الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الثقافة"

في التاريخ السياسي المعاصر:، الصراع بين الدكتاتورية، والديموقراطية

Share

منذ أعوام ثلاثة يشهد العالم أعظم صراع عرفه التاريخ بين نظامين سياسيين واجتماعيين هما: الديموقراطية والدكتاتورية. وقد بلغ هذا الصراع الهائل ذروته في شهر سبتمبر الماضي حينما تفاقمت المسألة التشكوسلوفاكية واصرت المانيا علي مطالبها في ضم منطقة السوديت الألمانية التي أدمجت في تشيكوسلوفاكيا منذ سنة ١٩١٩ بمقتضي معاهدة الصلح. وشعر العالم كله في هذه الأيام القلائل انه يحوز أخطر أزمة دولية عرفها منذ نهاية الحرب الكبرى، وانه كان حقا على وشك الانفجار والانحدار إلي هاوية حرب عالمية أخري.

ذلك أنه في الساعة الثامنة من مساء يوم ٢٦ سبتمبر القي سيد المانيا وزعيمها خطبته الشهيرة التي ارتعدت لها فرائص جميع الذين يروعهم خطر الحرب، وأنذر فيها تشيكوسلوفاكيا والدول الديمقراطية والعالم أجمع، بأن صبره قد بلغ النهاية، وانه إذا لم تذعن تشيكوسلوفاكيا لإرادته وتنزل لألمانيا عن منطقة السوديت حسبما حددت وبينت في البلاغ الألماني النهائي، وذلك في يوم أول اكتوبر، فان المانيا تعرف كيف تأخذ حقها بيديها في ذلك اليوم ذاته، ولن يثنيها عن عزمها شئ في هذا العالم، وعلى الدول الديمقراطية ان تحتمل جميع التبعات التي تترتب على ذلك الانفجار.

فهل كان المر هتلر يعني ما يقول يومئذ ؟ وهل كان

يعتزم حقا أن يخوض غمار الحرب إذا لم تحقق مطالبه ؟ هذا مالا يزال سرا من أسرار التاريخ. بيد أننا وقد كنا يومئذ في المانيا، مركز الاضطرام، ومسرح الحوادث، نستطيع أن نقول إن كل ما في ألمانيا في تلك الآونة كان يشعر بأن الحرب على الأبواب. فمنذ منتصف شهر سبتمبر كانت المظاهرات الحماسية والأستعراضات العسكرية الكبرى تخترق شوارع العواصم الألمانية باستمرار، والدعوة إلي الخدمة العسكرية تنهال على مختلف الطبقات، ويتساءل الناس باستمرار: " هل تقع الحرب ؟ " وقد ساد الاضطراب والجزع في جميع مراكز الأعمال، وهرع معظم الأجانب إلي مغادرة ألمانيا. وكانت المناورات الجوية الليلية تجري باستمرار، حتى إن النمسا وفينا قطعنا ثلاثة أيام متوالية في ظلام دامس منذ ١٩ إلي ٢٢ سبتمبر. وكانت شوارع العاصمة النمسوية وأحياؤها تبدو في هذه الليالي الرهيبة كتلا من الحلك المروع، لا تري الناس والأشياء إلا أشباحا سوداء. وقيل بعدئذ إن هذا الظلام لم يكن إلا ستارا لنقل عدد عظيم من الجند وكميات وافرة من الذخائر إلي حدود تشيكوسلوفاكيا .

وقطع الناس في اليومين التاليين لألقاء الزعيم هتلر  خطبته ساعات عصيبة حقا، ففيها كان شبح الحرب يبدو قويا في الأفق، وقد ساد الوجوم كل مكان وكل محيا، واستشعر معظم الناس أن الكارثه تكاد تنقض على العالم. ولكن حدث في مساء الأربعاء ٢٨ سبتمبر ان إذاع الراديو في كل مكان، ان مؤتمرا سيعقد في صباح الغد في ميونيخ من رؤساء الدول الأربع العظمي، المانيا وإيطاليا وفرنسا وانكلترا، وان الامل معقود بالوصول إلي حل يصون السلام وبقي العالم شر الخطر الرهيب. فنزل النبأ على الناس كالغيث، ودوت صيحات الفرح والأرتياح في كل مكان.

