي أوائل ديسمبر ألقي الكونت شيانو وزير الخارجية خطبته عن سياسة إيطاليا الخارجية أمام " البرلمان الفاشستي " وأشار إلي " أماني إيطاليا الطبيعية " وعندئذ عتف النواب الفاشستنيون بالمطالبة " بكورسيكا ونيس وتونس " وقامت على أثر ذلك في إيطاليا مظاهرات كثيرة تهتف بهذا الهتاب ، وأيدت الصحافة الايطالية ، وهي صحافة شبه رسمية ، هذه المطالب ؛ ومع أن الكونت شيانو قد أجاب علي احتجاج فرنسا في هذا الصدد ، بأن الحكومة الإيطالية لا تسأل إلا عن مسلكها ومطالبها الرسمية ، ومع أن السنبور موسوليني لم يذكر في خطبه السياسية اللاحقة شيئا عن هذه المطالب ، فان هذه الحركة المدبرة بلا ريب قد كثفت عما تحبش به إيطاليا الفاشتية من الأماني البعيدة في العمل لتحقيق حلمها في البحر الأبيض وجعله كما تنادي بحرا إيطاليا Muce Nostrum ) )
ونحن نعرف أن فرنسا استولت على جزيرة كورسيكا ثالثة الحزائر الإيطالية الكبرى بعد صقلية وسردانية ، في سنة ١٧٦٨ بموافقة حكومة جنوه التي كانت تتبعها الجزيرة
يومئذ ، وانها استعادت نيس من مملكة سردانية سنة ١٨٦٠ ، وقد كانت من أملاكها قبل ذلك ، وانها غزت تونس وفرضت حمايتها عليها في سنة ١٨٨١
وإذا كانت كورسيكا قد غدت أرضا فرنسية مند أكثر من قرن ونصف قرن ، وغدت نيس كما كانت ثغرا فرنسا ، وإذا كانت مطالب إيطاليا في شأنهما لا يمكن أن تحمل علي محمل الجد ، فان الأمر ليس كذلك فيما يتعلق بتونس
ذلك أن تونس ليست مستعمرة فرنسية ولا ملكا فرنسيا ، وما زالت مثل مراكش " حماية فرنسية " فقط ، ولايطاليا فيها مطامع قديمة معروفة . وهي ما زالت تصر عليها وتجاهر بها وتستند فيها إلي ظروف واعتبارات خاصة
وقبل ان تناقش هذه المطامع الأيطالية والظروف التي تستند إليها ، يجدر بنا ان نقدم لمحة عن تاريخ تونس الحديث والظروف التي انتهت بها إلي الأنضواء تحت حماية فرنسا
كانت نونس حتى اوائل القرن السادس عشر إمارة مستقلة في ظل الدولة الحفصية ؛ ثم افتتحها أمير البحر التركي خير الدين باشا سنة ١٥٢٥ من يد اميرها الحفصي الحسن بن محمد ، واستغاث الحسن بشارلكان ملك اسبانيا ، فبعث إلى تونس حملة احتلت بعض الثغور والمواقع ، وعاد الحسن إلي العرش حينا ، ولكن الأمور لم تستقر ، وعاد الترك فانتزعوا تونس من يده مولاي الحميد خلف الحسن ؛ واستمر التنازع بين الترك والأسبان زهاء نصف قرن ، حتى بعث السلطان سليم الثاني إلي تونس في سنة ١٥٧٣ حملة قوية اضطرت الأسبان إلي الجلاء وضمت تونس إلي أملاك السلطان ، وعين لحكمها أحد الباشوات . ولكن لم يمض سوى قليل حتي اضطربت الأمور ، وتحرك جند الانكشارية وعزلوا " الباشا " وأقاموا منهم حاكما أطلق عليه لقب
" الداي " . واستمر هؤلاء " الدايات ، يحكمون تونس باسم السلطان زهاء قرن وتلك قرن ، وكان ينافس " الداي " في النفوذ " اليك " او " الباي " الذي كان يتولى جمع الضرائب والإشراف على شئون القبائل ؛ وما زال نفوذ هؤلاء " البابات " في ازدياد ، حتى انتهي الأمر بأن استطاعت أسرة مراد التي تولت مركز " الباى " مددأ متعاقبة ، التغلب على " الداى " ابرهيم وانتزاع السلطة من يده ( سنة ١٧٠٥ ) . وعلي اثر ذلك قامت ثورة بين الجند وانتهت باقامة " باي " جديد هو الحسين بن علي ، فأقام في تونس في ظل السلطان نوعا من الملكية الورائية استمر إلي يومنا
وكانت أحوال تونس مضطربة في تلك العصور ؛ وكانت أعمال القرصان البربر في البحر الأبيض المتوسط ومعظمهم من الجزائر وتونس ، تثير سخط الأمم الأوربية وبخاصة فرنسا وانجلترا ، وتحملها على التفكير في أمر تونس والتعرض لشئونها ؛ وأرسلت انجلترا وفرنسا إلي المياه التونسية أكثر من حملة انتقامية ، وفي سنة ١٨١٨ وجهت الدول مجتمعة إلي الباي مذكرة احتجاج شديدة علي أعمال القرصنة ، ومن جهة أخرى فقد أخذ الاستعمار الأوربي الذي بدأ في ذلك الحين يقتسم افريقية ، يرقب تونس بإهتمام وجشع ، وما كادت فرنسا تتم فتح الجزائر حول منتصف القرن الماضي حتي أخذت تتجه صوب تونس ، وترى في افتتاحها تتمة طبيعية لافتتاح الجزائر . وكانت إيطاليا من جهة أخري حتي قبل أن تحقق وحدتها تهتم بأمر تونس وتطمع في امتلاكها أسوة بما فعلت فرنسا في الجزائر ، فلما حققت وحدتها ، وتبوأت مكانتها بين الدول الأوربية ، اشتد اهتمامها بمصير تونس ، وأخذت تمهد لتوطيد قدمها فيها بواسطة جاليتها الكبيرة ، والاستيلاء علي بعض الأعمال والمصالح الاقتصادية ، وكانت فرنسا من جانبها تمد الباي " بالقروض ، وتذرعت الدول كعادتها باضطراب الأحوال
الادارية والاقتصادية ، وفرضت على تونس رقابة مالية قوامها انجلترا وفرنسا وإبطاليا ؟ ولم تكن انجلترا بمعزل عن شئون تونس ، فقد اتجة إليها " الباي " بطلب عونها ، ولم تكن فكرة إعلان الحماية عليها بعيدة عن السياسة الانكليزية التي تري في قربها من ما لطة عاملا هاما في تدعيم سيادة انكلترا البحرية في البحر الأبيض المتوسط ، بل لقد مهدت انكلترا بالفعل لمطامعها في تونس بوضع المشاريع العامة مثل السكك الحديدية والماء والنور وبعض الأعمال الهامة في أيد بريطانية ، ولكن فرنسا استطاعت بعد ذلك أن تقنع انكلترا بأن تترك لها حرية العمل في تونس نظير موافقة فرنسا على احتلال انكلترا لحزيرة قبرص
واستمر الصراع الاستعماري علي أشده حينا بين فرنسا وإيطاليا . ولما شعرت فرنسا ان إيطاليا تعد عدئها للاستيلاء علي تونس ، بادرت من جانبها بالعمل ؛ ففي أوائل سنة ١٨٨١ سارت قوة فرنسية من الجزائر واخترقت حدود تونس بحجة مطاردتها لبعض القبائل المتمردة ، وما كادت تنفذ إلى قلب تونس حتى الفت قناعها وسارت نوا إلي العاصمة ، وسارت في الوقت نفسه قوة بحرية فرنسية من طولون إلي ثغر بيزرت ؛ واضطر " الباي " أن ينزل عند مطالب الغزاة وان يوقع في ١٢ مايو سنة ١٨٨١ عهدا بقبول الحماية الفرنسية ، وتعرف هذه المعاهدة بمعاهدة " بردو " نسبة إلي القصر الذي وقعت فيه ، وفيها بتعهد " الباي " بألا يفاوض أحدا في الخارج إلا عن يد " المقيم الفرنسي " . ولم تسقط تونس دون مقاومة ، فاضطرمت ثورات محلية في القيروان وصفافس وغيرهما ، ولكنها أحمدت بسرعة ، وتم بذلك مشروع فرنسا في الاستيلا ، على تونس ، وتأيدت معاهدة " بردو " بمعاهدة المرسي " في ٨ يوليه سنة ١٨٨٣ ولم يجد احتجاج الباب العالي الذي كانت تتبعه تونس من الوجهة الأسمية ، واعترفت انكلترا
بمركز فرنسا في تونس في نفس العام ، وتبعتها معظم الدول الأوربية ثم الباب العالي في سنة ١٨٩٢ . أما إيطاليا فلم تعترف به إلا في سنة ١٨٩٦