وكان أن عقد مؤتمر ميونيخ في اليوم التالي من رؤساء الدول الأربع في صباح يوم الخميس. وكان أن سلمت

الدولتان الديمقراطيتان الكبيرتان انكلترا وفرنسا، بجميع مطالب المانيا في ضم منطقة السوديت، مما يعرفه العالم اجمع ومما لا حاجة بنا إلي تفصيله

وقيل غداة مؤتمر ميونيخ إن السلام قد انقذ وإن التضحية التي أرغمت تشيكوسلوفاكيا على أدائها بالتنازل عن بعض أراضيها لم تكن شيئا مذكورا، إلي جانب أهوال حرب مروعة كانت وشيكة الضرام، وإن عهدا جديدا من التفاهم والوئام سيبدأ بين الدول الدكتاتورية والدول الديمقراطية.

ولكن أولئك الذين يؤثرون تسمية الأشياء بمسمياتها، ويرون الأمور بعين الحقيقة، رأوا يومئذ في مؤتمر ميونيخ رأيا آخر، هو أن الدكتاتورية أحرزت فيه ظفرا عظيما لم تكن تحلم به، وأصيبت الديمقراطية بهزيمة شنيعة بل بكارثه حقة سيكون لها أبعد الآثار.

وفي سير الحوادث ما يدل حقيقة على ان يوم ميونيخ كان يوما عصيبا على الديمقراطية، وكان يوما حاسما في سير ذلك الصراع الهائل الذي يضطرم بينها وبين الدكتاتورية، ففيه لم تغنم ألمانيا مناطق السوديت من تشيكوسلوفاكيا فقط، بل غنمت سيادة اوربا الوسطى وسيادة القارة كلها، وحطمت حصن الديموقراطية في تشيكوسلوفاكيا - وقد كانت في الواقع حصنا للديمقراطية في أوربا الوسطى - وقضت على التحالف الصغير، وعلى جميع مظاهر التوازن الدولي الذي انفقت الدول الغربية عشرين عاما في إقامته في أوربا الوسطى.

والآن تبدو ألمانيا سيدة القارة الأروبية، وتعمل بنشاط عظيم لدفع نفوذها وسيادتها نحو الجنوب والشرق، وقد أصبحت دول أوربا الوسطى: تشيكوسلوفاكيا والمجر ويوغوسلافيا ورومانيا والدول البلقانية حتي تركيا في متناول

نفوذها، وصار يتعذر على هذه الدول ان تتجه إلى محالفة دولة أخري أو إلي تعضيد أي نفوذ آخر

كان يوم ميونيخ إذن يوم فصل رجحت فيه كفة الدكتاتورية، وكان نهاية مرحلة من الظفر، لم يك شك في رأي السياسيين العمليين ان المانيا ستبلغها، ما دامت الدول الديمقراطية سائرة على سياسة التسليم والأذعان في كل ضربة تنزلها بها الدول الدكتاتورية.

وقد بلغت الدكتاتورية هذه المرحلة من الظفر في فترة وجيزة ترجع إلي ثلاثة أعوام فقط. ففي ربيع سنة ١٩٣٦ حققت إيطاليا مشروعها الجريء في غزو الحبشة وضمها إلي أملاكها أمام سمع العالم وبصره، ولم تعبأ بأية معارضة أو احتجاج. وفي الوقت نفسه احتلت ألمانيا منطقة " الرين الحرام " التي فرضت عليها بمقتضي معاهدة فرساي. وأعلنت بطلان جميع النصوص العسكرية التي تضمنتها هذه المعاهدة، والتي كانت ثقل يدها عن إنشاء قواتها الدفاعية. ولم تتحرك فرنسا التي ترتبط هذه الخطوة بسلامتها أشد الارتباط، لأن انكلترا لم تر يومئذ وجها للاعتراض على استرداد المانيا لحريتها في شؤون الدفاع القومي، ولم تستطع فرنسا من جانبها أن تقوم بأي إجراء منفرد. وكانت السياستان البريطانية والفرنسية يومئذ على خلاف من جراء المسألة الحبشية، ولم تخف هذه الحقيقة على ألمانيا؛ وكما خذلت فرنسا انكلترا في المسألة الحبشية، فكذلك رأت انكلترا أن ترد بخذلان فرنسا أمام ألمانيا في المسألة العسكرية

على أن الدول الديمقراطية ارتكبت يومئذ أعظم أخطائها، ولم تدرك ان هذا الضعف من جانبها، سيؤدي في فترة وجيزة إلي قلب التوازن الدولي بصورة لم يسبق حدوثها.

ذلك أن المانيا اتبعت ظفرها في الرين، وانبعث إيطاليا ظفرها في الحبشة، بتدبير الحرب الأهلية الأسبانية

وتسليح فرانكو، ومده بمعاونات عسكرية عظيمة، وكان ان اضطرمت نار الحرب الأسبانية في يوليو من هذا العام، وما زالت تضطرم إلي يومنا. وكان هدف الدولتين ظاهرا وهو إقامة حكومة دكتاتورية حليفة في اسبانيا، تعتمد على معاونتهما؛ وتستطيع عند الحاجة ان تناوىء انكلترا وفرنسا؛ وان تغدو خطرا على مواصلاتهما في البحر الابيض المتوسط؛ ومع أن فرانكو لم يحرز النصر النهائي بعد، فان الحالة في اسبانيا تثير اليوم اعظم المخاوف في انكلترا وفرنسا.

وفي خريف سنة ١٩٣٧، عقدت ألمانيا وإيطاليا تحالفهما المشهور يمحور برلين رومه؛ ومن ذلك التاريخ تنقسم اوربا إلي معسكرين واضحين: معسكر الدكتاتورية وقوامه المانيا وإيطاليا؛ ومعسكر الديمقراطية وقوامه فرنسا وانكلترا، ويتخذ الصراع بين الفريقين صورة واضحة عنيفة. هذا ومن جهة اخري فقد استطاعت سياسة " المحور " ان تستدرج اليابان إلي عقد ميثاق ثلاثي غرضه الظاهر مكافحة الشيوعية، وغايته الحقيقية تعاون الدول الثلاث علي تحقيق المآرب الاستعمارية، فألمانيا وإيطاليا تعضدان توغل اليابان في الصين، وهذا التوغل خطر واضح على المصالح الانكليزية والفرنسية في الشرق الأقصي. واليابان تستطيع في الوقت نفسه ان تشغل جارتها الأسيوية الكبيرة " روسيا " التي تقف في شرقي أوربا إلي جانب الدول الديمقراطية

هذا وبينما تتفاقم المسألة الأسبانية في أوائل سنة ١٩٣٨ ويبدو ظفر الجنرال فرانكو قريبا بسحق الجمهورية الأسبانية وإقامة الحكم الدكتاتوري في اسبانيا مفتاح البحر الأبيض من الغرب، إذا بحوادث اوربا الوسطى تتطور بسرعة مدهشة، وإذا المانيا تنقض في يومى ١٢ و ١٣ مارس على النمسا فتحتلها، وتعلن ضمها إليها أمام أوربا قبل أن