ويقوم نظام نونس السياسي في الوقت الحاضر علي المعاهدة المتقدمة ، فهي حماية فرنسية يمثل فرنسا فيها " مقيم عام " هو في الوقت نفسه وزير خارجية " الباي " ورئيس مجلس نظاره ، ويعاونه مجلس استشاري يجتمع مرتين في العام لبحث الميزانية ، ويتألف من مندوني المجالس البلدية والغرف التجارية والشركات الزراعية وبعض النواب الوطنيين
ولقد كانت المسألة التونسية مثار احتكاك دائم بين فرنسا وإيطاليا ، وكانت إيطاليا مذ أفلتت منها تونس ترى أنها اغتصبت منها اغتصابا ، وأن فرنسا ارتكبت بافتتاحها اعتداء خطيرا علي أماني إيطاليا وعلى حقوقها الطبيعية ؛ ولما خاب أمل إيطاليا في تونس ، وجه وزيرها كرسي بطل أمانيها الاستعمارية اهتمامه إلي الحبشة ، ولكن هذه الأماني سحقت في موقعة " عدوة " إلي حين . وإيطاليا ترجع مطالبها في تونس بالأخص إلي جاليتها الكبيرة التي يبلغ عددها اليوم نحو مائة ألف إيطالي ، وتقول إنها هي التي قامت بتمدين تونس وتنظيم عمرانها ، وأدت أعظم قسط في تقدمها وازدهارها ؟ وقد كانت هذه الجالية الكبيرة والمصالح الهامة التي تمثلها موضع اتفاقات متعاقبة مع فرنسا ترتب لها حقوقا وامتيازات خاصة ، وكان آخرها اتفاق لافال- موسوليني ، الذي عقد في يناير سنة ١٩٣٥ ، وبه حصلت إيطاليا علي امتداد جديد لامتيازات هؤلاء الرعايا ، يمتد فيما يتعلق بالمهن الحرة حتى سنة ١٩٤٥ ، وفيما يتعلق بالمدارس حتي سنة ١٩٥٥ ، وفيما يتعلق بالجنسية حتي سنة ١٩٦٥ ، وبعد ذلك تتلاشي جميع هذه الحقوق
والامتيازات ويخضع الرعايا الإيطاليون وكل مصالحهم في تونس لنصوص القانون العام ؛ وقد حقق هذا الاتفاق ايضا لايطاليا بعض المزايا الاستعمارية الآخر ، وذلك بتعديل حدود لوبيا مما يلي تونس تعديلا جديدا ، تحصل فيه إيطاليا علي شقة كبيرة من الأرض ، وإعطائها بعض جزر البحر الأحمر المواجهة لارتريا ، ومنحها مقدارا من الأسهم في سكة الحديد الممتدة من جيبوتى إلي أديس أبابا
على أن إيطاليا تنظر اليوم إلي المسألة من ناحية اخري . ومن يتأمل خريطة البحر الأبيض ويتأمل موقع تونس من صقلية وسردانية ، يدرك في الحال اهمية تونس العسكرية والبحرية ، فساحل تونس مما يلي رأس بوبة لا يبعد أ كثر من مائنى ميل من ساحل صقلية ، ولا يبعد اكثر من ثمانين ميلا من جزيرة بانتلاريا الإيطالية . وفي وسع إيطاليا متى وضعت يدها على تونس ان نشطر البحر الأبيض المتوسط إلي شطرين ، وان تغلقه من الوسط ، وان تقطع المواصلة إذا شاءت بين شرقيه وغربية ، وفي ذلك ما فيه من الخطر الجسيم علي الامبراطورية البريطانية ، وعلي أملاك فرنسا الأفريقية وفيما وراء البحار
وفرنسا تدرك حق الأدراك أهمية نونس وما ينطوي عليه فقدها من الاخطار الجسيمة ، ومن ثم كان موقفها الصريخ الحازم من المطالب الأيطالية ، فهي ترفضها كل الرفض ، وهي كما صرح رئيس وزارتها ووزير خارجيتها على استعداد لأن تدافع عن كل شبر من الأرض تحقق عليه الراية الفرنسية ؛ وانكلترا ليست أقل من فرنسا اهتماما بامر تونس ، لأنها تشعر بنفس الاخطار تهددها ، ومن ثم فقد كان تبادل التصريح بين الدولتين ، بأن كلتيهما على أهبة لمعاونة الآخر بكل قواها إذا ما وقعت عليها حرب
اعتدائية من دولة اخري وتريد وجهة النظر الفرنسية على ذلك أنه إذا كان