تفيق من دهشتها وذهولها، وإذا بموسوليني الذي سبق أن حشد جيوشه فيما وراء ممر " برنر " في سنة ١٩٣٤، حينما حاول النازي في النمسا الاستيلاء على الحكم، يسارع فيقر عمل هتلر في ضم النمسا ويؤيده؛ والعالم كله يتساءل: كيف تتسامح إيطاليا الفاشستية إلي هذا الحد في حدوث ما اعتبرته قبل بضعة أعوام خطرا علي سلامتها وتأهبت لمقاومته بقوة السلاح ؟

وكان استيلاء المانيا علي النمسا نذيرا بانهيار التوازن الدولي في أوربا الوسطى؛ وانهيار جمهورية تشيكوسلوفاكيا التى انشأها الحلفاء الظافرون في معاهدة الصلح لتكون مخفرا وحصنا للديمقراطية في أوربا الوسطى؛ فلم تمض أشهر قلائل حتى تفاقمت مشكلة السوديت الآلمان، وعملت المانيا على إذكائها بكل ما وسعت؛ وكان مؤتمر ميونيخ واقتطاع ألمانيا لمناطق السوديت وانهيار تشيكوسلوفاكيا كدولة قوية مستقلة، وظهور المانيا الكبرى بصورة من القوة والسلطان في الشئون الأوربية لم يشهدها التاريخ

كان مؤتمر ميونيخ خاتمة المأساة التشيكوسلوفاكية، ولكنه كان فاتحة لمأساة أعظم وأخطر، هي مأساة القارة الأوربية بأسرها.

فأوربا اليوم تجوز مرحلة من الاضطراب الفكري لم تعرفها منذ الحرب الكبرى، والأفق السياسي مكفهر لا يكاد يصفو يوما واحدا، والازمات الدولية تتوالي بسرعة، والعالم كله يرقب هذا الغموض يجزع ويحاول أن يتعرف المصير الذي ينحدر إليه

لم يبق خافيا أن مثار الاضطراب العالمي الحاضر كله هو تلك المعركة الهائلة التى تضطرم اليوم بين الدكتاتورية والديمقراطية، وهي معركة تخرج اليوم عن صفتها المحلية

وتغدو معركة عالمية، تتعدى أوربا إلي أمريكا وآسيا، وتشغل الرأي العام في جميع الأمم المتمدنه.

وأظهر خواص هذا الصراع اليوم هو مظاهر القوة التي تبدو بها الدول الدكتاتورية، فهي ما زالت تخرج خلال الفترة الأخيرة من نصر إلي نصر، وتقدم على تحقيق برامجها ومشاريعها بثبات وجرأة؛ بينما الدول الديمقراطية تخرج من هزيمة إلي اخري، وتنتهي في كل أزمة بالأذعان والتسليم، وتتمسك بنظرياتها وتقاليدها السياسية القديمة؛ هذا بينما يلجأ خصومها إلي الوسائل العملية الناجعة، ومن ورائهم قوات عظيمة مسلحة استطاعوا إنشاءها بجهود جبارة وما زالوا يستزيدون منها، وشعارهم دائما الفصل للقوة، وان عصبة الامم، ونظرية السلامة الإجماعية، ومشاريع نزع السلاح وأمثالها، إن هي إلا احلام عقيمة؛ وان العهود والمواثيق الدولية لا قيمة لها متي كانت عثرة في سبيل الأماني والغايات القومية

وبينما نري الحكومات في الدول الدكتاتورية راسخة قابضة على ناصية الحكم بقوة واستمرار، لا ينازعها في الداخل أو يقف في سبيلها منازع، إذا بالدول الديمقراطية تقوم عليها حكومات برلمانية سريعة التقلب، وإذا بها تتعثر في الكفاح والمقاومة، لأن نظمها وتقاليدها البرلمانية وما تلقي أحيانا من المعارضة وتجاذب الآراء والقوي، يحول دون سرعة الأقدام والبت في المواقف والأزمات الخطيرة. وقد ظهر في أثناء الآزمة الدولية الأخيرة في سبتمبر الماضي، ان المانيا وإيطاليا تتفوقان في الآهبة الحربية الشاملة، والمعدات العسكرية، على الدول الديمقراطية، وانهما استطاعتا أن تقوما في ذلك الظرف الدقيق بتعبئة عسكرية سريعة اعتمدنا عليها في تدعيم وجهة نظرهما، وفي إحراز فوز حاسم في مؤتمر ميونيخ، وهما ما زالنا اليوم تواليان العمل السياسي اعتمادا على هذه القوة، فألمانيا تبسط نفوذها المسلح على أوربا الوسطى ودول البلقان،

وتطالب بمستعمراتها السابقة بقوة ووعيد، وإيطاليا تطالب بمقائم ومزايا استعمارية جديدة وتغرق في الوعيد والتحدي.

واليابان من جانبها وهي ركن الدكتاتورية في الشرق الأقصى تتوغل في الصين وتستولي على أراضيها وعواصمها تباعا، دون أن تستطيع قوة أن تقف في سبيلها.

فهل معنى ذلك كله ان كفة الدكتاتورية قد رجحت أو انها سترجح نهائيا ؟ وان معسكر الديمقراطية سيرغم علي الخضوع والتنازل باستمرار ؟ وان انكلترا وفرنسا سيقضي عليهما بفقد تفوقهما السياسي القديم، وتغدوان من الدول الثانوية بعد أن كانت كلتاهما في طليعة الدول العظمي

يقول بعض انصار الدكتاتورية إن الأمبراطورية البريطانية صائرة إلي الإنحلال، وإنها تعاني الآن بوادر الداء الأولى؛ وإن الشعب الفرنسي قد فقد بفعل المؤثرات الاشتراكية والشيوعية فضائله القديمة، ودخلت فرنسا في دور انحلالها، وإن المستقبل يبسم للدكتاتورية، وسيكون لها.

وهذا تصوير تطبعه المبالغة. نعم إن الديقراطية قد أصابتها في الأعوام الأخيرة عدة ضربات وهزائم واضحة، وقد فقدت بلا ريب كل ما جنته من ظفرها في الحرب الكبرى بتحطيم معاهدة فرساي؛ وقد ارتكبت عدة أخطاء خطيرة، وأبدت كثيرا من التردد والضعف في مختلف الأزمات الدولية. ولكن يلاحظ أولا أن الديمقراطية قد شعرت بالخطر المحدق بها من جراء تهاونها وتخاذلها، ونهضت لدرئه بنفس الوسائل التي لجأ إليها خصومها، أعني بالتسليحات الضخمة، والاستعدادات العسكرية العظيمة. وإذا كانت الدول الدكتاتورية قد بلغت في ذلك مدى عظيما، فانه يلاحظ انها قد استنفذت في بلوغه كل طاقتها ومواردها، وأنها قد ضحت في سبيله بالاقتصاد القومي، واضحت تلوء تحت أعباء ومتاعب اقتصادية هائلة. أما الدول الديمقراطية فإنها ما زالت

تستطيع، بالاعتماد على مواردها القومية والاستعمارية العظيمة، ان تمضي في ذلك اشواطا بعيدة، وان هذا التنافس في التسليح سوف ينتهي بفوزها وتفوقها؛ وليس ادل علي ذلك مما تدعو إليه المانيا اليوم من تحديد التسليحات، وذلك خشية من تخلفها في هذا المضمار الذي لا تقوي عليه مواردها وجهودها، ومحاولة منها ان تستبقى مرحلة التفوق التي بلغتها

والمعسكر الديمقراطى بعد ذلك أكثر عددا، فهو يشمل بريطانيا وفرنسا وروسيا من الدول الأوربية العظمي وقد يشمل بعض الدول الثانوية مثل بولونيا ورومانيا وبلجيكا حسبما تدل عليه التطورات الأخيرة. واهم من ذلك انه يشمل الولايات المتحدة ( امريكا ) وهي اليوم اشد دول العالم خصومة لألمانيا والمعسكر الدكتاتوري، وأشدها حماسة في المناداة بمقاومته وتحطيمه.