لايطاليا في تونس مائة ألف من الرعايا ، فان لفرنسا مائة الف وعشرة آلاف (١ ). ثم إن هذه الجالية الإيطالية الكبيرة ليست كلها مع إيطاليا ، واهم أفرادها واغناهم هم اليهود الذين تنكرهم الفاشستية وتود الخلاص منهم ، ولا يودون الأنضواء تحت لوائها ؛ ومعظم الجالية الأيطالية من أصحاب الحرف ، والعمال والفقراء الذين لا يجدون قوتهم في الوطن الأصلي ، والذين لا يناصرون المبادئ الفاشستية ؛ ولا يزيد انصار الفاشستية بين الجالية الإيطالية في تونس علي عشرين ألفا ، فاستناد إيطاليا في مطالبها الفادحة إلي حقوق رعاياها وإلى مصالحهم ، هو حجة واهية الأساس ، ومن المغالطة ان ينسب تقدم تونس إلي جهود هؤلاء الرعايا ، فقد بذل الفرنسيون في تونس جهودا عظيمة لتمديتها وتنظيم حياتها الاقتصادية والعمرانية ، هذا فضلا عن أن تونس جزء لا يتجزأ من الأمبراطورية الفرنسية في شمالي أفريقية
وقد أعلنت إيطاليا فرنسا أخيرا ينقضها لاتفاق يناير سنة ١٩٣٥ لأنه لم يعد يتفق مع الظروف ، ولا مع أماني إيطاليا ، ولانه لم ينقذ ولم تحافظ فرنسا على نصوصه أو روحه ، بل اشتركت غداة عقده في العقوبات الاقتصادية التى نظمتها عصبة الأمم ضد إيطاليا ، وبذلك وقفت موقفا عدائيا لا يتفق مع التسوية الودية التي كان يراد بتحقيقها
ويتلخص الرد الفرنسى علي إيطاليا في أن فرنسا ما زالت تعتبر اتفاق سنة ١٩٣٥ قائما وانه يحقق نهائيا تسوية المسائل المعلقة بين فرنسا وإيطاليا ، فإذا كانت إيطاليا تري نقضه ، فانه لا يسع فرنسا إلا أن تأخذ علما بهذا النقض ، وإن المعاهدات لا تنقض بفعل الزمن ، وإلا فان في وسعها ايضا ان تنقض معاهدة سنة ١٨٩٦ التي سويت بمقتضاها حالة الأيطاليين في تونس
وتؤكد إيطاليا أن لها مطالب مشروعة سوف تقدمها في الوقت المناسب وبالصورة المناسبة ، وتؤكد فرنسا من جانبها انها لن تبذل اية تضحية اخري ؛ وتستند إيطاليا في مطالبها إلي معاهدة لندن المعقودة في سنة ١٩١٥ بأن الحرب الكبيرى ، وفيها تتعهد فرنسا ان تعوض إيطاليا تظير دخولها في الحرب إلي جانبها ببعض المزايا الاستعمارية ، والمفهوم ان هذه المطالب فضلا عما ترغب إيطاليا تحقيقه لرعاياها ومصالحها في تونس من الضمانات الخاصة ، تتضمن طلب الاشتراك في إدارة قناة السويس والاستيلاء على سكة حديد جيبوتى ، بيد ان هنالك من يري ان إيطاليا قد تطالب إما بتونس ذاتها ، وإما بتخلى فرنسا عنها لتكون منطقة دولية حرة علي مثال طنجة ، أو انها قد تطالب على الأقل بامتلاك السومال الفرنسي ( جبيوتى )
ومما يلاحظ أن المانيا تؤيد إيطاليا في موقفها على
لسان صحافتها الرسمية ، وليس بعيدا ان يكون الدفاع إيطاليا في هذه المغامرة الجديدة اثرا من وحي برلين ؛ فمن مصلحة المانيا الواضحة ان تهمك إيطاليا بمطامعها وأمانيها في البحر الابيض المتوسط ، وان تترك شؤون أوربا الوسطى نهائيا لألمانيا، ولكن طريق إيطاليا إلى امانيها الاستعمارية ليس سهلا ولا مذللا كطريق برلين في أوربا الوسطى، بل تكتنفه صعاب ومخاطر لا نهاية لها
والمفهوم إن رومة تنتظر زيارة مستر تشميرلين في ١١ يناير ( غدآ ) ، لتقدم إليه مطالبها الاستعمارية الجديدة ، وتتطلب إليه الوساطة في تحقيقها لدي فرنسا كما توسط في تحقيق مطالب برلين لدي نشيكوسلوفاكيا ؛ فلنتظر إذن لنرى ماذا يمكن ان يسفر عنه هذا المجهود الجديد الذي يحاول رئيس الوزارة البريطانية أن يبذله في سبيل السلام