أما العسكر الدكتاتورى فهو ينطوي اليوم علي محور برلين روما. ولكن مما يشك فيه ان يستمر هذا التحالف بين المانيا وايطاليا طويلا علي قوته وتضامنه. وهو قد فقد كثيرا من قوته منذ استولت ألمانيا علي النمسا، وفقدت إيطاليا بذلك كل نفوذها في أوربا الوسطي هذا فضلا عن ان الفاشستية تنظر بعين القلق إلي مجاورة المانيا الكبري لحدود إيطاليا الشمالية. أما الميثاق الثلاثي المعقود بينهما وبين اليابان فهو ميثاق خيالي؛ واليابان لا تفكر إلا في مصالحها في الشرق الأقصى، ولا تقبل أن تكون العوبة في يد الدول الفاشستية تتخذها اداة للتوازن الأوربي، وهو ما يرمي إليه محور برلين روما.

هذا وقد بلغ الصراع بين المعسكرين اليوم مداه في ميدان السلم؛ وبلغت الديمقراطية في تساهلها وتنازلها اقصي الحدود؛ فأي اصطدام جديد بين المعسكرين قد يضرم شرارة الحرب التي رأت الديقراطية أن تتفادي حتي اليوم غمارها بكل الوسائل

والدكتاتورية مازالت تؤمن بالاعتماد على تجاربها الصاخبة وتحقيق امانيها بطريق الوعيد والتحدي، وهو الطريق الذي نجحت في سلوكه حتى اليوم؛ وليس ادل على ذلك مما وقع أخيرا بين إيطاليا وفرنسا، حيث قامت في إيطاليا حركة عنيفة شبه رسمية للمطالبة بتونس ونيس وكورسيكا، ولكن هذه المظاهرة العنيفة لم تسفر إلا عن إحداث رد فعل عكسي في فرنسا حيث أبدت فرنسا عزمها بمظاهرات رسمميه وشعبية على الدفاع عن كل شبر من الأرض تخفق عليه رايتها، وإيطاليا أعرف الناس بأنها لا تستطيع ان تحقق شيئا من هذه المطالب الا بحرب هائلة تنتصر فيها، ولكنها تتوسل بها كما هو واضح لتحقق في قناة السويس وتونس وجيبوتي مطالب أقل خطورة وأيسر منالا

ومن جهة اخري فانه يلاحظ ان هنالك تحولا في تيارات السياسة الأوربية لم يعرف حتى اليوم اثره ومداه، فالميثاق البولوني السوفيتي الذي عقد فجأة بين بولونيا وروسيا والذي آثار في المانيا دهشة واضطرابا، ومظاهر التقرب بين فرنسا والمانيا التي انتهت باصدار التصريح الفرنسي الألماني بعدم الاعتداء، وما يقال عن محاولة التقرب بين المانيا وروسيا، وما يعتزمه رئيس الوزارة البريطانية من زيارة روما لتوثيق الروابط الايطالية الانكليزية، وربما الإيطالية الفرنسية؛ كل هذه وقائع وتطورات ستحدث اثرها بلا ريب في الموقف الدولي في اوربا، وفي سير الصراع بين الكتلة الدكتاتورية، والكتلة الديمقراطية.

والخلاصة ان الديمقراطية قد خسرت إلي اليوم في هذا النضال كثيرا من المزايا العسكرية والسياسية، وقد فقدت كثيرا من هيبتها السياسية، ومن سيطرتها القديمة على القارة الأوربية، وعلي سير الحوادث الدولية. ولكن الفرصة ما تزال سانحة أمامها لاسترداد كل شئ، والزمن حليفها، ومواردها التى لا تنضب، خير كفيل بتفوقها في معركة عالية طويلة المدى.   (***)

اشترك في نشرتنا البريدية